الرائدة في صحافة الموبايل

فوضى الفتاوى الدينية أو حينما تكون الفتاوى الدينية في خدمة السياسة

نور الدين الحاتمي ـ دنا بريس

     يبدو أن قدر الثقافة الشرعية وملحقاتها في الإسلام ،أن تدور مع السياسة وجودا وعدما ، تأييدا وتنديدا . فقد أصبح تفسيرها، وتفسير نشأتها، لا يحسن ـ ولا يستقيم  ـ الا مع السياسة.  و أن جملة العلوم الشرعية ـ التي كان مفترضا فيها ان تخدم النص الشرعي وان تعين على فهمه ليسهل تطبيقه ـ لم تكن كذلك،  وإنما نشأت لخدمة السلطة أو لمعارضتها، و أصبح الشرع نفسه خاضعا، في تفسيره وفهمه،  لقوتها وسيطرتها. والناظر في تاريخ هذه العلوم ، وتاريخ نشأتها وتطورها، لا بد أن يقف على هذه ((الحقيقة)).

     كما يبدو أن هذا الامر؛ أي ارتباط العلم الشرعي بالسياسة، ناموس تسير عليه الفتاوى الشرعية و تنضبط حركتها به. واذا كان الامر قد التبس في القديم، حتى عسر استيعابه وصعب تصوره، و بقي الناس يتجادلون حوله ويتنازعون، فإنه، اليوم ،أكثر وضوحا وظهورا، بحيث، لا يمكننا أن نفهم الصراع بين الفصائل والحركات الاسلامية  ـ التي تزعم خدمة الاسلام والدعاية له ـ إلا على ضوء السياسة، ولا شيء غير السياسة.

    إننا يمكننا أن نفهم الفتاوى الشرعية  ـ التي باتت تصدر عن السدنة ،ورجال الكهنوت، بإرجاعها الى (أسباب ورودها) الممثلة في السياسة والاجتماع فقط ،وليس في الدين.

    واضح أن الدين ـ هناـ وسيلة، وليس غاية يقصد لذاته، بحسبانه هداية. إن الدين ، هنا وكما يعرضه السدنةـ  أفيون، ولا يمكنه إلا أن يكون أفيونا، يلعب دورا مهما في ترويض الشعوب واللعب عليها.

    كانت هذه الكلمات مقدمة لتناول فتوى الشيخ الريسوني، التي زعم فيها أن زيارة المسجد الاقصى ليست تطبيعا، ودافع عنها بعض من يسعى الى خطبة وده، باعتبارها صحيحة قياسا على إقدام النبي على زيارة البيت الحرام ،وهو تحت سيطرة الكفار من قريش.

    إن هذه الفتوى لا يمكن فهمها، إلا في وضعها في سياقها السياسي؛ أي التأسيس (لشرعنة) التطبيع مع العدو الصهيوني،  والتمهيد له. كما يمكن فهمها بحسبانها ترجمة واضحة وتعبيرا صريحا عن أن الرجل، كغيره، يقول بلسان من يدفع. وهو يقوم بدور ساحر من سحرة فرعون؛ أي إضفاء الشرعية على ممارساته و تزكيتها، حتى وإن كانت منكرة ومحرمة شرعا وأخلاقا .

   إن العلماء عمال ملحقون عند الانظمة، وأفكارهم و أراؤهم  لا تخرج عن مصالح هذه الانظمة ، وتكاد وظائفهم لا تزيد  عن الاجتهاد لها، ولي أعناق الآيات والاحاديث وتأويلها، خدمة لهذا الغرض؛ أي خدمة الانظمة. والشاطر المحظوظ من يكون أذكى من غيره، واقدر للقيام بهذه المهمة . ولا يشذ عن هذه القاعدة إلا القليل.

    ليست هذه الفتوى، وحدها، الفاضحة والكاشفة لتبعية هؤلاء( العلماء المزيفين) للأنظمة، فمنذ مطلع العقد الاخير من القرن الماضي، والفتاوى الصادرة من قبل تيار الاخوان يرد[بضم الياء المشددة] عليها بفتاوى مضادة من قبل شيوخ السلفية، أو العكس؛ أي الرد على فتاوى هؤلاء الأخيرين بأخرى مضادة ،من قبل اولئك. ويمكن رد اختلاف هذه الفتاوى، وتباينها إلى حد التناقض، إلى اختلاف الجهات التي ترعى كلا منهم.

   فإذا علمنا ان تيار الاخوان من ((موالي)) آل تميم وأن تيار السلفية من ((موالي)) آل سعود، وأن الصراع ـ بين هذين البيتين ـ مستحكم وشديد،  تأكد لنا أن هذه الفتاوى ليس لها من الدينية إلا الصفة.   

   فعندما استصدر النظام السعودي فتوى تجيز له استقدام القوات الاميركية إلى الخليج، بدعوى تحرير الكويت، تصدى لها خصومهم من جماعات الاسلام السياسي، واعتبروها تجويزا منهم لاحتلال القوات الامريكية لجزيرة العرب. وعندما أصدر ابن باز فتوى فحواها؛ جواز الصلح مع الكيان الصهيوني، قياسا على صلح الحديبية، رد عليه القرضاوي ـ وهو يومئذ شيخ الاخوان وفقيههم ـ وبين أن القياس هنا لا يصح لوجود أكثر من فارق. واعتبر أن ابن باز معذور لأنه ضرير ولا يعرف إلا ما ينقل إليه وما يقال له، فأبطل بذلك ما رامه ابن باز. وقد اعترف ابن عثيمين لأسامة بن لادن أنهم لا يملكون إلا أن يوقعوا على تلك الفتاوى المطلوبة، ولا يستشارون فيها نهائيا، وان كل ما يملكون فيها هو التوقيع، والتوقيع فقط. وبالمقابل يوم افتى ((الشيخ))القرضاوي فتوى يحرم بموجبها على المسلمين شراء البضائع الأمريكية، ويوجب عليهم مقاطعتها لدعمها الكيان الصهيوني، رد التيار السلفي ـ عبر (علمائه)ـ على هذه الفتوى بأخرى ((دينية))، فحواها أنه لا يوجد، في الشرع، ما يمنع من اقتناء السلع والبضائع الأمريكية، وأن النبي (ص) وصحبه كانوا يتاجرون مع اعدائهم .

  وقد كانت هذه الجماعات تزايد على الاخرى في السياسة ومن اجل السياسة، و كانت تصدر تلك المواقف السياسية في شكل فتاوى دينية، فقط من أجل إحراج خصومهم أمام الشعوب والجماهير، وإلا، فإن نفس المواقف تتخذها هذه الجماعات أو تلك، والفارق الوحيد الحاصل بينهما هو المصالح، ومن يدفع، والجهة التي تعكف تلك الجماعات على ((عبادتها)).

  إن الصراع بين الجماعات(( السلفية))  و جماعات ((الاسلام السياسي))، صراع هائل وكبير، ويتم التوسل في إذكائه بكل الأسلحة ؛ الأخلاقية والدينية وغيرها. والفتاوى التي يتم استصدارها، في الجملة، لا تكاد تتفق أو تجتمع، فكلما أصدرت جهة ما فتوى ما، ردت عليها الجهة الاخرى. ويعد الموقف من الانظمة الحاكمة أوضح مثال، يمكن ضربه في هذا السياق؛ حيث، حينما تتبنى جماعات الاسلام السياسي اتهام الانظمة بخيانة الاسلام والامة وتضع نصب عيني عناصرها الدعوة للإطاحة بها وتعويضها بأخرى اسلامية، تنتفض ((السلفية)) في وجهها، وتستعمل نفس سلاحها؛ أي الدين، وتستثمر كتب العقائد، وتردد أن(( العقيدة السلفية ))لا يرى معتنقوها الخروج على ولاة الأمر، وأن [من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية]. والأمر، أولا وأخيرا، لا علاقة له بالدين. وأنه ليس الا سياسة وطمعا في نوالها وعطائها.  والقرضاوي ـ الذي كان يتصدى لفتاوى هيئة كبار العلماء في السعودية ـ هو نفسه الذي تحايل على الشرع وأفتى بجواز أن يمد المسلم الكافر بالسلاح ليقتل اخاه المسلم، في تحد صارخ للشرع وتلاعب سافر بالنص.

   والشيخ الريسوني الذي ورث القرضاوي على رأس مؤسسة ((رابطة علماء المسلمين ))، ورث عنه أيضا جرأته في التلاعب بالدين والاستخفاف بالمسلمين، يقول أن زيارة المسجد الأقصى ليس تطبيعا. وهي الفتوى التي تخدم ولي نعمته في قطر،إذ يستشف منها أن هذه الأخيرة سيقوم احد مسؤوليها بزيارة الى الكيان الصهيوني، وهم الآن يعبدون له الطريق. والريسوني الذي تمت صناعته، والدعاية له ، حتى صدق الناس أنه، فعلا، فقيه مقاصدي، و شاطبي هذا العصر، ليس في واقع الأمر إلا مقلدا، وكلمة عالم وفقيه كثيرة عليه، كما هي كثيرة على اساتذته ومعلميه،ـ كما هي كثيرة على باقي ممتهني العلم والفتوى في العالم الإسلامي ـ وإلا فإننا نتساءل عن تجليات ((شاطبيته)) وآثارها في فتاويه واختياراته الفقهية، وأين يحضر بعده المقاصدي هذا في الفتاوى، التي صدرت عنه؟

  إن الفتاوى، التي نسبتها وسائل الإعلام إليه، من مثل جواز مصافحة المرأة الأجنبية ،وجواز تشخيص كبار الصحابة في الافلام والمسلسلات وغيرها ، فتاوى قلد فيها غيره؛ قلد، في الاولى، شيخه القرضاوي، وقلد، في الثانية، عبد الله العلايلي. وعندما كانوا يزعمون أنه بهذا القدر من العلم، كانوا يعدونه ليخلف القرضاوي، وليمارسوا به نوعا من العنف والارهاب على الناس، حتى لا يملكوا إلا ان يسلموا له، (كعالم نحرير و مقاصدي؟) لا يضاهيه أحد، في إدراكه لروح الشرع واهدافه ومقاصده. وبالتالي، يكون قادرا على أن يجعل القبول بالتطبيع مع العدو الصهيوني والاعتراف به، ليس ممكنا فحسب، بل أمرا من صميم الاسلام ومن مقاصده.

  إنه لمن الغريب، أن يصدر الريسوني هذا النوع من الفتوى، وهو يدرك ـ كما يدرك غيره  ـ أن الجماهير، الان، على وعي تام وواضح بالواقع، وأن حيلة من مثل اعتباره فقيها مقاصديا، لا تجدي أمام وعي هذه الجماهير.

  كيف سيمكن للريسوني أن يقنع الناس أن زيارة المسجد الاقصى ليس تطبيعا ؟ وزيارة هذا المسجد(المغصوب) لا تتم إلا عبر الحدود ،التي وضعها العدو، وإلا بإذنه. إذا كانت مثل هذه الزيارة ، التي لا تكون إلا بأن تسلم جوازك لهذا العدو، حتى يؤشر عليه مؤذنا لك بالدخول، لا تعتبر تطبيعا، فما هو التطبيع إذن ؟ إذا لم تكن الزيارة ،في حد ذاتها تطبيعا، فلا يوجد شيء اسمه التطبيع اذن؟ ما الذي سيحمل عربيا غير فلسطيني على الذهاب الى الاراضي المحتلة لزيارة مسجد محتل؟ وما الذي سيرغمه على ذلك غير التطبيع مع هذا العدو الغاصب؟

  لقد سبق لحسن حنفي أن نقب في كتب التراث فظفر بنص فتوى يذهب فيها صاحبها الى ان الصلاة في الارض المغصوبة لا تجوز وهذه الفتوى أو قريب منها هي التي كان يتم الاعتماد عليها من قبل هذه الجماعات، لقد تناقلوا أن الصلاة في الارض المغصوبة ؛إما انها غير صحيحة أو أنها صحيحة وصاحبها أثم. وبالتالي علام الزيارة أصلا؟ لا شك أن هذه الفتوى لم تعد ملزمة، لعلم جديد قد ظهر.ـ

   واذا تعذر فهم هذه الفتوى الا في إطار الإعتراف بالكيان الصهيوني، كأمر واقع ، فإن ثمة من خطب ود الريسوني وزعم أن الفتوى صحيحة والفعل مباح،  بدليل ان محمدا [ص] قصد الحج الى البيت الحرام، وهو تحت سيطرة قريش المشركين يومئذ.

    ونحن نسارع الى القول أن من لم ير بين الأمرين فروقا ، فهذا قصور منه، والمشكلة مشكلته،  إذ لا مجال للتسوية  بينهما؛ فالحج واحد من اركان الاسلام الذي يجب على كل مسلم قدرعليه، بخلاف المسجد الاقصى. ومكة لم تكن محتلة من قبل الغريب والأجنبي، لقد كانت مكة خاضعة لأهلها، والنبي لم يكن ليزور أرضا واقعة تحت الاحتلال قبل تحريرها، وانما كان قاصدا أن يحج إلى ارض، هي ارض أهله وقومه وعشيرته، ومن أجل أن يوقعهم في الحرج والافتضاح أمام العرب، إن هم تدخلوا ومنعوه زيارة هذا البيت. والصورة هنا واضحة لا تحتاج إلى بيان.    

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد