هيئة تحرير دتا بريس
إلى أي مدى يمكن ليد المغرب الممدودة أن تُخرج الجزائر من نفق أزمتها الاقتصادية؟
وهل يستطيع خطاب الحكمة أن يكسر دائرة الانغلاق التي تُعمّق انهيار الدينار وتُغرق السوق في الفوضى؟
وبالمناسبة، ما الذي يجعل مبادرة الحوار التي قدّمها صاحب الجلالة الملك محمد السادس تُطرح اليوم من جديد كحل واقعي، بينما يمرّ الاقتصاد الجزائري بواحدة من أسوأ مراحله منذ عقود؟
تعيش الجزائر اليوم وضعاً اقتصادياً بالغ التعقيد، بعدما فقد الدينار خلال عام واحد أكثر من نصف قيمته أمام اليورو، مسجلاً في الثالث والعشرين من نونبر مستوى غير مسبوق بلغ 28 ألفاً و250 ديناراً مقابل مئة يورو في السوق السوداء. هذا الانهيار لا يعكس مجرد اضطراب مالي، بل يكشف عن عمق أزمة تمتد إلى التضخم، وغياب الإنتاج، واتساع السوق الموازية، وتراجع الثقة العامة في مؤسسات الدولة.
علاقة بالموضوع، نشر الصحافي المعارض وليد الكبير تقريراً موسعاً أعدّه عدنان بنشقرون مدير موقع LODJ، تناول فيه الأسباب الحقيقية وراء هذا التدهور، من تراجع الاحتياطات إلى ندرة المواد الأساسية وتآكل القدرة الشرائية. التقرير يشير إلى فجوة خطيرة بين سوق العملة الرسمية والموازية، بعدما تجاوز الفارق بينهما 100%، رغم محاولات الرئيس عبد المجيد تبون طمأنة الجزائريين بأن «الحكومة تعمل على دعم الدينار».
يُشار إلى أن الجزائر فقدت حوالي 70% من احتياطاتها من النقد الأجنبي منذ 2014، بينما لم ينجح اقتصادها في خلق بدائل حقيقية عن النفط والغاز. فالصناعة التحويلية لا تساهم إلا بـ 5,2% من الناتج الداخلي الخام، والفلاحة بـ 12,3% فقط، ما يؤكد هشاشة البنية الاقتصادية وضعف التنويع.
هذا وأن جزءاً من الأزمة مرتبط، وفق محللين، باستنزاف موارد الدولة في دعم جبهة البوليساريو، وهو دعم خلق عزلة سياسية إقليمية ودولية، وأعاق أي إمكانية حقيقية لبناء اقتصاد تنافسي أو جذب استثمارات معتبرة. فالنظام يُنظر إليه كفاعل يغذي الانفصال ويغلق الأبواب أمام الشراكات الكبرى.
وبينما يتخبط الاقتصاد الجزائري في أزماته، تبرز مبادرة جلالة الملك محمد السادس، الداعية إلى فتح باب الحوار مع الجزائر، باعتبارها فرصة اقتصادية وسياسية يمكن أن تغيّر قواعد اللعبة. فالتجربة الناجحة التي جمعت المغرب وموريتانيا في السنوات الأخيرة أثبتت أن التعاون الإقليمي قادر على خلق دينامية اقتصادية قوية، وتسهيل تنقل السلع والاستثمارات، وتعزيز الأمن الغذائي والتجاري.
وهكذا يصبح السؤال مشروعاً:
هل يدرك النظام الجزائري أن استمرار الانغلاق يعني السير نحو انهيار قد يصعب تداركه؟
وهل يشكّل الانفتاح على المبادرة الملكية مخرجاً واقعياً، لا سياسياً فقط، بل اقتصادياً كذلك؟
ولربما؛ مبادرة صاحب الجلالة ليست مجرد دعوة سياسية، بل طوق نجاة يمكن أن يفتح أمام الجزائر أبواب الاستقرار الاقتصادي الذي تفتقده اليوم، لو اختارت أن تغلّب المصلحة على الصراعات الإقليمية.
وبهذا المعطى، يمكن أن تتحول هذه المبادرة من مجرد إشارة دبلوماسية أو خطاب حسن نية، إلى مسار عملي قابل للترجمة اقتصادياً لو اختارت الجزائر الانفتاح عليه. فاليد الممدودة تحمل في خلفيتها تصوراً استراتيجياً لمنطقة مغاربية مستقرة، قادرة على خلق تكتل اقتصادي يشبه ما حققته دول غرب إفريقيا أو شرقها.
والواقع أن المغرب، بخبرته في تنويع اقتصاده وبنياته الصناعية والمينائية واللوجستية، يملك ما يكفي لجرّ المنطقة نحو نموذج تكاملي يربح فيه الجميع، خاصة الجزائر التي تحتاج اليوم إلى متنفس اقتصادي يوقف نزيف الدينار ويعيد الثقة للمؤسسات المالية وللسوق.
كما أن الانفتاح على المبادرة الملكية قد يعيد للحدود المغربية-الجزائرية قيمتها الاقتصادية الضخمة، بما تملكه المنطقة من إمكانيات في اللوجستيك، والزراعة، والتجارة العابرة للحدود، والطاقة، والمواد الأولية. ويمكن لهذا التعاون، لو تحقق، أن يطوي صفحة عقود من التنافر، ويفتح أمام الجزائر فرصة لتوجيه ثرواتها نحو الاستثمار والتنمية بدل استنزافها في الصراع.
وبالموازاة، يمنح هذا الانفتاح الجزائر مخرجاً آمناً من الوضع الاقتصادي المتدهور، دون أن يُفهم الأمر كتنازل سياسي، بل كتحول نحو الواقعية وإعطاء الأولوية لمصلحة المواطن الجزائري الذي يعيش تحت ضغط الأسعار وتراجع القدرة الشرائية واتساع السوق الموازية. فالتجربة المغربية-الموريتانية أثبتت أن التعاون لا يحتاج إلى عقود من الثقة، بل إلى قرار سياسي شجاع فقط.
وعليه، يصبح السؤال الجوهري مفتوحاً على إجابة واضحة:
نعم، قد تكون مبادرة جلالة الملك طوق نجاة حقيقياً للاقتصاد الجزائري، شريطة أن تقرر الجزائر التقاطها قبل أن يصل الانهيار إلى نقطة اللاعودة. فالفرصة موجودة، والحلّ مطروح، والقرار ينتظر فقط من يعترف بأن مستقبل الشعوب أهم من حسابات خاوية.