ثورة الملك والشعب.. ذكرى خالدة وقيم مستمرة في مسيرة المغرب الحديثة
هيئة تحرير دنا بريس
كيف استطاع الشعب المغربي، بقيادة ملكه، قلب المعادلة أمام سلطات الاحتلال؟ في صيف 1953، حاولت الحماية الفرنسية فرض إرادتها على المغرب، غير أن الملك محمد الخامس رفض التوقيع على الظهائر التي تمنح المستعمر حقوقًا غير مشروعة. وكانت ضريبة الرفض أن تم نفيه إلى جزيرة كورسيكا، في خطوة أرادت بها فرنسا إخضاع المغرب بالكامل، مستعينة ببعض عملائها المحليين، أبرزهم باشا مراكش «التهامي الكلاوي».
لكن عزيمة الشعب لم تنكسر، إذ تفاعل المغاربة في المدن والجبال والوديان مع نداء السيد علال الفاسي زعيم الحركة الوطنية، من القاهرة عبر أثير صوت العرب، مطالبين بعودة ملكهم الشرعي. ومع تزايد خسائر الاستعمار، اضطرت فرنسا إلى فتح مفاوضات مع الوفد المغربي الممثل للشعب، مؤكدين أن أي حل مستقبلي لن يكون ممكنًا إلا بموافقة السلطان، الممثل الشرعي الوحيد.
عقد مؤتمر إيكس ليبان في فرنسا لقاءً تاريخيًا بين الوفدين الفرنسي والمغربي، انطلقت مباحثاته في 20 غشت 1955 واستمرت خمسة أيام. أسفر النقاش عن تنحية ابن عرفة وتشكيل حكومة وطنية شاملة، ضمّت مختلف الأطياف السياسية والعلماء، ومن بينهم مبارك البكاي، الفاطمي بن سليمان، محمد المقري، عبد الرحيم بوعبيد، محمد اليازيدي، وعمر بن عبد الجليل، بالإضافة إلى شخصيات أخرى من حزب الشورى والاستقلال.
وفي 5 سبتمبر 1955، استقبل الملك محمد الخامس وفدًا فرنسيًا لتلقي نتائج المفاوضات والحصول على توجيهاته، مع مشاركة ولي العهد الحسن الثاني الذي لعب دورًا محوريًا في توجيه الموقف الملكي. حيث أسفرت المباحثات عن توقيع اتفاقية الاستقلال في 2 مارس 1956، لتبدأ صفحة جديدة في تاريخ المغرب الحديث، مبنية على الوحدة الوطنية والكرامة والاستقلال.
وتظل دروس ثورة الملك والشعب حاضرة في الذاكرة الوطنية، كرمز للتضحية والصمود في مواجهة الاستعمار. وقد تجلت هذه القيم ليس فقط في عهد الملك محمد الخامس، بل واصلت التألق في عهد الملك الحسن الثاني، حيث بقيت القيادة المغربية محافظة على المكتسبات الوطنية ومستمرة في مواجهة التحديات، مؤكدة أن الثورة لم تتوقف عند حدود النضال المسلح، بل تحولت إلى مشروع بناء الدولة الوطنية الحديثة.
وفي عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، تجسدت هذه القيم في المسيرة التنموية والسياسية والاجتماعية للمغرب، حيث تتواصل الثورة بأشكال جديدة، عبر تعزيز الاستقرار، ودعم الحقوق الأساسية للمواطنين، وتعزيز مكانة المغرب إقليميًا ودوليًا. فالثورة لم تعد حدثًا تاريخيًا محصورًا في الماضي، بل إرث حي يُستلهم في كل مرحلة، لتظل قيم الوحدة والمواطنة والالتزام بالحق والعدل حاضرًا في مسيرة المغرب الحديث.