تقرير حول ندوة واقع الحريات الفردية بالمغرب
محمد امشيش – دنا بريس
نظم حزب التقدم والاشتراكية بالمقر المركزي بحي الرياض يوم الخميس 10 أكتوبر مساء بالرباط، ندوة فكرية حول واقع الحريات الفردية بالمغرب، شارك فيها كل من السوسيولوجي المغربي الدكتور عبد الصمد الديالمي الذي قارب من جانب الدراسة الاجتماعية لواقع حرية الفرد المغربي، والأستاذ كريم نيتلحو القيادي والعضو بالحزب المنظم للندوة والذي تناول القضية من الجانب القانوني، ثم الأستاذة أمينة ماء العينين والقيادية بحزب العدالة والتنمية، والتي تطرقت إلى دور الفاعل السياسي ودوره المحوري في المجتمع في الدفاع عن حريات الأفراد ونقلها إلى قبة البرلمان.
الدراسة السوسيولوجية للحريات الفردية بالمجتمع المغربي
بداية وفي كلمته الأولى اعتبر الدكتور عبد الصمد الديالمي أن الحريات الجنسية ممنوعة حسب القانون الجنائي رقم 489-490-491، وهو قانون وضعي وضع سنة 1962، كما أن هذا القانون هو تتمة وتمديد للتجريم الإسلامي للعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج وقبل الزواج وخارج الغيرية.
لكن رغم هذا المنع وهذا التجريم، فإن هاته الحريات تمارس يوميا وبتكرار، فكل الدراسات السوسيولوجية والأبحاث واحصائيات وزارة الصحة، تؤكد على أن الجنسانية المثلية والخيانة موجودة، وهو ما سماه ب”الانفجار الجنسي”، ما يصفه أن المغاربة لصوص جنسيون يسرقون متعا جنسية ممنوعة، ينعته ب”الترميق المجال الجنسي” سنة 2007، أي أن المغاربة يسعون إلى قضاء حاجاتهم بطرق شتى وفي أي مكان، أطلق عليه في كتابه “الجنس سكن الإسلام” سنة 1995 ب”البؤس الجنسي”. كل هذا يؤذي بالفرد إن صح التعبير إلى خطرين هما:
الوقوع في الاعتداءات الجنسية.
الحرمان الجنسي المؤذي إلى ظهور الشخصية الإسلاموية المتطرفة والإرهابية.
وفي تشخيصه هذا فإن القراءة الإسلاموية ينتج عنها ثلاث نزعات هي:
1 – نزعة معتدلة تساهم في اللعبة الديمقراطية، وتقول بأن المجتمع المغربي منحرف جنسيا، يزيغ عن الطريق المستقيم.
2 – نزعة تستعمل مفهوم الفتنة الجنسية والفوضى الجنسية.
3 – نزعة راديكالية تقول أن المغرب يعيش عودة إلى الجاهلية.
من منطلق هذا التقديم يعتبر الديالمي، أن النظرية السوسيولوجية، هي التي تحلل وتفسر ما هو قائم. وهي نظرية “الانتقال الجنسي” التي وضعها سنة 2012، أي أن هناك انفجار بين المعايير الجنسية والمعايير الدينية التي لم تبقى دينية، لكن رغم هذا الانفجار من المستحيل أن نجرم كل السلوكات الجنسية اللاقانونية، لأن حالات المتابعة قليلة مقابل العدد الكبير لما هو موجود.
القانون الجنسي اذن، يقول الدكتور يغرق يوميا، بل متجاوز بالنظر إلى الواقع، وميزة هذا الانتقال الجنسي أن هناك ولادة عسيرة للمجتمع المغربي، كأم حامل تحمل قيما جنسية علمانية تتوق إلى ذلك لكنها غير قادرة على أن تضع هذا المحمول وهذا الانتقال يمر بثلاث مراحل هي:
في المرحلة الأولى، كان هناك تطابق ديني إسلامي بين المعيار والسلوك، أي أن كل العلاقات كانت تقوم على الزواج. أما الثانية، وهي مرحلة الانتقال الجنسي مند نهاية الستينيات وبداية السبعينيات بدأ السلوك الفردي يتحرر. والثالثة والأخيرة مرحلة علمنة القيم الجنسية. وهنا يَطرحُ السؤال، كيف يحصل هذا الانتقال الجنسي لكي يتم تصالح مجتمعي للمغاربة مع سلوكاتهم اليومية؟ ليجيب، أنه لا وجود لمعاهدة دولية، وليس هناك ضغط قانوني على الدولة المغربية، لكن هناك اجتهاد داخلي يبرزه الدكتور فيما يلي:
لقد تبين إلى المُشرع الحالي وإلى المغربي العادي، أن أسباب تجريم المثلية الجنسية وزنى غير المُحصن (الفساد)، أن أسبابه لم تبقى قائمة اليوم، بل هو مرتبط بظروف زمكانية معينة، مثال ذلك، (اللواطية والسحاق)، فقد أتت هاته الممارسات كونها لا تكثران من الأمة الإسلامية لأنها ممارسات عقيمة لا تكثر سواد الأمة، وبالتالي فيها ضياع للذكورة (ضياع للمني يقول).
كما أن التحريم الجنسي منصب على الفتاة بالأساس، وذلك حفاظا للعرق وللشرف.، لكن في الواقع الإمساك عن الجنس قبل الزواج كانت هي الأداة الوحيدة لمنع الحمل فقط، لأنه إذا تم الحمل غير الشرعي سيفضي إلى خلط بين الأولاد والأنساب. وبالتالي لتجنب هذا، على الفتاة أن تبقى عذراء لا تمارس الجنس، لكن اليوم هناك وسائل متطورة لمنع الحمل فلا حرج لهم في علاقة جنسية مرضية دون تعرضهم لأي مرض. أما بالنسبة للخيانة الزوجية، ففيها مسٌ بعقد الإخلاص الزوجي، ينبغي للمتابعة أن تستمر لكن ليس جنائية.
أما فيما يخص قضية الإجهاض يضيف الدكتور، أنه قيل عن الإسلام أنه يحرمه، وهذا قول وخطاب متمذهب (مذهب الإمام مالك)، يحرم الإجهاض منذ الاخصاب، أما المذهب الشافعي فيقول بحمله إلى الأربعين والحنفي إلى الشهر الرابع، وبالتالي فالخروج عن المالكية ليس بخروج عن الإسلام.
إن كل هذا يستوجب منا يقول الدكتور، هو مجموعة من الإصلاحات الداخلية أولها، إقامة تربية جنسية في المدرسة المغربية، وهي تربية الطفل على أن الجنس ليس بشيء قدر أو وسخ، بل هو صحة نفسية، وهي تربية تقوم على أخلاق غير أبيسية. كما أن المهم في العلاقة أن يكون التراضي والأساس الأخلاقي ودون عنف، والتربية على أن الجنس كحق منفصل عن واجب الزواج، وبالتالي يقول لا يجب للزواج أن يتحول إلى إذن بالجنس، مثل رخصة السياقة لأنه حق أساسي، الكل له الحق في الجنس بالتراضي. وأخيرا يجب يعتبر ان حذف كل الفصول المجرمة للعلاقة الجنسية أمر ضروري.
كما يعتبر الدكتور عبد الصمد الديالمي من المدافعين عن اسقاط وحذف الفصول رقم 489-490-491 منذ سنة 2007، الذي يجب على الأحزاب اليسارية بالخصوص تبني هذا المطلب والدفاع عنه، لأن في فكرهم مطلب الحرية الجنسية كحرية فردية.
ويعتبر أن الإسلام لا يعطي شرعية سياسية للسلطة، يجب الفصل بين الشرعية السياسية والشرعية الدينية، وأنه لا يجب فرض الإسلام على كل المواطنين المغاربة. فالدين ليس مصدر قوانين، لأنه دين طائفة معينة. كما أنه لا ينبغي للمدرسة العمل على إنتاج المسلمين، فهي محايدة وتدرس الدين كمادة، ولا تفضل بين دين ودين، لأنه يجب أن يخوصص مرتبط بالفرد، باسم الشخصية الفردية وليس نظاما عاما، وهذا ما يؤدي إلى تعايش سلمي حسب تعبيره.
ويخلص إلى أن كل هاته الإجراءات والاقتراحات، ستؤذي إلى تصالح بين المعايير والقوانين من جهة، وبين السلوكات الجنسية من جهة أخرى. وسنضع حداً للاستغلال السياسي من جهة ثالثة، فالدولة متهمة اليوم باستغلال الجنح أو الجرائم الجنسية من أجل تصفية قضايا سياسية لا يهم أن تكون الجنح حقيقية أو غير حقيقية. فإذا أزلناها من خانة التجريم فالدولة لن تبقى عندها هاته الوسيلة لمتابعة الناس، لكن جريمة الاغتصاب يجب أن تبقى مرفوضة في القانون الجنائي، أما العلاقة الرضائية فلا يجب تجريمها، وبالتالي لن نترك للدولة طريقا لصنع أو استغلال الجنح الجنسية لضرب معارضين سياسيين، فالدولة القمعية الدكتاتورية تستعمل القمع الجنسي لإنتاج الرعية الطيَعة المنبطحة، أما الدول الدمقراطية تجعل من الحرية الجنسية ومن أفرادها المواطنين حق لا قيد عليه.
المقاربة القانونية للحريات الفرضية
ينطلق المتدخل الثاني من أن، الإشكال المتعلق بواقع الحريات الفردية في المغرب في إطار تصادمي بين القانون الوضعي والدين، لأن القانون الجنائي قانون وضعي. كما أن للإنسان الحق بالعيش بحرية، ومصدر هاته الحرية هو كونه انسان كحق من حقوقه الأساسية الطبيعية فلا موجب لحصر الحقوق الطبيعية في التصادم الديني، بل نحن نبني دولة توافقية، آخر دساتيرها ينص على تجليات هاته الحقوق. حيث جاء فيه أن المغرب دولة اسلامية، وبأنها تنخرط في المفهوم العالمي لحقوق الانسان، كما خصص أكثر من 21 فصلا لهاته الحقوق والحريات.
ان طرح هذا الموضوع حسب تعبيره والمتعلق بواقع الحقوق والحريات الفردية قد حان الوقت اليوم داخل البرلمان أن يمر النقاش عبره إلى مستوى التعديلات والمصادقة والإحالة على الجلسة النهائية والمصادقة عليها.
ويضيف أن القانون الجنائي يعود إلى 1962 إلا أن محاكم المملكة منذ فترة التسعينيات لم تعد تحكم على أحد ولا تعتقله من أجل جريمته تعاقبه بعقوبة موقوفة التنفيذ وغرامة مالية، وقد وصلت السلطة التنفيذية في الحكومة ما قبل التعديل الأخير إلى توجيه وزير العدل والحريات لمنشور إلى الوكلاء العاميين للملك بالقول، أنه لا ظير لهذا المجتمع أن يمارس العلاقة الجنسية بين راشدين لا ترتبط بينهم علاقة زوجية داخل إطار مغلق، فهذا لا يحدث رجعة في المجتمع. هكذا يمكن أن نمر إلى مرحلة اللاتجريم.
اذن فمقاربة إشكال الحريات الفردية، حسب الأستاذ، يتطلب تحليل سوسيولوجي للظاهرة، فالمشرع يمنع العلاقة بين الرجل والمرأة الراشدين التي لا تربط بينهم علاقة زوجية، وبهذا نكون قد منعنا ثلثين المغاربة من ممارسة حقهم الطبيعي، ولنا في الدولة الوهابية خير مثال يقول، التي أصدرت مقررا بممارسة العلاقة بين راشدين داخل مكان مغلق، وبالتالي فان المجتمع هو الذي في حركيته يغير القوانين، وقد طالب حزب التقدم والاشتراكية منذ مدة بمنع تجريم جريمة العلاقة المبنية على الرضى يقول الأستاذ.
وفي معرض حديثه عن الخيانة الزوجية، يعتبر أن القانون الفرنسي لا يحكم بالعقوبة الحبسية، لكن يسمح لهما بممارسة الجنس، لأن إجراءات الطلاق قد تطول، وهو ما نزال نحن بالمغرب نطمح إليه. كما أن الأستاذ نيتحلو لا يحصر الحريات الفردية فقط في العلاقات الجنسية، لماذا لا نذهب يقول، إلى مقتضيات مادة تتعلق بانتهاك الأدب؟ ومن ارتكب اخلال بالآداب والحياء، يجب معاقبته.
في هذا الإطار يضيف، أننا نجد المرسوم الملكي لبيع الخمور للمغاربة 1967 المتعلق ببيع الخمور للمغاربة المسلمين يحرم السكر العلني البين والإخلال بالأمن العام ولا يحرم استهلاك الخمر ويجرم بيع الخمر للمغاربة المسلمين، وهذا إشكال في الحريات الفردية يجب التدخل لتجريمه بالمعايير الدولية. وهو ما قاله الدكتور الديالمي في أن الدولة تستعمل الحريات الفردية في تصفية الحسابات.
وفي الأخير يعتبر الأستاذ كريم نيتحلو أن قضية الإجهاض، في ظل النقاش العمومي اليوم يجب الدفع في اتجاه عدم تجريمها، وفي نظره يجب أن ندفع بالنقاش في إطار السياسة الجنائية الحداثية التي تتضمن جيلا جديدا للإصلاحات الجنائية وهذا ما يقترحه حزب التقدم والاشتراكية.
العامل السياسي ودوره المحوري في قضية الحريات الفردية بالمغرب
من وجهة نظرها، تعتبر أمينة ماء العينين، أن الرؤية السوسيولوجية للدكتور عبد الصمد الديالمي، ضرورية يجب أن نعترف بها لتدبير نقاشانا المجتمعي، ورصد تحول المجتمع بالطريقة السليمة، لكن ما يلاحظ واقيا أن هناك تهميش طال ويطول العلوم الإنسانية بشكل عام في المجتمع، عامة وفي الدائرة التشريعية ولدى الفاعل السياسي على وجه الخصوص. وهذا ما يجعلنا اليوم فعلا في مأزق، فكلما وصل النقاش إلى المستوى السياسي إلا ويعيش أزمة حقيقية، يجب الاعتراف بأن المقاربة السوسيولوجية تم خرقها وتهميشها أما المقاربة القانونية فإن فيها نوع من الإتساع، لذلك تقول إن على الحقوقيون أن يقوموا بحماية دائرة النقاش القانوني، لأن فيها متنفس سواء داخل الجامعة أو عند الفاعليين القانونيين.
إضافة إلى أن النقاش اليوم تكثف حول القانون الجنائي باعتباره مدخل تشريعي، كما يعتقد الجميع أنه يمكن أن نصل إلى النجاة من خلاله. لكن المعروف اليوم هو أن السياسيون لم يعد يستطيعون أن يوصلوا النقاش إلى الطرح السوسيولوجي، لرصد التحولات المجتمعية، ثم الانتقال إلى المقاربة القانونية، ثم الدخول إلى المجال السياسي لتدبير النقاش وفي الأخير الانتقال بطريقة آلية وطوعية إلى التشريعية. لكن تضيف أن المسار اليوم كله فيه إشكال، فماذا يجب فعله؟
فالأحزاب السياسية لم يسبق لها أن انفتحت على دراسات ومفكرين ذو تخصص علم الاجتماع وغيرهم للسماع لهم، تقول (إذا عرفنا أن كل أحزابنا مفصولة عن مراكز البحث والاستماع التربوية)، لكن ما يقع هو أن يأتي الفاعل البرلماني مقيد بقرار سياسي ليست له خلفية، وغير مبني لا عند الإسلاميين بالطريقة السليمة ولا عند الأحزاب اليسارية بطريقة تعود للمرجعية الفكرية لكل حزب.
الذي حدث عمليا، أننا نقلنا نقاش كبير إلى مجال لتبير الصراع، لأن السياسة هي مجال لتدبير الصراع وليست مجال لتدبير الفكر، الذي هو نقاش حقيقي وحساس، وافقرنا الجامعة والقطاعات والنخب انسحبت، وذهبنا بالتالي إلى السياسة وحدها، وهي أصلا مجال لتدبير السلطة.
وفي رد على قول الدكتور عبد الصمد الديالمي في أن نعول على الأحزاب السياسية التي لديها مرجعية حداثية، لان هذا يفرض تعاقدها بناء على مرجعية معينة، لكن تقول ماء العينين، عمليا هذا غير موجود، وحتى في النقاش البرلماني غير موجود، وهو ما تمت معاينته، في القانون الجنائي، فلولا تفجر قضية الصحفية هاجر الريسوني لم يتوجه النقاش العمومي الذي يوجد الآن في البرلمان.
نحن لا نعطي لأنفسنا فرصة تقول، لتحليل القضايا، بل هناك من يعتبرها إثارة للفتنة والفوضى، ومن يعتبرها قوى تمثل نفسها مدافعة عن الحريات، وحتى الأخيرة التي تنصب نفسها مدافعة تنكمش على ذاتها مراعاة لمصالحها ومراعاة للقاعدة الانتخابية لأنها تدبر صراعها بتواجدها سياسيا.
لذاك لا ننتظر أن ندبر صراعا سياسيا حيويا يتعلق بالحريات الفردية، والذي يتقاطع فيه ماهو تاريخي وما هو ديني واجتماعي وسياسي واقتصادي،… كلها بطريقة معقدة، فمناقشة القانون الجنائي لا تستقيم بعزله عن سياقه وهو ما فعلته الحكومة السابقة، أنها جاءت بتعديلات كبيرة في القانون الجنائي ولكن لم تكن مرفوقة بتقعيد نظرها على المستوى السياسة الجنائية.
اذن يجب أن نرد النقاش إلى أساسه، تقول، ونطرح سؤالا عريضا وكلنا حماسة اليوم أن ننتصر أكثر إلى الحريات الفردية من مدخل تشريعي، دون طرح السؤال هل يمكن أن نفصل حقيقة الحريات الفردية للناس ومدى احترامها على الحريات السياسية بشكل عام؟ وهل وجد في التاريخ دولة غير مكتملة ديمقراطيا؟ وهل هناك دولة اليوم تحترم الحريات الفردية بالشكل الذي نناقشه دون أن تحقق إنجازا على مستوى الإصلاح السياسي والديمقراطي؟ وهذا المدخل الراهن والأساسي المطلوب التشبث به. كما أنه لن نحقق المساواة ولا المناصفة، ولن نخترق هذا الجدار من الحريات الفردية، ونحن نهرب من الإصلاح السياسي الديمقراطي.