بين التصعيد والدبلوماسية.. هل تقود المفاوضات إلى سلام دائم؟!
دنا بريس
وصال عجلاوي – صحافية متدربة
يتواصل التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في سياق إقليمي معقد، خاصة مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض سنة 2025، حيث تعرف العلاقات تصعيداً حذراً دون الوصول إلى مواجهة مباشرة. ورغم ذلك، يظل خيار المفاوضات والتسوية السياسية مطروحاً ضمن معالجة سياسية–دبلوماسية، كأحد السيناريوهات الأكثر احتمالاً لتدبير هذا التوتر. وفي هذا الإطار، تبرز إشكالية مركزية تتجاوز الطرح التقليدي: هل تمثل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران مساراً فعلياً نحو تسوية دائمة، أم أنها مجرد امتداد للصراع بوسائل أقل تكلفة وأكثر براغماتية؟
يتجسد هذا “التصعيد الحذر” في طبيعة الخطاب الرسمي الأمريكي الذي يجمع بين التهديد باستخدام القوة في حال فشل المفاوضات، وبين التأكيد على استمرار الخيار الدبلوماسي. فقد صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الولايات المتحدة “لا تستبعد الخيار العسكري إذا فشلت المفاوضات”، مع تأكيده في الوقت نفسه أن “الاتفاق مع إيران لا يزال ممكناً”، وهو ما يعكس مقاربة تقوم على توظيف الضغط كأداة تفاوضية أكثر من كونه توجهاً مباشراً نحو الحرب.
أما الخطاب الإيراني، فيتحرك بدوره ضمن منطق يقوم على رفض الضغوط والإملاءات الخارجية، مع الإبقاء على إمكانية العودة إلى طاولة المفاوضات. فقد أكدت طهران أنها لا ترفض مبدأ الحوار، لكنها تشترط أن يتم في إطار يحترم سيادتها ويرفع العقوبات الاقتصادية. ويعكس هذا الموقف سعي إيران إلى الحفاظ على هامش مناورة دبلوماسي يوازن بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج.
وتكشف دينامية هذا الملف أن المفاوضات لا تُفهم فقط كخيار دبلوماسي، بل كأداة ضمن إدارة صراع طويل الأمد بين الطرفين. فالتوازنات الإقليمية والدولية تجعل من أي تصعيد عسكري شامل خياراً عالي المخاطر، وهو ما يفسر استمرار قنوات التواصل المباشر وغير المباشر بين واشنطن وطهران رغم التوتر القائم.
في هذا السياق، يقدم الباحث في العلاقات الدولية في Carnegie Endowment for International Peace، “كريم سجادبور”، قراءة تحليلية تعتبر أن العلاقة بين واشنطن وطهران “تتحرك في دائرة دائمة بين الضغط القصوى والتهدئة المؤقتة، دون وجود إرادة سياسية واضحة لتحويل التفاوض إلى تسوية نهائية”. ويضيف أن هذا النمط من التفاعل يعكس ما يمكن تسميته بـ“إدارة الصراع المزمن”، حيث يصبح الهدف الأساسي هو التحكم في مستوى التوتر بدل حسمه نهائياً.
تدعم هذا الاتجاه مجموعة من المعطيات، أبرزها انخراط أطراف إقليمية مثل السعودية وتركيا في الدعوة إلى التهدئة وتفادي التصعيد، إلى جانب تحركات دبلوماسية تقودها قوى دولية كروسيا والصين والأمم المتحدة، التي ترى في استمرار الأزمة تهديداً للاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة العالمي.
ولا يمكن فصل الموقف الإيراني عن الضغوط الاقتصادية الداخلية الناتجة عن العقوبات، ما يدفعه إلى اعتماد مقاربة مرنة نسبياً في إدارة التوتر، تقوم على التشدد في الخطاب والانفتاح المشروط في الممارسة. أما الولايات المتحدة، فبقيادة ترامب وبدعم من إسرائيل، تواصل سياسة الضغط الهادفة إلى تقليص النفوذ الإيراني مع الحفاظ على توازن يمنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.
وتظل تجربة الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA) مرجعاً أساسياً في فهم دينامية هذا الملف، إذ أثبتت أن التسويات ممكنة من حيث المبدأ، لكنها تظل هشّة وقابلة للانهيار في ظل غياب الثقة المتبادلة. وقد ساهم انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق سنة 2018 في إعادة إنتاج التوتر بصيغ أكثر تعقيداً دون حسم جذري للصراع.
في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن العلاقات بين واشنطن وطهران لم تعد تُدار بمنطق الحرب أو السلام، بل بمنطق إدارة الصراع. فالمفاوضات هنا لا تعني إنهاء التوتر، بل إعادة تنظيمه ضمن حدود يمكن التحكم فيها، مما يجعل السيناريو السياسي–الدبلوماسي الخيار الأكثر واقعية رغم ما يحمله من هشاشة وعدم يقين.
ملاحظة: الصورة نولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي