حين يتعارض الفقر مع الحرية والديمقراطية..
كتب نافغ وديع
“لانؤمن بالحرية مع الفقر”.. عبارة قصيرة قالها عبد الله إبراهيم في أول زيارة له للولايات المتحدة الأمريكية بعد الإستقلال مباشرة ، وهي على قصرها تحمل معاني كبيرة في طياتها، نحن لانؤمن فعلا بالحرية مع الفقر ! لماذا؟ لأن الحرية لاتصبح حرية بمعنى الكلمة إلا إذا إستطاع الإنسان إستغلالها، في حدود القانون طبعا، بدون أن يخاف من ممارستها أو يساوم عليها وبدون أن تكون هناك مؤثرات تنتقص منها أو تقيدها.
وعلى هذا فلايمكن أن تكون هناك حرية مع الفقر، لأن الفقير مقيد بفقره، والقيد يتنافى مع الحرية، كما يتنافى مع الديمقراطية، والرجل الفقير لايملك حرية الاختيار لأن الحاجة والجوع يفرضان عليه إختيارا معينا، أي يضطر إلى التنازل عن حريته ليلبي حاجيات أسرته وعائلته من مأكل ومشرب.
ويتجلى التناقض بين هذه المفاهيم التلاث، أي الفقر والديمقراطية والحرية بشكل أساسي في الإنتخابات المغربية. فالشعب الفقير لايمكن أن يختار ممثليه بحرية مادام فقيرا جائعا جاهلا.
وعلى إمتداد التاريخ وقعت شعوب كثيرة في هذه المأساة، وأقصد بالتحديد تلك الشعوب التي ركبت قطار الديمقراطية بأميتها وجهلها وتخلفها وفقرها، ففي هذه الدول كانت هناك برلمانات ودساتير ومؤسسات منتخبة، ولكن ذلك كله لم يكن في مصلحة الشعب ولأجله، بل؛ في مصلحة رجال المال والأعمال الذين مارسوا السياسة من أجل الإغتناء ومراكمة الأموال والثروات. فقد كانت الانتخابات تجري بصفة ديمقراطية ومع ذلك كان الفقير عبدا للغني أو على الأقل تابعا له، فكان صاحب المال ينجح دائما في الإنتخابات ببضع ملايين من الدراهم تمكنه من شراء أصوات الناخبين وذممهم لضمان سلطته كصوت مشرع للقوانين في البرلمان والمؤسسات التي تسمى ديمقراطية. فالشعب الفقير اليوم لايختلف عن ماكان عليه الحال بالأمس، يضطر لبيع حريته وصوته لأناس يؤمن أنهم لايمثلونه ولايمثلون مصالحه أبدا ومع ذلك يضطر تحت بريق المال خاضعا لنفوذ وسلطة المترشح الفاسد. لماذا؟ لأنه كما أسلفنا الذكر، الفقير لايملك حرية الإختيار أبدا وأن فقره وعوزه وحاجته، قد فرضا عليه سلفا نوعا من الاختيار.
إن أساس كل تقدم وأساس كل ديموقراطية حقة هي العدالة الإجتماعية التي تقضي على الفوارق الكبيرة بين أفراد الشعب الواحد، حتى لا تكون هناك طبقة غنية سائدة تفعل ماتريد بأموالها وطبقة فقيرة مسودة تبيع كل ماعندها.