الرائدة في صحافة الموبايل

بنعليلو.. مصداقية القضاء لن تتحقق إلا عن طريق ترسيخ القيم والأخلاقيات القضائية الرفيعة

كلمة السيد محمد بنعليلو وسيط المملكة بمناسبة الندوة الوطنية المنظمة بشراكة بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة حول موضوع “مدونة الأخلاقيات القضائية: محطة هامة في تأطير السلوك القضائي” يومي 24 و25 يونيو 2021

السيد الرئيس المنتدب للمحلس الأعلى للسلطة القضائية،
السيد رئيس النيابة العامة،
السيدة الرئيسة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات؛
السيدة رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان؛
السيد رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها؛
السادة أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية؛
السادة المسؤولون زميلاتي القاضيات زملائي القضاة
الحضور الكريم
إنه لمن دواعي سروري أن أتواجد معكم في هذا اللقاء الذي يلتئم اليوم في هذا الفضاء بدلالته الرمزية، لقاء علمي ببعد أخلاقي، ارتضيناه مجالا للحوار الرصين، والنقاش العميق، والتعبير عن الإرادة الصادقة في أن نجعل من ذكائنا الجماعي، آلية مهمة لبلورة فهم مشترك لفضيلة الأخلاق المهنية، وتسليط الضوء على بعض القيم والمفاهيم والمبادئ المؤطرة لمدونة الأخلاقيات القضائية، كمرجعية تأطيرية أو ما يمكن أن أسميه بـ «الآليات الموازية الناظمة للسلوك القضائي»، وأن نجعل من إبداعنا الخلاق سبيلا للاهتداء إلى أفضل السبل في فهم محدداتها، وفي ضمان صفات المروءة وعلو الهمة والوقار، واستحضار مقومات ومظاهر الاستقلال والحياد والتجرد والموضوعية والنزاهة…
إن وحدة الهدف، وبعد الأفق المنشود في أسمى معانيه، يجعلان من هذا اللقاء فرصة سانحة لضمان الالتقائية المرجوة في بسط الرأي والرأي الآخر لفهم ما تم التوافق عليه من مبادئ وما تم تكريسه من تصورات، وما تم خطه من ممارسات تزاوج بين العالمية والخصوصية.
فالشكر موصول إليكم السيد الرئيس الأول، السيد الوكيل العام، على اختيار هذا الموضوع الذي يجسد انشغالاتنا المشتركة، للارتقاء ليس فقط بالأداء المهني للسادة القضاة، ولكن أيضا بالانشغالات الأخلاقية والأعراف المهنية لهم، ليس فقط كمنظرين ومتكلمين في موضوع سمته الدقة والتشعب، بل كفاعلين تحدوهم الرغبة الأكيدة في التوفيق بين الحق والواجب في السلوك القضائي من زاوية الأخلاقيات المهنية في ظل تداعيات العوملة والتطور المتسارع لوسائل الاتصال والتكنولوجيات الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي.
إن مؤسسة وسيط المملكة، مقتنعة تماما بأن الثقة في القضاء ودعم مصداقيته لن يتحققا إلا عن طريق ترسيخ القيم والأخلاقيات القضائية الرفيعة، وسيادة السلوك القويم لدى مكونات الجسم القضائي برمته، مع ضرورة الالتزام والتقيد بها من طرف السادة القضاة في حياتهم المهنية وسلوكهم الشخصي بما يحفظ هيبة القضاء وحرمته، باعتبارها مؤشرات قياس مجتمعية لفهم جدلية الحق والواجب في السلوك القضائي.
ولأننا أمام مؤشرات قد تبدوا مألوفة لدينا على الأقل من زاوية المفهوم، فإنني أعتقد أن ذلك في ذاته موجب لوقفة تأمل حقيقية في وقتنا الحالي، لإعادة طرح التساؤلات حول مدى اعتبار المبادئ المقررة في هذا الشأن مبادئ ناظمة لحياتنا اليومية لا لمجرد أدائنا المهني، ومؤطرة لاستيعاب ما يراه الجمهور في علاقته بما يتطلع إليه كصور نمطية حول القاضي.
حضرات السيدات والسادة،
كثيرا ما ننجر، ونحن نلامس الالتزامات المهنية للقاضي إلى زاوية القانون، وهو أمر لا خلاف في أهميته وله مبرراته القوية، لعلاقته بمنظومة الشفافية والنزاهة القضائية في كثير من الأحيان، لكننا اليوم نطرق وبشكل غير مسبوق مجالا ظل لعقود طويلة من تاريخ القضاء المغربي، إرثا شفويا، أو ممارسة سلوكية، أو تناصحا قضائيا بالاستناد إلى مواقف تتناقلها أجيال القضاة كبيرا عن كابر، وفي أفضل الأحوال أمام محاولات توثيقية جمعوية.
لكننا اليوم نطرح للنقاش مدونة متكاملة للأخلاقيات القضائية بإلزام قانوني أحيانا، مدونة بمقتضيات لها انعكاس على حقوق القضاة وواجباتهم، إن لم نقل قد نجد فيها البديل المناسب والحل الأمثل للحد من مجموعة من الممارسات المؤثرة على الثقة العامة في الأداء القضائي.
فكما أننا متفقون على أن الفساد مظهر من المظاهر الماسة بالقضاء وصورته لدى المجتمع، وكما أننا متفقون أيضا على أن الحل يكمن بيدنا نحن القضاة، قبل أن نبحث عنه لدى غيرنا، وجب أن نتفق خلال هذا اللقاء على أهمية الأخلاقيات القضائية كمؤشرات قياس الأثر في مجال الاستراتيجيات القطاعية لمكافحته، لأن العدالة لا يجِب أن تتحقق فحسب، بل يجب أن يراها الناس تتحقق.
نعم، إن فكرة المؤشرات الأخلاقية، في هذا المجال تلامس جانبين مختلفين، يهمان في ذات الوقت: قياس الأثر السلبي وقياس جهود تجاوزه، وإذا كنا نعي جيدا صعوبة إيجاد معيار علمي جامع لقياس هذه العلاقة وتقييم آثارها، فإننا على يقين أيضا بأن عملية الرصد والقياس ممكنة، على الأقل من خلال بعض السلوكيات التي تعتبر مؤشرات للأقيسة الإدراكية التي تحاول رصد الانطباعات من خلال استطلاعات رأي حول الأداء القضائي.
حضرات السيدات والسادة،
قد لا نختلف كثيرا حول ما يزخر به موروثنا الثقافي من قواعد ومبادئ مؤطرة لسلوكنا القضائي، كما قد لا نختلف حول ما عرفته منظومتنا الأخلاقية من تطور أحيانا، وما قد تعاني منه من فراغات أحيانا أخرى، استدعت التفكير في ملئها نظرا لانعكاسها المباشر على المشهد القضائي الوطني.
لذا فإننا مطالبون بأن ننظر اليوم لهذا اللقاء على أنه أكبر من مجرد عملية تعليمية أو تواصلية للتعريف بمدونة السلوك القضائي ومناقشة بعض مما تضمنته من زوايا مختلفة، على أنه عملية تفكير مشترك تفرض علينا جميعا، كل من جهته، كل من زاوية نظرته للأمور، إعادة قراءة واقع الممارسات والسلوكيات المهنية والشخصية على ضوء المبادئ التي تضمنتها المدونة، ومساءلة الذات حول ما ترسخ لها من تأويل أو تطبيق أو فهم على ضوء اجتهادات المجلس الأعلى للسلطة القضائية وما ترسخ دوليا في فهم هذه المبادئ بالنظر لكونيتها ، كل ذلك في ظل خصوصيات القضاء المغربي الضارب بجدوره في عمق التاريخ ، والمتطلع دوما للمنافسة في كل المنتديات.
حضرات السيدات والسادة؛
الأكيد أن مناقشة الموضوع متعددة المداخل باعتبار أن كل مبدأ من المبادئ الأخلاقية وكل قيمة مجسدة له يستحق أن يكون مدار لقاء خاص به.
لكن، لي كامل القناعة بأن هذه الصفوة من السادة المتدخلين، قادرين على كشف الغموض، وتوفير الأجوبة، على مختلف التساؤلات التي تثار بإلحاح، حول مدى أخلاقية الكثير من السلوكيات والممارسات التي يتكرر طرحها باستمرار، على الأقل بمناسبة كل ملف تأديبي له علاقة بموضوع الأخلاقيات المهنية، وعن مجمل الانشغالات التي تصاحب هذه الإجراءات من زاوية الحريات الفردية والشخصية للسادة القضاة.
قدرنا من هذا اللقاء، أن نفتح موضوعا ليس من المواضيع التقليدية، وبالتالي لن نبلغ الأهداف المرجوة في شيء، ما لم نسمي الأشياء بمسمياتها، وما لم نجتهد في الفهم، وما لم نبحث عن أفضل الممارسات ونبدع أرقى الصور المتطورة لما تقتضيه المستجدات المتسارعة في هذا المجال.
إننا حضرات السيدات والسادة كما ننظر إلى الشفافية باعتبارها سلوكا تدبيريا كفيلا بوضع حد لبعض الممارسات المطبوعة بالاختباء خلف جدار الصمت، وكما ننظر إلى الحكامة باعتبارها تجسيدا ملموسا للتدبير السليم للشأن القضائي، فإننا نعتبر الأخلاقيات المهنية القضائية مكونا أساسيا لبلورة تصور رقابي يعكس الصورة الحقيقية للتمثل المجتمعي لأدائنا القضائي.
لذا، فإننا اليوم نعطي الانطلاقة، لحوار موسع بين مهني، ومع ذلك نقول بصوت جهاري إن هذا الموضع ليس شأنا خاصا بفئة القضاة، كما وليس موضعا لمناقشة محددات حرية القضاة في ممارسة حياتهم الشخصية، بقدر ما هو شأن عام أفقي متقاطع، له انعكاس مباشر على الأداء القضائي وصورته، والرفع من منسوب الثقة فيه لدى المجتمع .
إنني، شخصيا، على قناعة تامة ويقين أكيد بأن ما سيتمخض عليه حوارنا الصريح هذا اليوم من أفكار قيمة سيشكل رصيدا مفاهيميا مؤطرا لسلوكنا القضائي من جهة، ومحددا لتطوير الاجتهاد لدى المجلس الأعلى للسلطة القضائية .
وفي ختام هذه الكلمة أقول، إن التملك الجماعي لمبادئ هذه المدونة والتقيد بها في سلوكنا، وترجمتها في ممارساتنا المهنية بقناعة تستحضر المصلحة العامة القضائية، هو رهان لا بد أن تكسبه.
مرة أخرى اسمحوا لي أن أجدد جزيل الشكر وخاصته، للسيد الرئيس المنتدب ورئيس النيابة العامة وكل أعضاء المجلس على هذه المبادرة وانخراطهم التام في دعم مخرجاتها.
شكرا لكم
محمد بنعليلو وسيط المملكة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد