نادية الصبار تكتب: “الصحافة الصفراء بين منطق الإثارة وأزمة الممارسة”.. دليل إلى تحليل ومواكبة الأخبار
فصل من دليل إلى تحليل ومواكبة الأخبار
الفصل الرابع: “الصحافة الصفراء بين منطق الإثارة وأزمة الممارسة”
توطئة
بين الحين والآخر، يطفو إلى سطح النقاش العمومي مصطلح “الصحافة الصفراء”، غالبًا في سياق سجالي أو اتهامي، وعلى ألسنة فاعلين ينتمون إلى مجالات متباينة: سياسيون يشعرون بأن صورتهم شُوّهت، رجال أعمال تضررت مصالحهم، فنانون انتهكت خصوصياتهم، أو حتى صحفيون الذين يرون في هذا النمط تهديدًا لهيبة المهنة.
غير أن كثافة تداول المصطلح لا تعني بالضرورة وضوحه، بل على العكس من ذلك، فقد تكشف عن التباس مفاهيمي عميق، حيث يُستعمل أحيانًا للدلالة على صحافة الإثارة بكل أشكالها، وأحيانًا أخرى للإشارة إلى تضخيم الأحداث والمبالغة في سردها، أو إلى الخلط بين الخبر والرأي، أو إلى انتهاك الخصوصية.
ورغم هذا التباين في التعريف، يكاد يجمع المتابعون على أن هذا النمط من الصحافة يحظى بشعبية لافتة ورواج جماهيري واسع، وهو ما يفرض على الباحث والدارس التوقف عند هذه المفارقة: كيف يمكن لصحافة تُتهم بالسطحية أو التضليل أن تحظى بهذا الإقبال؟
وهل تكمن المشكلة في هذا النمط ذاته، أم في التحولات العميقة التي عرفتها البيئة الإعلامية، وسلوك الجمهور، ومنطق السوق؟
فمن هنا إذا، تأتي دراسة الصحافة الصفراء ليس بوصفها انحرافًا أخلاقيًا فقط، بل باعتبارها ظاهرة إعلامية مركّبة، لا يمكن فهمها إلا عبر تفكيك سياقات نشأتها، وأشكال تجلّياتها، وحدودها المهنية.
هذا ويجدر بداية إلى التنبيه إلى أن هذا الفصل يعتمد أساسًا على مقاربة تحليلية نوعية، تنطلق من تفكيك الخطاب الصحفي، وبنية العناوين، وأنماط السرد، ومنطق الإثارة، بوصفها أدوات كاشفة لآليات الاشتغال الإعلامي.دون أن يُقصي هذا الاختيار استحضار بعض المؤشرات الكمية العامة، مثل كثافة التفاعل أو نسب المشاهدة، بوصفها سياقًا داعمًا للفهم، لا قاعدة حاسمة في التحليل، وذلك انسجامًا مع طبيعة الموضوع التي تتطلب قراءة دلالية وبنيوية أكثر من قياس إحصائي صرف.
المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والتاريخي للصحافة الصفراء
تُعرَّف الصحافة الصفراء في أغلب الأدبيات بأنها نمط صحفي يقوم على الإثارة والتهويل، ويعتمد على الأخبار الصادمة، والعناوين اللافتة، واللغة الانفعالية، مع إهمال معايير الدقة والتحقق. وغالبًا ما تُربط هذه الصحافة بنشر أخبار الجريمة، والعنف، والجنس، والفضائح، والحياة الخاصة للمشاهير، مع استخدام مكثف للصور، أحيانًا خارج سياقها، بهدف استدراج القارئ.
غير أن هذا التعريف الوصفي لا يكفي وحده، لأنه يُغفل السياق التاريخي الذي أفرز هذا النمط. فالصحافة الصفراء لم تنشأ في فراغ، بل وُلدت في أواخر القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة الأمريكية، في لحظة تاريخية تميّزت بتوسّع المدن، وارتفاع نسب القراءة، واحتدام المنافسة بين الصحف على التوزيع والإعلانات.
وقد ارتبطت التسمية بما عُرف آنذاك بشخصية “الولد الأصفر”، وهي شخصية كاريكاتيرية استُخدمت لجذب القرّاء، ثم تحوّلت إلى رمز لصحافة تعتمد التشويق البصري والقصص المثيرة. كما لعب بعض الناشرين دورًا محوريًا في ترسيخ هذا الأسلوب، عبر تبني الخبر القصير، والفكرة اللافتة، والبحث عن “الزاوية غير المتوقعة” في الحدث.
وتكشف المقارنة التاريخية أن “الصحافة الصفراء” ليست ظاهرة أمريكية محضًا، بل هي نموذج متكرر في سياقات إعلامية تنافسية حول العالم. ففي ذروة التنافس بين قطبَي الصحافة الأمريكيين ويليام راندولف هيرست وجوزيف بوليتزر في تسعينيات القرن التاسع عشر، تجلّى المنطق المؤسس لهذا النمط: الاستثمار في السيناريوهات العاطفية (كما في قضية الطفل الصغير الذي اختُطِف، والتي حوّلها الطرفان إلى حرب عناوين مبالغ فيها)، واستخدام اللغة الحماسية المباشرة، وخلط التغطية الصحفية بالدعاية لتحريك الرأي العام (كما في التغطية المثيرة لحادثة انفجار البارجة الأمريكية مين، التي ساهمت في إشعال الحرب الأمريكية الإسبانية). هذا التنافس حوّل الخبر إلى سلعة، وجعل “الإثارة” معيارًا للنجاح التجاري قبل أن تكون انحرافًا مهنيًا.
أما في العصر الحديث، فقد توارثت “صحافة التابلويد” البريطانية (مثل ذا صن وديلي ميرور) هذا الإرث، وطوّرته عبر التركيز المكثّف على فضائح المشاهير، والغزو الفضولي للخصوصية، والعناوين الصادمة المُصمّمة للبيع العاجل. هذه النماذج تؤكد أن منطق الصحافة الصفراء يتكيّف مع الثقافة المحلية (الفضائح الملكية في بريطانيا مقابل جرائم العنف في السياق الأمريكي المبكر)، لكنه يحتفظ بجوهره القائم على الاستغلال التجاري للانفعال البشري.
وأما في العصر الرقمي، فانتقل هذا الجوهر إلى مواقع “الكلِك بيْت” الإخبارية العالمية (مثل BuzzFeed في مرحلته المبكرة، أو The Daily Mail عبر نسخته الإلكترونية) التي حوّلت “التريند” و”الفيرال” إلى عملة التداول الرئيسية، مكملة بذلك الدورة التاريخية للصحافة الصفراء: من “الولد الأصفر” على الورق، إلى “العنوان المخادع” على الشاشة.
من هنا، يمكن القول إن الصحافة الصفراء نشأت كاستراتيجية تنافسية قبل أن تتحول إلى توصيف قيمي سلبي، وهو ما يفسر قدرتها على الاستمرار والانتشار.
المبحث الثاني: الصحافة الصفراء في البيئة الإعلامية المعاصرة
مع التحولات الكبرى التي عرفها الإعلام في القرن العشرين، لم تتراجع الصحافة الصفراء، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال جديدة. ففي المجتمعات التي انتقلت من أنظمة إعلامية مقيّدة إلى اقتصاد السوق، برز هذا النمط بقوة، مستفيدًا من ضعف التمويل العمومي، ومن تراجع الصحافة الحزبية أو الإيديولوجية.
وفي السياق العربي، تزامن حضور الصحافة الصفراء مع لحظات انفتاح إعلامي نسبي، وظهور صحف جديدة ذات لغات جريئة، وأسقف حرية أعلى، ما خلق صدامًا مع الصحافة التقليدية، وأثار جدلًا واسعًا حول الحدود بين الجرأة المهنية والانفلات الأخلاقي.
ومع الثورة الرقمية، دخلت الصحافة الصفراء مرحلة جديدة، حيث لم تعد حكرًا على الجرائد المطبوعة، بل انتقلت إلى المواقع الإلكترونية، ومنصات التواصل الاجتماعي، في شكل “تريندات” وعناوين جاذبة تُصاغ خصيصًا لاصطياد النقرات. وهنا يتقاطع هذا النمط مع مفاهيم مثل الفاستفود الإخباري، حيث يغرق المتلقي في سيل من الأخبار المتشابهة، والمتكررة، والمثيرة، دون وقت كافٍ للفهم أو التحليل.
ولم تعد الصحافة المعاصرة موجَّهة إلى القارئ وحده، بل أصبحت، بشكل متزايد، خاضعة لمنطق وسيط غير مرئي يتمثّل في الخوارزميات التي تتحكم في ترتيب المحتوى وانتشاره داخل محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي.
ففي البيئة الرقمية، لم يعد كافيًا أن يكون الخبر دقيقًا أو مهنيًا، بل صار مطالبًا بأن يكون “قابلاً للاكتشاف”، أي قادرًا على الظهور في نتائج البحث والتدفّق داخل خلاصات الأخبار. هذا التحول غيّر بشكل عميق من شروط إنتاج الخبر، وجعل الصحافة تدخل في علاقة جديدة مع التقنية، علاقة لا تقوم على الاختيار الحر دائمًا، بل على التكيّف القسري مع قواعد لا تضع الجودة في صلب معاييرها.
هذا وتعتمد الخوارزميات، سواء داخل محركات البحث مثل Google أو على منصات التواصل الاجتماعي، على مؤشرات تقنية بحتة، من قبيل عدد النقرات، وسرعة التفاعل، ومدة بقاء القارئ داخل الصفحة، ومعدل المشاركة.
وهذه المؤشرات لا تقيس قيمة الخبر من حيث عمقه أو صدقيته، بل من حيث قدرته على جذب الانتباه في زمن قصير. ونتيجة لذلك، تجد الأخبار الرصينة، التي تتطلب قراءة متأنية وفهمًا سياقيًا، نفسها في موقع تنافسي ضعيف أمام محتويات مبسّطة، مشحونة، أو صادمة، حتى وإن كانت أقل دقة أو أكثر انحرافًا.
في هذا السياق، لا تقع الصحافة الرصينة في فخ الصحافة الصفراء دفعة واحدة، بل تنزلق إليها تدريجيًا، غالبًا من بوابة العنوان. فبدافع تحسين الظهور في محركات البحث، تُستعمل عناوين إيحائية، أو استفهامية، أو مشحونة، تعد القارئ بأكثر مما يقدّمه المتن فعليًا. وقد يبقى المحتوى محافظًا على حدٍّ أدنى من المهنية، لكن العنوان يتحول إلى طُعم رقمي، يُفصل فيه بين الجذب والمعنى، وبين الوعد والمعلومة. وهنا يظهر شكل جديد من الصحافة الصفراء، لا يقوم على الفبركة الصريحة، بل على المراوغة الدلالية.
وهذا الوضع يطرح إشكالية أعمق تتجاوز مسألة “النية السيئة” في الممارسة الصحفية. فالعديد من غرف التحرير لا تنطلق من رغبة واعية في الإثارة أو التضليل، بقدر ما تستجيب لضغوط اقتصادية حقيقية، حيث يعني الغياب عن نتائج البحث تراجع عدد القرّاء، وانخفاض المداخيل الإعلانية، وربما تهديد الاستمرارية نفسها. وبهذا المعنى، تصبح الخوارزميات فاعلًا غير مباشر في تشكيل الخط التحريري، لا عبر الرقابة، بل عبر منطق الإقصاء الناعم لكل ما لا ينسجم مع قواعد الانتشار.
غير أن اعتبار الصحافة الرصينة ضحية خالصة للخوارزميات يبقى تبسيطًا مخلًّا. فالتكيّف التقني لا يعني بالضرورة التفريط الأخلاقي، كما أن الخضوع الكامل لمنطق “اصطياد النقرات” يحوّل الصحافة من وظيفة إخبارية وتفسيرية إلى مجرد صناعة انتباه. وهنا تتحدد مسؤولية الصحفي والمؤسسة الإعلامية في رسم الحدود الفاصلة بين ما هو تكيّف مشروع، وما هو انزلاق مهني، خاصة حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتصبح الإثارة وسيلة دائمة للبقاء.
ومن هذا المنطلق، لا تقوم الموازنة بين قواعد السيو وأخلاقيات المهنة على الرفض أو القبول المطلق، بل على إعادة ترتيب الأولويات. فالسيو، في جوهره، أداة تقنية لتنظيم الوصول إلى المحتوى، لا منظومة قيمية لتحديد معناه. وحين يُستعمل بوصفه وسيلة لخدمة الخبر، عبر تحسين الوضوح، وتسهيل الوصول، واحترام التطابق بين العنوان والمتن، فإنه لا يتعارض مع المهنية. أما حين يتحول إلى مرجعية تحكم الصياغة، وتفرض الإثارة، وتبرّر التضليل، فإنه يصبح مدخلًا ناعمًا للصحافة الصفراء المقنَّعة.
هذا وتكشف هذه العلاقة المتوترة بين الصحافة والخوارزميات أن أزمة الصحافة الصفراء في العصر الرقمي لم تعد مرتبطة فقط بسوء النية أو ضعف التكوين، بل ببنية إعلامية جديدة تجعل البقاء مشروطًا بالظهور، والظهور مشروطًا بالجذب. وهنا يصبح الرهان الحقيقي ليس في مقاومة التقنية، بل في امتلاك وعي نقدي بكيفية الاشتغال داخلها دون فقدان البوصلة المهنية، حتى لا تتحول الصحافة، باسم السيو، إلى خطاب جذّاب… وفارغ.
وبعذا المعنى، تُسهم الخوارزميات في إعادة تعريف الصحافة الصفراء دون أن تُعلن ذلك صراحة. فحين تُكافئ منطق الجذب السريع، وتُقصي المحتوى الهادئ والمعقّد، فإنها لا تُنتج صحافة صفراء مباشرة، بل تخلق بيئة تُغري بالانزلاق إليها.
وهنا لا تعود الصحافة الصفراء محصورة في النماذج الفجّة أو الفرجوية الصريحة، بل تتخذ شكلًا أكثر نعومة، يتخفّى خلف لغة الخبر، ويحافظ ظاهريًا على القالب المهني، بينما يستبطن منطق الإثارة والاصطياد العاطفي.
وفي هذا السياق، يصبح الـ Clickbait حلقة وصل خفية بين الصحافة الرصينة والخطاب الأصفر، لا بوصفه انحرافًا فجائيًا، بل نتيجة تراكمية لتنازلات صغيرة تُبرَّر بالضرورة التقنية، قبل أن تتحول إلى أسلوب اشتغال مألوف. ومن هنا، لا يمكن فهم ظاهرة الصحافة الصفراء المقنّعة إلا بوضع الخوارزميات في صلب التحليل، باعتبارها فاعلًا بنيويًا يعيد تشكيل الحدود بين الجذب المشروع والانزلاق المهني، وبين التكيّف الرقمي وفقدان المعنى الصحفي.
يتبع
المصادر: جملة من المقالات والكتب والمنشورات وخبرة في الميدان.
نادية الصبار
كاتبة صحافية
مديرة موقع danapress.ma
أستاذة مكونة بمعهد epag