التضخم: أزمة منتهية أم خطر قائم؟!
دنا بريس – نوران زكريا العسكري
شهد العالم خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات التضخم العالمي نتيجة تداعيات جائحة كورونا واضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء. ورغم بدء تراجع التضخم تدريجيًا في العديد من الدول خلال 2025 و2026، إلا أن المخاوف لا تزال قائمة بشأن استقرار الأسعار على المدى الطويل، خاصة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية والتجارية التي تؤثر على حركة الأسواق العالمية.
وتشير التوقعات الاقتصادية إلى أن التضخم العالمي يتجه نحو التباطؤ خلال 2026، لكنه لا يزال أعلى من مستويات ما قبل الأزمات الاقتصادية العالمية، ما يدفع البنوك المركزية إلى توخي الحذر في قرارات خفض أسعار الفائدة. وفي هذا السياق، يتزايد التساؤل حول ما إذا كانت أزمة التضخم قد انتهت بالفعل، أم أن الاقتصاد العالمي قد يشهد موجات تضخمية جديدة خلال السنوات المقبلة.
كيف تشكّلت موجة التضخم العالمية خلال السنوات الأخيرة؟
خلال السنوات الخمس الماضية، دخل الاقتصاد العالمي مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب، بدأت مع جائحة كورونا ولم تنتهِ بانحسارها الصحي. فقد أدّت الجائحة إلى تعطّل سلاسل الإمداد وتراجع الإنتاج العالمي نتيجة الإغلاقات وإصابة ملايين العمال، ما تسبب في انخفاض العرض مقابل طلبٍ عاد ليتعافى بسرعة. ومع هذا الاختلال، ارتفعت أسعار الطاقة والوقود والمواد الغذائية بشكل متسارع، لتبدأ موجة تضخم واسعة النطاق.
ولم تكد الأسواق تلتقط أنفاسها حتى جاءت الحرب بين روسيا وأوكرانيا لتعقّد المشهد أكثر، إذ يشكل البلدان مصدرًا رئيسيًا للنفط والغاز والحبوب عالميًا. ومع تقلّص الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، تضاعفت الضغوط على أسعار الطاقة، وانعكس ذلك مباشرة على كلفة الكهرباء والنقل والإنتاج، خصوصًا في دول تعتمد على الاستيراد مثل مصر ولبنان، حيث امتد أثر التضخم إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، من فاتورة الكهرباء إلى أسعار السلع الأساسية.
وقالت كريستينا جورجيفا مديرة صندوق النقد الدولي ان التضخم سيبدا في التراجع خلال الأعوام المقبلة، وقالت أنه سينخفض الي ٣.٨٪ هذا العام والي ٣.٤ في عام ٢٠٢٧، بالإضافة إلى انخفاض اسعار الطاقة والغذاء
ورغم هذا التراجع، لا يزال التضخم العالمي أعلى من متوسط مستوياته التاريخية قبل الأزمات الاقتصادية العالمية، حيث تشير التوقعات الاقتصادية إلى استمرار الضغوط السعرية في بعض القطاعات مثل الغذاء والطاقة والخدمات. كما تختلف وتيرة تراجع التضخم بين الدول المتقدمة والنامية، نتيجة اختلاف السياسات الاقتصادية وقوة العملات المحلية ومستويات الاعتماد على الواردات، وهو ما يجعل مسار التضخم العالمي غير متوازن بين مختلف اقتصادات العالم.
هذا وبدأت معدلات التضخم العالمي في التراجع تدريجيًا خلال 2025 و2026 نتيجة مجموعة من السياسات والإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها البنوك المركزية حول العالم، وعلى رأسها رفع أسعار الفائدة للسيطرة على معدلات الطلب وتقليل السيولة داخل الأسواق. وقد ساهمت هذه السياسات في تهدئة الضغوط السعرية، خاصة بعد فترة طويلة من الارتفاعات الحادة التي شهدها الاقتصاد العالمي عقب جائحة كورونا والأزمات الجيوسياسية.
كما لعب تحسن سلاسل الإمداد العالمية دورًا مهمًا في تراجع التضخم، حيث بدأت حركة التجارة والشحن الدولي في العودة إلى مستويات أكثر استقرارًا مقارنة بسنوات الأزمة، وهو ما ساهم في تقليل تكاليف الإنتاج والنقل. بالإضافة إلى ذلك، شهدت أسعار الطاقة والغذاء استقرارًا نسبيًا مقارنة بفترات الذروة السابقة، ما ساعد على تخفيف الضغوط التضخمية في العديد من الاقتصادات
لماذا يستمر التضخم بالارتفاع في بعض الدول؟
رغم الاتجاه العام نحو تراجع التضخم العالمي خلال الفترة الأخيرة، إلا أن بعض الدول ما زالت تعاني من معدلات تضخم مرتفعة مقارنة بغيرها، ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية المحلية والعالمية. من أبرز هذه العوامل ضعف العملات المحلية أمام الدولار، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الواردات خاصة في الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الغذاء والطاقة والسلع الأساسية.
كما تلعب السياسات النقدية والمالية دورًا مهمًا في اختلاف مستويات التضخم بين الدول، حيث قد تواجه بعض الاقتصادات صعوبة في رفع أسعار الفائدة بنفس سرعة الاقتصادات المتقدمة، بسبب تأثير ذلك على النمو الاقتصادي أو مستويات الدين الحكومي. بالإضافة إلى ذلك، قد تؤدي الزيادات في الأجور أو ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي إلى استمرار الضغوط التضخمية داخل بعض الاقتصادات.
ومن ناحية أخرى، تتأثر بعض الدول النامية بشكل أكبر بالتغيرات في أسعار الغذاء والطاقة عالميًا، وهو ما يجعل التضخم فيها أكثر حساسية للصدمات الخارجية، خاصة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية والتجارية التي تؤثر على حركة التجارة الدولية وأسعار السلع الأساسية
وتعتبر سعر الفائدة من أكثر المؤشرات التي تؤثر على التضخم بشكل كبير، حيث تعتمد البنوك المركزية على رفع أسعار الفائدة كأداة رئيسية لتقليل معدلات الإنفاق والاقتراض داخل الاقتصاد. فعندما ترتفع أسعار الفائدة، تقل شهية الأفراد والشركات للاقتراض، وهو ما يؤدي إلى انخفاض الطلب على السلع والخدمات، وبالتالي يخف الضغط على الأسعار ويبدأ التضخم في التراجع تدريجيًا.
وخلال السنوات الأخيرة، اتجهت العديد من البنوك المركزية الكبرى إلى رفع أسعار الفائدة بشكل متتالي لمواجهة موجات التضخم المرتفعة، خاصة بعد ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالميًا. وقد ساهمت هذه السياسات في تهدئة الضغوط التضخمية في العديد من الاقتصادات، لكنها في الوقت نفسه أثرت على معدلات النمو والاستثمار، حيث أصبحت تكلفة التمويل أعلى على الشركات والمستهلكين.
ورغم نجاح هذه السياسات نسبيًا في السيطرة على التضخم، إلا أن البنوك المركزية تتعامل بحذر مع قرارات خفض الفائدة، خوفًا من عودة التضخم للارتفاع مرة أخرى. لذلك، يعتمد مستقبل التضخم العالمي بشكل كبير على توقيت قرارات الفائدة ومدى استقرار الأسواق العالمية خلال الفترة المقبلة.