في ذكرى العبور.. المصريون يعيدون التذكير بهزيمة إسرائيل وسط أجواء تفاوضية جديدة بشرم الشيخ
هيئة تحرير دنا بريس
في مشهد تختلط فيه الرمزية بالتاريخ، اختارت القاهرة أن تحتضن جولة جديدة من المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين في شرم الشيخ، تزامنت مع الذكرى الثانية والخمسين لانتصار السادس من أكتوبر، ذلك اليوم الذي شكّل منعطفًا في التاريخ العسكري والسياسي للمنطقة، وغير موازين القوة والنظرة إلى إسرائيل في الوعي العربي.
ففي تقرير عبري نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت اعتبر أن اختيار هذا التوقيت “لم يكن عفويًا”، وأن المصريين “يسخرون من إسرائيل من خلال إعادة فتح ملف الحرب في وقت تسعى فيه الأخيرة إلى تثبيت نفوذها عبر المسار الدبلوماسي”. وأشارت الصحيفة إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي المصرية ضجّت بالمنشورات التي تربط بين المفاوضات الراهنة وملحمة العبور، حيث رأى كثيرون أن استقبال الوفد الإسرائيلي في يوم النصر هو بمثابة “استحضار ناعم لصفحة المجد المصري”.
ويأتي الحدث في وقت تحاول فيه القاهرة لعب دور الوسيط المتجدد في الملف الفلسطيني، ضمن سياسة تقوم على ضبط التوازن بين إرثها العسكري الذي أعاد الاعتبار للعرب عام 1973، وموقعها الحالي كركيزة إقليمية للسلم والاستقرار. فبين أكتوبر الحرب وأكتوبر المفاوضات، تمر مصر من ذاكرة الانتصار إلى مسؤولية الوساطة، دون أن تتخلى عن رمزيتها التي تجعلها، في نظر كثيرين، صاحبة “اليد العليا في ميزان الكرامة التاريخية”.
وتشير الصحيفة العبرية إلى أن الوفد الإسرائيلي غادر تل أبيب نحو مصر في تمام الثانية ظهرًا، وهو التوقيت نفسه الذي دوّت فيه صفارات الحرب قبل اثنين وخمسين عامًا، في مشهد يعيد تزامن الرمزية بالتاريخ. وقد علّقت الصحيفة بأن هذا الأمر “يشكّل إهانة رمزية ومعنوية لإسرائيل”، إذ يُذكّرها بالهجوم المفاجئ الذي كسر أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”.
ومن المنتظر أن يشارك في المفاوضات مستشار الرئيس الأمريكي خلال الولاية السابقة، جاريد كوشنر، إلى جانب المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، فيما ينضم إليهما لاحقًا وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، وسط تكتم على تفاصيل الملفات المطروحة وتخوّف من أن تطغى أجواء الرمزية على واقعية التفاوض.
في المقابل، ترى الدكتورة بشمت ييفت، أستاذة العلوم السياسية ودراسات الشرق الأوسط بجامعة أريئيل، أن هذا التوقيت “يحمل رسالة ضمنية من المصريين”، معتبرة أن كثيرًا من العرب يرون في عملية السابع من أكتوبر التي نفذتها حركة حماس العام الماضي “امتدادًا رمزيًا لإرث أكتوبر 1973″، أي استمرارًا لفكرة المقاومة التي بدأت من جبهة سيناء.
وتضيف الباحثة أن المشهد الحالي يُظهر أن “الذاكرة التاريخية ما تزال جزءًا من أدوات الصراع الرمزي في المنطقة”، وأن إسرائيل “لا تزال تخسر في ساحة الوجدان العربي مهما ربحت سياسيًا أو عسكريًا”، معتبرة أن مصر “تُجيد اللعب على خيوط الذاكرة حين تريد توجيه الرسائل دون تصريحات مباشرة”.
هذا، وتستمر مصر في استثمار موقعها الجغرافي ودورها التاريخي لتثبيت مكانتها كوسيط لا غنى عنه في النزاعات الإقليمية، مستندة إلى رصيد من الانتصار العسكري والدبلوماسي، يجعلها قادرة على مخاطبة جميع الأطراف من موقع الندّ لا التابع. وبينما تحاول إسرائيل تجاوز عقدة أكتوبر سياسيًا، تبدو القاهرة، من خلال هذا التزامن المقصود، كمن يذكّرها بأن التاريخ لا يُمحى بقرار تفاوضي، وأن جراح الهزيمة، مهما تجمّلت، تبقى حاضرة في الذاكرة الجماعية لكل من عاش زمن العبور.