الرائدة في صحافة الموبايل

بين الشغب الكروي وخطاب الكراهية… أين يقف الصحفي؟

هل تنتهي مسؤولية الصحفي عند حدود نقل الوقائع، أم تبدأ مسؤوليته الحقيقية بعد أن يهدأ صخب المدرجات؟ في لحظات التوتر الرياضي، تختلط الانفعالات بالمواقف، ويصبح الخط الفاصل بين الوصف والتحريض، وبين التحليل والتأجيج، دقيقًا إلى حدّ الالتباس. هنا تحديدًا يُختبر وعي الصحفي بأدواره وحدودها.

لم تكن أحداث نهائي الدورة الخامسة والثلاثين لكأس إفريقيا للأمم، التي جمعت المنتخبين المغربي والسنغالي، مجرد مباراة انتهت بصافرة حكم، بل لحظة كشفت هشاشة المسافة بين الشغب بوصفه سلوكًا انفعاليًا عابرًا، وخطاب الكراهية بوصفه ممارسة إعلامية قد تمتد آثارها إلى المجال العام وصورة الدول وعلاقاتها. وهنا ثمة أسئلة طرحت وبإلحاح: كيف نغطي الشغب دون أن ننزلق نحو خطابات سلبية؟ وهل الشغب الكروي كتصرف منفلت نتج عن احتقان رياضي في لحظة تنافس عالية الحساسية يبرر انفلات الصحافيين؟!

وإذا كان الشغب سلوكا جماهيريا مرفوضا مهما كانت علته، فهو مع ذلك سلوك لحظي مرتبط بزمن المباراة وسياقها الانفعالي ولا يتجاوزها. على النقيض من ذاك، فقد كانت بعض المعالجات الإعلامية التي لم تكتفِ بوصف الشغب في حدوده الواقعية؛ بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بكثير في انزلاق مفضوح وفج تجاوز الأخلاق العامة وأخلاقيات المهنة، وتبنت بقصد أو غير قصد خطاب الكراهية. وهنا يظهر الفارق الجوهري بين سلوك جماهيري عابر تحكمه الانفعالات، وخطاب إعلامي ممتد وقابل للتداول وقد تمون له انعكاسات.

غير أن الرد الرسمي جاء واضحًا، وأعاد الأمور إلى نصابها، فقد أكد جلالة الملك، وفق ما جاء في بلاغ للديوان الملكي صادر يوم الخميس 22 يناير، عقب نهائي الدورة 35 لكأس إفريقيا للأمم التي استضافتها المملكة المغربية، أن ما جرى «أحداث مؤسفة شهدتها الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية»، لكنه شدد في الآن ذاته على أنه «بمجرد أن تتراجع حدة الانفعال والعواطف ستنتصر روابط الأخوة الإفريقية بشكل طبيعي؛ حيث إن هذا النجاح المغربي هو أيضا نجاح لإفريقيا كلها».

وأضاف البلاغ عينه أن «الشعب المغربي يدرك كيف يميز بين الأمور، ولن يقبل بالانسياق وراء الضغينة والتفرقة»، مؤكدًا أن «لا شيء يستطيع أن يمس بالتقارب الذي تم نسجه على مدى قرون بين شعوبنا الإفريقية، ولا بالتعاون المثمر القائم بين مختلف بلدان القارة».

وفي السياق نفسه، وخلال افتتاح أشغال اللجنة العليا المشتركة بين المغرب والسنغال في دورتها الخامسة عشرة، بتاريخ 26 يناير، أعاد رئيس الحكومة عزيز أخنوش التأكيد على أن «العلاقات المغربية السنغالية تنبني على قواعد صلبة تمس جوانب إنسانية ودينية واقتصادية»، موضحًا أن «الطرق التجارية التاريخية التي كانت تصل المغرب بعمقه الإفريقي، خاصة عبر السنغال، لعبت دورًا محوريًا في تعزيز هذا التقارب».

كما شدد رئيس الحكومة على أن هذه العلاقة «ليست وليدة اللحظة أو تحالفات ظرفية»، مبرزًا البعد الروحي الذي «شكّل أحد أعمدة هذه العلاقات» عبر الروابط الصوفية. وما استحضاره للعلاقات بين البلدين إلا تأكيد مرة أخرى على أن العلاقات تُدار ضمن سياقات أخرى قاسمها المشترك علاقات تاريخية بين البلدين ومصالح سياسية واقتصادية في اتجاهين، وليس البتة رقعة ملعب أو لحظة انفعال كروي وردود فعل حوله. مبرزًا أن هذه العلاقة «ليست وليدة اللحظة أو تحالفات ظرفية». وهي عبارات تعيد ترتيب الأولويات: مباراة تنتهي، أما العلاقات الاستراتيجية فتمتد.

واعتبارا لكل ما سبق ذكره، وجب على الصحافيين خلال تعاطيهم مع واقعة الشغب الكروي داخل الملعب التمييز بين الشغب باعتباره سلوكًا انفعاليًا مرتبطًا بطبيعة المنافسات، وبين خطاب الكراهية الذي يقوم على التعميم والإقصاء ويتجاوز الحدث إلى بناء سرديات سلبية. فالأول يظل محدودًا بزمن المباراة، وأما الثاني فتمتد آثاره إلى المجال العام وصورة الدول وهيبتها وعلاقاتها.

فالصحفي ليس امتدادًا لمدرج غاضب، بل فاعل في الحقل الإعلامي ولذلك فالموقف الذي يختاره لا يتوقف عند حدود الواقعة نفسها، بل قد يمس صورة بلده، ويلامس سيادته الرمزية، ويتقاطع مع مصالحه السياسية والاقتصادية، كما قد يؤثر في شبكة علاقاته الدبلوماسية التي تُبنى على الثقة والتراكم. لذلك فإن الانسياق وراء رد فعل عاطفي باسم الشغب الكروي لا يُعد مجرد زلة لغوية، بل يعد خرقا لميثاق المهنة، وضربا لقيم التعايش والسلام.

وهنا وجب التمييز؛ فالشغب مهما كانت حدته يظل سلوكا معزولا مرتبطًا بلحظة احتقان رياضي في مباراة مصيرية وحاسمة، فيما خطاب الكراهية فهو اختيار واع مهما بدا غير مقصود؛ يقوم على التعميم ويهدد السلم الرمزي. وإذا كان الأول ” الشغب” ينتهي بزوال أسبابه، فالثاني “خطاب الكراهية” قد يترك أثرًا يتجاوز رقعة الملعب.

وهكذا يصبح السؤال ملحا جدا، يتجاوز “ماذا ” حدث في المباراة؟ ل”كيف” نصف ما حدث بمسؤولية؟ فالصحفي لا تنتهي مسؤوليته عند آخر تعليق قد يكون لع بالغ الأثر لا قدر الله على صورة البلد المضيف، ويغفل مصالحه الاستراتيجية. دون أن يعني ذلك تقييد حرية الصحافي في التعبير عن موقفه دون ازلاق غير مسؤول، يستحضر فيه أخلاقيات الفرجة، معتبرا أن الشغب كما تؤكد ذلك الأدبيات السوسيولوجية، ظاهرة عالمية مرتبطة بتفريغ الاحتقان الجماعي، بينما خطاب الكراهية ممارسة واعية تتضمن تعميمًا وإقصاءً للآخر.

وخلاصة القول، الانفعال العاطفي قد يكون مفهومًا داخل الملاعب، وقد يتحول إلى مأزق حين يتحول إلى خطابات شعبوية تعاكس توجه الدولة الداعم للتعاون جنوب–جنوب، والذي تعزز بعد عودة المغرب إلى حضن الاتحاد الإفريقي وانخراطه في شراكات استراتيجية قوية مع بلدان غرب إفريقيا، وفي مقدمتها السنغال. وبين لحظة رياضية مشحونة، ومسار دبلوماسي ممتد عبر قرون، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا مما توحي به بعض العناوين المتسرعة والأوصاف المتهورو التي وقع أصحابها بقصد أو بغير قصد في فخاخ الإثارة أو البوز والترند أو أقله حماسة مفرطة سقطت في اختبار الصحافة والمواطنة.

ملحوظة: الصورة من موقع كيفاش

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد