اللباس في المجتمع القروي بين الأمس واليوم.. آيت مراو نموذجا
بقلم يونس فارس
يقول الأستاذ عبد الرحيم عنبي أنه ينبغي العودة إلى التاريخ والسير الذاتية والمقابلات مع المسنين لمعرفة كيف كانت الأسرة قديما، وهو ما يمنح القدرة للباحث على فهم أهم التغيرات التي طرأت على الأسرة ؛ ولتحقيق هذا الغرض – أي فهم التغيرات التي عرفتها الأسرة القروية بأيت مراو – لابد من العودة إلى الماضي وذلك لمعرفة ما كانت عليه، وهو ما سيمنح لنا القدرة على مقارنتها بماهي عليه اليوم. لهذا سنعتمد على المقاربة السوسيوتاريخية في بحثنا هذا خاصة المترسخة في الذاكرة الجماعية . نظرا لما ستقدمه لنا هذه المقاربة من معلومات حول ماض قريب من أجل تحليل التغيرات؛ فهو يتيح لنا إذن القدرة على فهم الحاضر على ضوء العودة إلى الماضي وتتبع مسار الانتقال من حال إلى حال آخر .
مما لاشك فيه أن ظهور وسائل التكنولوجية الحديثة – التلفزة ومواقع التواصل الاجتماعي – أحدثت طفرة نوعية في المجتمع القروي ونتج عنها ممارسات وتأثيرات إنعكست في مجملها على المجتمع عموما وعلى الأسرة بصفة خاصة، فنمط اللباس هو أيضا طرأت عليه تغيرات نتيجة تداخل مجموعة من العوامل من بينها التأثير الذي مارسته التكنولوجيا على الأسرة، خلال السنوات الأولى لقدوم الفرنسيين إلى المغرب، لم يكن المغاربة يهتمون أبدا بملابسهم، لذا لم يكونوا أنيقين ومهندمين بشكل حسن. في عشرينيات القرن الماضي، كان المغاربة يعيشون تماما مثل القرون الوسطى خصوصا الحرفيون والمتعلمون لديهم والفلاحون، وحرص هؤلاء على إعداد لباس خاص فقط بالمناسبات الكبرى. ارتبط القاموس الدارج وقتها بوصف الفقراء ب«المقطعين»، ؛ فهذه إحدى المقولات المحلية ( تنضامت ) تقول :
أداي تمت أبو لمال نسوياك أليم نقيمد أيت تودرت نلساك تخنشيين
ومعناه بمجرد وفاتك يا صاحب المال سوف نكفنك بالتبن لنظل نحن أصحاب الدنيا لابسين الأكياس.
واضح إذن من خلال هذا البيت الشعري أن سكان المنطقة كانوا لا يعرفون اللباس بمواصفاته الحالية، و هذا ما يزكيه قول أحد المبحوثين من كبار السن بأن أكياس الدقيق شكلت و لفترات متأخرة لباسهم – إلى حدود سنوات الستينيات تقريبا – ، أما الأحذية فكانت نادرة اقتصرت على بعض نعال الكبار(أركسن ) دون الصغار إلى غاية دخول النعال البلاستيكية ( فليكس ) .
وفي ستينيات القرن الماضي تقريبا يبدو أن مرحلة الأكياس قد ولت لتحل محلها ألبسة أخرى كان هدفها عموما هو السترة، آنذاك كانت المرأة تلبس ما يسمى ب ” تاسبنيت ” لتغطية الرأس ثم “أسدوي ” لتغطية الجزء الممتد من الرأس إلى النطاق تقريبا. فـ” تشطاط ” لتغطية ما بين العنق و القدمين و أخيرا ” تشرافت ” للنطاق. وكلها ألبسة تتميز بالحشمة؛ إذ لا يظهر من النساء سوى الوجه و أحيانا العينين فقط، بوضعهن ما يسمى ” أخميم “
أما الرجل كان يلبس ” العمامة ” الجلباب ” السلهام ” ثم السروال** ولما لهذه الألبسة أيضا من دلالات رمزية من قبيل الشهامة القوة الصلابة … إلخ ومازال كبار السن يستعملونها .
أما الآن خصوصا مع الشباب فقد تغير معنى اللباس من التستر والاحتشام إلى الموضة ( أغلبهم إستعمل هذا المفهوم للتعبير عن مواكبة العصر ومواكبة التغيرات) ويضفي على الجسد أناقة ومظهرا مقبولا ، فقد أصبحت الموضة اليوم محط أنظار الشباب وتلعب دورا كبيرا في توجيه تمثلاتهم وممارستهم اتجاه أجسادهم، فأصبح من الناذر أن ترى أحد شباب القرية مرتديا الجلباب، يحدث هذا فقط في المناسبات الدينية وفي يوم الجمعة، أما الإناث فهناك نوع من الإزدواجية بين اللباس القروي والحضري، هذا الأخير لا زال نوعا ما يتميز بصفة التستر، فالأشكال الأخرى من الألبسة العصرية ما تزال نوعا ما محضورة كالجينز، القميص، سراويل ضيقة( عند الإناث ) … إلخ. هذا لا يعني أن نظرة الجمال والتزين غائبة لدى الأنثى بل هي حاضرة أيضا، كما أنهن يستخدمن مساحيق التجميل التي لم تكن تستخدم من قبل، فأغلب المشاركين في البحث يرون أن هذا التغير في شكل اللباس لا يعني بالضرورة عدم احترام لعادات مجتمعنا بل هي ضرورة حتمها التطور الذي عرفه العالم فلكل مرحلة تاريخية طريقة عيش تمليها الظروف (ماشي أورنحتارم العادات ن تمازيرت غير تويتيد لوقت ورد يوسي أد لسن مدن إحروين إنقان نلس نكني إهرويشن ) ، يمكن أن نستنتج من هذا الموقف بأن اللباس التقليدي لم يعد مرغوبا فيه لأنه نتاج أجيال و ظروف سابقة، و بحكم التغير الذي طرأ على البنى الاجتماعية و الثقافية يذهب الشباب إلى التكيف مع الأساليب الجديدة للباس التي توفر له الرضى و تحقق له المكانة الاجتماعية، فالتكنولوجيا بما تحتويه من قيم مادية تشجع عليها من خلال تقديم نماذج للحياة المترفة، مثل ما يعيشه الرياضيون والممثلون … إلخ من بدخ وسفر وملابس ، تضع المشاهد في موقف مقارنة بين واقعه الذي يعيشه وما يراه من واقع مختلف. وهو ما يدفعه إلى تقليد ما يراه وذلك من خلال الملابس وتسريحة الشعر… ، وقد شكل هذا خلافا لما يراه الآباء من عدم ملائمة هذه النماذج لواقع المجتمع القروي، ما يؤدي إلى حدوث صراع بين الأجيال.
تقول أيضا إحدى المبحوثات ” ملي كنكونو لهي – تقصد الجامعة – تنلبسو السراول وتيشورتات فاش تانرجعو تاني كنلبسو ديال الدوار ” ، وهو ما يؤكد أن الأنثى هي أيضا تسعى إلى تغيير شكل اللباس المفروض عليها اجتماعيا ، فبمجرد أن تبتعد عن رقابة الأسرة مؤقتا تقوم بارتداء ما تشاء وتتصرف تبعا لمجتمعها الجديد**.
يمكن أن نقول إذن أن اللباس قد طاله التغير، وهذا التغير تختلف وثيرته باختلاف الجنس؛ بحيث يمكن أن نقول أنه إلى حد ما تغير جذري بالنسبة للذكور فاللباس الأكثر حضورا هو القميص والبنطلون، فالجلباب كما أشرنا سابقا حضوره يرتبط فقط بالمناسبات الدينية، عكس الإناث فلباسهن لا يزال يحافظ على قيمة التستر والاحتشام رغم أنه هو أيضا طالته الموضة والتزين. ويمكن أن نسمي هذا النوع من اللباس ب ” حجاب الموضة ” لأنه يتوافق ومع المعطيات السوسيوثقافية للمجتمع .
الهوامش :
مقتطف من بحثنا لنيل شهادة الإجازة ” التكنولوجيا وتغير القيم بالأسرة القروية دراسة ميدانية لقرية أيت مراو “
- شكل السروال : يسمى ب ” السروال بوكوال” وهو سروال واسع وقصير يصل إلى الركبتين يكون في الغالب ذا لون أبيض ، وما يزال كبار السن يلبسونه إلى اليوم تحت الجلباب
** يمكن أن نقول في هذا الصدد بأن تغير اللباس يفرضه أيضا طبيعة المجتمع ، وهذا ما لاحظناه من خلال موقف الطالبة فبمجرد إنتقالها من القرية إلى الجامعة غيرت شكل لباسها ليتماشى وطبيعة المجتمع الجديد، وعودتها إلى القرية يعني العودة إلى اللباس العادي وهذه من أشكال الإنصياع ( كقيمة لم تتغير ) التي تتعرض له المرأة ، من حق الذكر أن يلبس ما يشاء أما الأنثى طبيعة لباسها تخضع للمعايير التي يضعها الذكر ( قولنا لمعايير يضعها الذكر ولم نقل ” لباس من مرجعية دينية” انطلاقا مما استنتجناه من مقابلات كبار السن حيث يقولون ” زمان” أما الإناث يقلن ” لباس ديال الدوار “)