من أسواق فاس إلى فضاءات التكوين.. رحلة في قلب الصناعة التقليدية
محمد سعد – فاس
يلعب مركز التكوين والتأهيل في حرف الصناعة التقليدية بالبطحاء بمدينة فاس دورًا محوريًا في الحفاظ على التراث الحرفي المغربي وتطويره، من خلال تكوين وتأهيل أجيال جديدة في مختلف فنون الصناعة التقليدية، بما يضمن استمرارية هذا الموروث الثقافي والاقتصادي العريق.
ويواصل المركز استقبال المتدربين وتأهيلهم في عدد من الحرف التقليدية، مع اعتماد مقاربة تقوم على استقطاب الكفاءات المتمرسة وفتح ورشات جديدة، بهدف ضخ دماء جديدة في القطاع والحفاظ على الفنون المغربية الأصيلة التي تميز مدينة فاس.
وفي هذا السياق، أكد أحمد أبو جعفر، مدير مركز التكوين والتأهيل في حرف الصناعة التقليدية بفاس، أن المركز يواصل أداء دوره الحيوي في تأهيل الشباب وتطوير مهاراتهم عبر برامج تكوينية متخصصة، مستفيدًا من شراكات مع مؤسسات وطنية، من بينها مؤسسة محمد الخامس للتضامن، إلى جانب استقباله وفودًا دولية مهتمة بالصناعة التقليدية المغربية.
وأبرز أن المركز يعمل على فتح ورشات جديدة، من بينها ورشات الجبص، واستقبال طلبات الصناع المتمرسين، لما لذلك من دور في نقل الخبرة وضمان استمرارية الحرف التقليدية.
وأشار المتحدث ذاته إلى الأهمية الاقتصادية والثقافية للحرف التقليدية بمدينة فاس، مثل الزليج، والبروكار، والخزف، باعتبارها رافعة للاقتصاد المحلي وركنًا أساسيا من التراث الثقافي الوطني.
وأوضح أحمد أبو جعفر أن المركز، الذي تأسس سنة 2009 بتمويل من مؤسسة محمد الخامس للتضامن بلغت قيمته حوالي 36 مليون درهم، يعد مشروعًا استراتيجيًا يهدف إلى تحفيز القطاع الحرفي وتمكين الشباب من تكوين مهني يواكب متطلبات سوق الشغل.
ومنذ افتتاحه، استفاد حوالي 6554 متدربًا من برامج التكوين التي يقدمها المركز في 25 مجالًا حرفيًا مختلفًا، وهو ما ساهم في تعزيز القدرات الفنية والمهنية لشباب المنطقة. وقد حظي هذا الدور بإشادة وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامن، فاطمة الزهراء عمور، التي نوهت بالمساهمة الفعالة للمركز في تطوير مهارات الشباب وتمكينهم من الاندماج في سوق العمل.
ويمتد المركز على مساحة إجمالية تقدر بـ8276 مترًا مربعًا، ويتميز بتصميم معماري مبتكر يعكس الطابع الحرفي للمنطقة، كما يتوفر على طاقة استيعابية تصل إلى 300 مقعد بيداغوجي، ما يتيح تقديم تكوين فعال وشامل في مختلف المهن الحرفية.
ولا يقتصر دور المركز على التكوين فقط، بل يهدف أيضًا إلى إبراز الطابع الحرفي للمباني وجعلها فضاءً ذا جاذبية سياحية، في انسجام مع هوية مدينة فاس باعتبارها حاضنة تاريخية للصناعات التقليدية.
ويأتي إنجاز هذا المشروع في سياق التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي يولي عناية خاصة لتعزيز القدرات الاقتصادية والاجتماعية للشباب المغربي، وتوفير فرص التكوين والتأهيل للنهوض بقطاع الصناعة التقليدية وتطويره.
كما يحتضن المركز برامج تكوينية لفائدة فئات خاصة، من بينها المكفوفون وضعاف البصر، في مجالات مثل النسيج والمصنوعات النباتية، وذلك بشراكة مع جهات حكومية ومؤسسات خيرية.
ويستقبل المركز، إلى جانب ذلك، وفودًا من مدارس ومؤسسات من دول متعددة، تشمل أوروبا وأمريكا وإفريقيا وآسيا، في إطار زيارات ميدانية تعزز التبادل المعرفي وتقاسم الخبرات في مجال الصناعة التقليدية.
هذا ويواصل المركز عمله على تمكين الأجيال الجديدة من هذه المهارات، رغم التحديات التي يواجهها القطاع، من قبيل المنافسة والتحولات الاقتصادية، عبر الجمع بين خبرة الصناع المخضرمين والمهارات الحديثة، بما يضمن استمرارية الحرف التقليدية وتطورها والحفاظ على الهوية الثقافية لمدينة فاس.
ويشار بالمناسبة أن فاس تعد مركزًا تاريخيًا للفنون الحرفية، حيث تحتضن حرفًا عريقة من بينها الزليج، والبروكار، والخزف، والطرز الفاسي، والدباغة، والنسيج، كما تشكل أسواق المدينة العتيقة فضاءً نابضًا بالصناعة التقليدية، من قبيل ساحة الصفارين المتخصصة في صناعة النحاس، وسوق العطارين، وسوق النجارين، وسوق الحناء، إضافة إلى دار شوارة الشهيرة بدباغة الجلود، والقيسارية، وسوق الملاح، وسوق الشرابليين، التي تعكس مجتمعة عمق وغنى التراث الحرفي المغربي.