هيئة تحرير دنا بريس
رغم التصعيد الإعلامي الذي تبنّته وسائل الإعلام الجزائرية مؤخرًا حول نية بلادهم “فك الشراكة” مع الاتحاد الأوروبي، فإن المؤشرات الاقتصادية تكشف واقعًا مغايرًا يصعب تجاوزه، حيث يبقى الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول للجزائر، وفقًا لتقارير أوروبية وعربية متطابقة.
وبدأت الأزمة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي منذ عام تقريبًا، وبلغت ذروتها في يوليو الماضي، بعد أن فعّلت بروكسل إجراءات تسوية نزاع ضد الجزائر بسبب ما اعتبرته قيودًا مفروضة على صادراتها واستثماراتها، وهو ما دفع الإعلام الرسمي الجزائري إلى الترويج لخطاب الانفصال عن الشراكة الأوروبية، في خطوة وصفتها تقارير متخصصة بأنها “محاولة لتغطية الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد”.
وكانت قناة “العربية” قد أشارت في تقرير لها منتصف العام الماضي إلى أن الاتحاد الأوروبي استحوذ على ما نسبته 50.6% من مجمل المبادلات التجارية الجزائرية خلال سنة 2023، وهو ما يعكس التبعية البنيوية للاقتصاد الجزائري تجاه الشريك الأوروبي، رغم تراجع صادرات الاتحاد إلى الجزائر من 22.3 مليار يورو سنة 2015 إلى 14.9 مليار يورو سنة 2023، وفق بيانات المفوضية الأوروبية.
وفي تطور لافت، أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مطلع 2025 عن رغبة نظامه في مراجعة اتفاقية الشراكة على قاعدة “رابح – رابح”، ملمحًا إلى نوايا تهدئة مع الجانب الأوروبي، بعد توتر خلفه قرار بروكسل باللجوء إلى التحكيم الدولي لحل النزاع، ما يعكس سعي الجزائر لاحتواء الموقف دون تفريط في المكاسب التجارية الحيوية.
يُذكر أن اتفاق الشراكة الموقع بين الجزائر والاتحاد الأوروبي يعود إلى عام 2002 ودخل حيز التنفيذ في 2005، وكان يفترض أن يفضي إلى تفكيك جمركي شامل في غضون 12 سنة، إلا أن العملية عرفت تعطيلات متعددة بفعل ظروف اقتصادية وسياسية متقلبة.
وفي السياق ذاته، تبرز ملفات حقوق الإنسان والحريات العامة كأحد العوامل التي دفعت الاتحاد الأوروبي لتشديد موقفه من الجزائر، لا سيما مع تواتر التقارير الدولية عن الاعتقالات التعسفية وملاحقة النشطاء والمعارضين داخل البلاد وخارجها، بما في ذلك أراضي دول أوروبية كفرنسا وإسبانيا، حيث تلاحق بعض القضايا أمام القضاء المحلي لتلك الدول.
ويرى محللون أن ما يُروّج له الإعلام الرسمي الجزائري من “ندّية” في التعامل مع الشريك الأوروبي لا يعكس حقيقة الوضع الداخلي، بقدر ما يهدف إلى الاستهلاك المحلي وتثبيت صورة النظام في أذهان أنصاره، في وقت تواجه فيه الجزائر تحديات اقتصادية واجتماعية متفاقمة، أبرزها ارتفاع نسب التضخم والبطالة، ضعف وفرة المواد الأساسية، انتشار الجريمة، وتزايد الهجرة غير النظامية.
ويؤكد متابعون أن خيار الانفصال عن الشريك الأوروبي سيكون مغامرة غير محسوبة العواقب، إذ يمثل الاتفاق التجاري مع الاتحاد بمثابة طوق نجاة للنظام الحاكم في ظل الوضع المتأزم، وأي تصعيد غير مدروس قد يعمّق عزلة الجزائر ويزيد من هشاشتها الاقتصادية في المحيط الإقليمي والدولي