الرائدة في صحافة الموبايل

الاتحاد الاشتراكي على المحك.. استقالات وإقالات تربك البيت الداخلي قبل مؤتمره الثاني عشر

يقترب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من عقد مؤتمره الثاني عشر في أكتوبر المقبل، وسط أجواء متوترة وملامح أزمة بنيوية تعصف بالحزب العريق، وتضعه أمام تحديات غير مسبوقة في تاريخه السياسي. فالاستقالات المتتالية والتجاذبات الحادة بين قياداته، تعكس حجم الشرخ الداخلي الذي بات يهدد وجود الحزب ووحدته التنظيمية.

في قلب هذه الأزمة، تبرز استقالة الكاتب والشاعر حسن نجمي من المكتب السياسي، وما أثارته من ردود فعل واسعة داخل الحزب وخارجه. فنجمي، بوزنه الثقافي والفكري قبل السياسي، كشف بقراره عمق الأزمة وأطلق صفارة إنذار حول المسار الذي يسلكه الاتحاد. وقد جاء رده حاسمًا حين وصف الحزب بأنه “جثمان لم يدفن بعد”، في إشارة إلى تراجع دوره وفقدان بريقه التاريخي.

رد القيادة لم يتأخر، إذ سارع إدريس لشكر، الكاتب الأول، إلى قبول الاستقالة، مصحوبة باتهامات صريحة لنجمي بالافتراء وتشويه صورة الحزب. هذا التراشق العلني أظهر للعامة حجم الانقسام وعمّق صورة التصدع بدل أن يبعث رسالة وحدة قبل المؤتمر المقبل.

ولا تقف الأزمة عند حدود الاستقالات، بل تتجاوزها إلى إشكالية الديمقراطية الداخلية. فالتمديد المتكرر للكاتب الأول لولاية ثالثة، واحتمال ترشحه لرابعة، اعتبره كثيرون انقلابًا على مبدأ التداول وضربًا لجوهر التجربة الاتحادية، التي تأسست أصلاً على قيم المشاركة والتعددية.

كما أن إقصاء وجوه وازنة مثل حسناء أبو زيد كشف عن منطق هيمنة يرفض الأصوات المعارضة، ويعيد إنتاج نمط الزعامة الفردية داخل حزب ظل لعقود مدرسة للنضال الديمقراطي. وهو ما جعل الكثيرين يصفون الحزب اليوم بأنه يعيش حالة استبداد داخلي تفرغ قيمه من مضمونها.

هذا الوضع يضع الاتحاد الاشتراكي أمام اختبار حقيقي: هل يملك القدرة على تجديد نخبته وخطابه ليستعيد ثقة المواطنين، أم أنه سيظل أسير الولاءات والمصالح الضيقة؟ الجواب يتوقف إلى حد بعيد على مخرجات المؤتمر المقبل، الذي قد يشكل فرصة أخيرة لإنقاذ الحزب من الانهيار.

وإذا وسعنا زاوية النظر، يتضح أن أزمة الاتحاد ليست استثناءً، بل جزء من مأزق أوسع يطال الحياة الحزبية المغربية، التي تشهد ركودًا غير مسبوق ونفورًا شعبيًا من السياسة. وهو ما جعل شبكات التواصل الاجتماعي تحل محل الأحزاب في صناعة الرأي العام، وتفرز مؤثرين بلا التزامات تنظيمية ولا مشاريع بديلة.

لكن رمزية الاتحاد الاشتراكي تجعله مختلفًا، إذ ظل لعقود رمزًا للأمل الديمقراطي وضميرًا حيًا للحركة الوطنية. لذلك فإن انزلاقه نحو مزيد من التشرذم لا يخص مناضليه فقط، بل يطال صورة اليسار المغربي ومستقبل التوازن السياسي برمته.

الجيل الجديد من المغاربة يتساءل اليوم: هل يمكن لحزب تاريخي كهذا أن يجدد نفسه ليخاطب تطلعات الشباب ويلامس هموم المجتمع، أم أن مصيره أن يتحول إلى مجرد شاهد على زمن مضى؟ وهنا تكمن خطورة اللحظة، فخيارات المؤتمر القادم قد تحدد ما إذا كان الحزب سيبعث من جديد أو يُطوى في خانة التاريخ.

في المحصلة، يظل الاتحاد الاشتراكي أمام مفترق طرق: إما أن يعود إلى قيمه التأسيسية ويستعيد ثقة الجماهير، أو يواصل السير في النفق المظلم حيث الاستقالات، والإقصاءات، وتكريس الزعامة الفردية. وفي الحالتين، فإن ما سيجري في أكتوبر المقبل سيكون محطة فارقة في مسار الديمقراطية المغربية وصورتها أمام الرأي العام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد