الرائدة في صحافة الموبايل

تحقيق “بي بي سي”.. خیوط جدیدة فی ملف الإمام موسى الصدر

أعاد تحقيق استقصائي جديد لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” إحياء السؤال القديم حول مصير الإمام السيد موسى الصدر، رجل الدين الشيعي الذي عُرف بخطابه المعتدل وحركته الإصلاحية في لبنان، قبل أن يختفي في ليبيا أواخر سبعينيات القرن الماضي.

ويُعتبر الصدر شخصية استثنائية في الحياة السياسية والفكرية، إذ تميز عن كثير من زعماء لبنان بابتعاده عن الطائفية وتبنيه خطاب التسامح والانفتاح، فضلا عن حضوره القوي وعلاقاته المتوازنة مع قادة عرب وإيرانيين. وقد لعب دورا مؤثرا في الساحة اللبنانية، خصوصا بعد أن قرر التوجه إليها لرعاية شؤون الطائفة الشيعية المهمشة آنذاك.

ومنذ وصوله إلى لبنان، عمل الصدر على تنظيم وجود الطائفة الشيعية بما ينسجم مع النسيج الوطني، فأسس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وأقام جسورا مع قادة السنة والمسيحيين وحتى الزعماء الفلسطينيين، وكان من اللافت أن يلقي خطبا داخل الكنائس، فاتحا بابا لخطاب جديد في بلد متنوع المذاهب.

وقد شكّل العداء لإسرائيل قاعدة جامعة لخطابه وتحركاته، مما عزز شعبيته داخل لبنان وخارجه، وجعل منه زعيما كاريزميا يجمع بين الوسامة والحضور والقدرة على التأثير. غير أن مسيرته توقفت عند زيارته المشؤومة إلى ليبيا بدعوة من معمر القذافي، حيث انقطعت أخباره بالكامل منذ ذلك الحين.

روايات عدة تم سردها منذ اختفاء الصدر عام 1978، أبرزها أن القذافي تخلص منه بعد خلاف فكري، في حين لفقت السلطات الليبية وقتها رواية عن سفره إلى إيطاليا، وهي ما كذبتها روما رسميا. ولم ينجح سقوط القذافي عام 2011 ولا لجان التحقيق المشتركة اللبنانية ـ الليبية في تقديم أي خيط حاسم حول مصيره.

وعلى مدى عقود، تراوحت الاتهامات بين أطراف متعددة؛ فالبعض نسب الجريمة للقذافي مباشرة، فيما أشار آخرون إلى ضلوع أطراف إيرانية مقربة من الحرس الثوري بسبب اختلافات فكرية مع الصدر، بينما ذهبت آراء إلى اتهام فصائل فلسطينية كانت على خلاف مع حركة “أمل” التي أسسها.

التحقيق الجديد لبي بي سي أعاد خلط الأوراق من خلال الاستناد إلى شهادات ووثائق وصور جرى جمعها بين ليبيا ولبنان وإيران وبريطانيا، حيث كشف صحفي لبناني-سويدي كان غطى أحداث ليبيا عام 2011 عن وجود مشرحة سرية تحوي جثثا تعود لثلاثة عقود، إحداها يُرجح أنها للإمام الصدر.

وبحسب ما ورد في التحقيق، فقد سلّم الصحفي عينات الحمض النووي وصورا للجثة إلى مكتب نبيه بري منذ سنوات، غير أن النتائج لم تُعلن رسميا. وقد استعانت بي بي سي بخبير بريطاني طور خوارزميات متقدمة لإعادة بناء الوجه انطلاقا من صورة غير مكتملة، وأظهرت النتائج تطابقا كبيرا مع صور الصدر.

ولزيادة التأكد، تمت مقارنة صور أقاربه مع صورة الجثة المرممة رقميا، وكانت النتيجة متقاربة بشكل لافت، ما يفتح الباب أمام ترجيح قوي بأن تكون الجثة بالفعل للسيد الصدر، خصوصا مع شهادات أشخاص حضروا لقاءه الأخير مع القذافي في أحد مساجد طرابلس.

غير أن التحقيق لم يكتمل حتى النهاية بعد أن تعرض فريق بي بي سي للاحتجاز والتحقيق والترحيل من ليبيا، مما أبقى القضية مفتوحة كما كانت دائما، محملة بالغموض والالتباس، لتبقى شخصية الإمام الصدر أسطورة سياسية ودينية معلقة بين الحياة والموت منذ أكثر من أربعة عقود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد