الرائدة في صحافة الموبايل

نادية الصبار.. ليث الحكم في المملكة مباشر دون وسائط

لكم هي المرات التي جهرت فيها؛ ليس على المنابر ولا على الموائد المستديرة، فقط هي نقاشات مستفيضة مع من نتشارك معهم هموما سياسية تؤرقنا حد السهاد، فلا يغمض لنا طرف عين… أجهر في السر واليوم في العلن،… بأنني لا أستحيي رغم مرجعيتي المتضاربة التي يتنازعها الدين مع راديكالية في التفكير، حداثية التطلع بهوية تتشبت بالأصول والينابيع… على أي لن أتساءل كثيرا عن أي دين أدين ولا عن أي اتجاه أريد… قبلت أن أعيش بفصام سياسي وهوية ناقصة وتطلع للمستقبل مشوب بالسوداوية…

لا أستحيي أن أجهر بالذي سيعده كثيرون هرطقة وفدلكة،… أني أتوق لملكية حاكمة بدون وسائط ودكتاتورية عادلة حتى؛ بدون لفائف… أو نظاما توليتاريا، لا يقبل القسمة، لما لا… فديمقراطية الزينة و”الفترينة” التي تكلف جيوب المواطنين وتسنزف ثرواتهم وتغتال أحلامهم، لم نعد بحاجة لها.

فالنظام الذي يحكم ولا يحاكم ويسخر أتباعه باسم الديمقراطية والانتخابات المفبركة، لا يمكن بحال من الأحوال ولأي جهة كيفما كانت سياسية أو مدنية أو حتى عسكرية؛ زحزحزته، لقوته وشرعيته الضاربة في القدم، تحكمه في دواليب الحكم والسلطة والجاه، لريادته في مجال المال والأعمال، لتكتيكاته المعلنة وغير المعلنة لضبط الرقعة، أضف الدعم الكبير الذي تقدمه الحاضنة الأم “فرنسا” والجدة “أمريكا” والشيطان المتلبس “إسرائيل”، لدعم نظام يحابيها عبر المهادنة والمساكنة والإذعان والامتثال للتعليمات الدولية والمنتظم الدولي.

ففي غياب نخبة مثقفة قادرة على قيادة كوكبة التغيير، اللهم بعض الشظايا المنفلتة التي يتم إخراسها قبل أن ترسل الشهاب، حتى نكاد نحسب أن سنوات الرصاص عائدة بعد أن ولت؛ أم أنها لم تولي الأدبار… فمثقفونا لا يدسون أنوفهم حيث يوجد الخلل؛ لأن أنوفهم ستبثر ان هي همت،… منوط بالمثقف المغربي أن لا يتعدى دور المثقف التقليدي فيصير مع الوقت بوقا للأجهزة الرسمية وناطقا بلسانها، همه الحفاظ على منصبه وقوت يومه، فالخلاص الفردي ونوع من البراغماتية المتمثل في الحفاظ على المكتسبات، يجعل ” الخلاص الجماعي أو الطوفان ” ضربا من الخيال.

في وجود نخبة سياسية تتسابق كالريح أو أكثر وراء المناصب والكراسي، لا هم لها إلا الظفر بالمزيد؛ “… قالت جهنم هل من مزيد”. لم تمارس أدوراها في تنشئة المواطنين وتمكينهم سياسيا، ولاهي عند وصولها المحكومة (وليست حكومة) أن تطبق برامجها؛ لأنه لا برامج لها بالأصل، ليبقى التنافس على تدبير الشأن العام والاجتهاد في تطبيق التعليمات والتوجيهات الملكية.

