إندونيسيا.. من اقتصاد واعد إلى “نمر آسيوي”
دنا بريس – كريم محمد الجمال
إندونيسيا، هذه الدولة الأرخبيلية الواقعة في جنوب شرق آسيا، تبدو اليوم نموذجًا اقتصاديًا واعدًا يرشحها الخبراء لتصبح “نمراً آسيوياً” جديداً بفضل مقوماتها الهائلة. تتألف البلاد من أكثر من 17 ألف جزيرة، ويعيش فيها نحو 282 مليون نسمة، ما يجعلها رابع أكبر دولة من حيث عدد السكان، وأكبر دولة ذات غالبية مسلمة، وثالث أكبر ديمقراطية في العالم. جزيرة جاوة وحدها، التي يسكنها أكثر من نصف السكان، تُعد أكبر جزيرة مأهولة بالسكان في العالم. هذا التعداد السكاني الكبير، إلى جانب الموارد الطبيعية الغنية، أسهم في دفع عجلة الاقتصاد الإندونيسي نحو نمو ملحوظ ومستدام.
في ظل هذه المعطيات، أظهرت بيانات مكتب الإحصاء الإندونيسي نهاية عام 2024 نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.05% على أساس سنوي خلال الربع الثاني، مدفوعًا باستهلاك الأسر والاستثمار، وهو ما عوّض تباطؤ الإنفاق الحكومي. هذا النمو يعزز مكانة إندونيسيا على الصعيد الاقتصادي العالمي، إذ صعدت وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي إلى المركز السابع خلف الصين والولايات المتحدة والهند واليابان وألمانيا وروسيا، وبحلول عام 2027، من المتوقع أن تتفوق على روسيا اقتصادياً.
لا يقتصر نجاح إندونيسيا على تحقيق النمو، بل يشمل استثمار مواردها الطبيعية الضخمة، حيث تمتلك البلاد أكبر احتياطي للنيكل في العالم، وهو عنصر أساسي في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية. منذ أن قرر الرئيس السابق جوكو ويدودو حظر تصدير النيكل الخام في 2019، اتجهت البلاد لتعظيم الاستفادة من هذه الثروة محليًا، مما أسهم في خلق فرص عمل جديدة وتعزيز القيمة الاقتصادية. ومع ذلك، يظل الاعتماد الكبير على الاستثمارات الصينية في قطاعي التعدين والبناء جزءًا من المعادلة، رغم التوترات الحدودية بين البلدين.
ورغم هذه الإنجازات الاقتصادية، تواجه إندونيسيا تحديات اجتماعية كبيرة، أبرزها الفقر الذي يعاني منه قطاع واسع من السكان. هذا الواقع دفع الرئيس الحالي برابوو سوبيانتو إلى تقديم برامج إصلاحية، تشمل تحسين الصحة والتعليم، وتوفير الحليب والغذاء للأمهات والأطفال. وبينما تسعى الحكومة لمعالجة الفجوة الاجتماعية، يظل تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية هدفًا طموحًا يتطلب جهودًا مستمرة.
لكن حتى في ظل هذه التحديات، أظهر الاقتصاد الإندونيسي مرونة استثنائية، إذ سجل معدل تضخم منخفضًا بلغ 4.7% في 2022، وحققت صادراته في سبتمبر من العام ذاته نحو 30 مليار دولار. هذه النتائج، إلى جانب استقرار الروبية وتحسن الأداء في البورصة، تعزز من ثقة المستثمرين وتجعل إندونيسيا وجهة اقتصادية جاذبة.
ومؤخرًا، حققت البلاد إنجازًا دوليًا كبيرًا بانضمامها إلى مجموعة بريكس كعضو كامل العضوية، ما يضعها في مصاف الاقتصادات الناشئة الكبرى إلى جانب دول مثل الصين والهند وروسيا. هذا الانضمام يمثل خطوة إضافية نحو تعزيز حضورها العالمي وتوسيع دائرة تأثيرها في الاقتصاد الدولي.
وبالنظر إلى هذا الازدهار، تبدو إندونيسيا فرصة واعدة للدول العربية لتعزيز علاقاتها الاقتصادية وزيادة التبادل التجاري والاستثمار. استقرار العملة المحلية وتحسن الأداء الاقتصادي يوفران أرضية صلبة لبناء شراكات استراتيجية مع هذا العملاق الآسيوي، الذي يسير بخطى ثابتة نحو مستقبل أكثر إشراقًا وازدهارًا.