في وجود نخبة اقتصادية لا تعد المواطنين إلا كمستهلكين، تسعى بكل الطرق إلى الدفع بهم نحو مزيد من الاستهلاك، مما خلق شعبا مستهلكا أكثر منه منتج… والغالبية العظمى من السواد ترتاد مهنا حرة غير مقننة، قطاع غير مهيكل بات مهيكلا وبحق، تنتعش منه الطبقات الدونية والمستثمرون كذلك الذين يستفيدون من الفوضى والعشوائية لتصريف منتجاتهم بالسوق السوداء، ويغض عنه الطرف؛ الساسة والساهرون على تدبير الشأن العام لتصريف الأزمة، كبديل في غياب مناصب الشغل والفرص الشاغرة وتفاوت كبير بين العرض والطلب. فعمت الفوضى، فأينما تحل أو ترتحل تجد بجنبات الطرقات والشوارع الرئيسية وبالعواصم وكبريات وصغريات المدن تجارات عشوائية تلتهم كل منظر عام مفروض فيه أنه حق للجميع، فالمغرب صار “جوطية من طنجة إلى الكويرة “، وساساتنا ونخبتنا صم بكم عمي، لا يرجعون.

في وجود مجتمع مدني، كثيرا ما خلته بركة نثنة بجانب مستنقع كبير ( مستنقع السياسة )، بركة ظاهرها مدني وعمقها مسيس، وقاصدوه إنما يفعلون للظفر بما تبقى من فتات الكعك الذي تقتسمه النخبة السياسية للبلاد من خلال ولائم الولاء للسلطان…

في ظل تعليم قد ينتج المتعلمين وأصحاب الشواهد ولكنه لا ينتج المتنورين، والكفاءات منهم قليل، تختار جبرا أن تنضم لمصاف الأدمغة المهاجرة، حتى تلوذ بمنصب شغل وسبل عيش كريم.

في وجود مطبخ سياسي كبير، عفوا، “مخزن عتيد”، متفرد في طبيعته ومنفرد في خصوصيته، تجعله سماته قادرا على التحكم في الرقعة التي لا تعد فيها الديمقراطية إلا رفها، والأجهزة الديموقراطية بكل تلاوينها وأشكالها؛ جاهزة للتسخير.

في وجود شعب لايعي حقوقه، أو يتجاهلها، مستلب تعرض للتدجين والتهجين، بينه وبين الشأن العام ألف ميل، غفل هم، كالقطيع أو أكثر، إن تسقه يساق، وإن تلطمه قبل اللطم وإن تنحره قبل النحر، وإن تضعه في المزاد العلني قبل المزايدة…

في وجود إعلام موجه، متحكم فيه وبه، من خلال سياسة الدعم والإشهار. فالنظام القائم يمول بشكل مباشر وغير مباشر أهم وأكبر المنابر، فمع هؤلاء تضيع الحقيقة ولا يكون الإعلام هنا إلا مترجما أمينا للإرادة السياسية للبلاد، وللمتحكمين في الرقعة والعباد، فلا تكاد تنتج إلا ذات الخطاب “خضع ، يخضع ” “خنع ، يخنع “، مع وجود ترسانة لها قوة المدافع والرشاشات؛ من إعلام الظل؛ الذي يسعى إلى جانب قنوات الصرف الصحي ببرامجها المستهترة ومسلسلاتها المدبلجة والمفبركة لتضليل الرأي العام الوطني… ولإلهائه بمؤخرة طراكس وأخبار نيبا وسينا وسارا التي لم تكن قط” كول”، واكشوان اكنوان ونور المتحول والعذراء التي اغتصبت وحوادث وجرائم أبطالها من عموم الشعب ومواطني آخر درجة، أما المجرمون الكبار وناهبوا الأموال فمعهم حصانة دبلوماسية وهم فوق القانون لا يحاسبون، بأسوء الأحوال يعفون من مناصبهم ويجزون بأحسن منها، فلا نكاد نرى من الحوادث إلا تلك التي كان أبطالها من المستضعفين.

فلايسعنا والكلام كثير والألم شديد إلا أن نقول أنعم وأكرم لمن هم بالقبة ولعلية القوم، ونجهر بصوت أجش: ” ليث الحكم مباشر دون وسائط “، ونفضل إعفائنا من مسلسلات مفبركة لمشاهد سياسية لا تتغير ولو مع تغير السيناريوهات، فالسيناريو واحد لاثاني له، وكفانا زخرفا لا طائل منه، فديقراطية القالب وتوليتارية القلب لم تعد تجدي وتنفع.

نادية الصبار صحافية وكاتبة رأي، باحثة في علم السياسة والقانون الدستوري

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد