الرائدة في صحافة الموبايل

ثورة الشعب.. محاولة للتتبع والفهم

ذ. عبد المولى المروري

في العادة؛ الشعب هو من يثور على ما يضره ويقهره، يثور على الظلم والفقر والفساد وغير ذلك .. تارة ينجح في ذلك يحقق أهدافه، وتارة يفشل . لكن؛ أن تكون هناك ثورة على الشعب، فلم يعرف التاريخ حدثا مثل هذا من قبل.
العديد من ثورات الشعوب العربية الأخيرة لم تحقق في مجملها ما تطمح إليه تلك الشعوب من مطالبها المشروعة؛ عدالة اجتماعية، حرية، تنمية حقيقية، اقتسام الثروة، ديمقراطية.. وغير ذلك من المطالب التي قدم من أجلها جزء من الشعب العربي تضحيات كبيرة وكثيرة، ورغم ذلك ظلت بعيدة المنال، بل ربما ازدادت بعدا وصعوبة وتمنعا.. والسؤال الذي يجب أن يطرح في هذه الحالة، ما هو سبب فشل جل الثورات العربية خلال هذه المرحلة رغم عدالة القضايا التي تنادي بها؟
أكيد هناك أسباب عديدة حالت دون اكتمال تحقق حلم الشعوب العربية في الانعتاق والتحرر من انظمتها الفاسدة ( التدخل الخارجي، قوة الدولة العميقة وتحكمها في مفاصيل الدولة وتفاصيلها وغيرها… )، ولكن في هذا المقال سأركز على أهم سبب – في نظري المتواضع – الذي أعاق نجاح هذه الثورات، هذا السبب متعلق أساسا بالشعب ذاته الذي يناضل من أجل نيل مطالبه..

سيلاحظ المتتبع لظاهرة الربيع العربي، بدءا من تونس، ومرورا بمصر والمغرب وليبيا واليمن ثم سوريا ما يلي :
1/ حراك مفاجئ ودون سابق إعداد.
2/ حراك تميز بالعفوية ودون تأطير من أي جهة سياسية في شرارته الأولى.
3/ حراك قاده الشباب بالدرجة الأولى .
4/ حراك لم تتبناه أي جهة محددة، بل هو حراك الشارع فقط.
5/ حراك رغم أنه تميز بتغطية إعلامية كبيرة، وكان واسعا وشاسعا، إلا أنه لم يكن عاما وعميقا في كل قطر.
والملاحظة الأخيرة هي المعنية بهذا المقال، لماذا لم يكن حراك الشعوب العربية عاما وعميقا؟

لا يمكن أن ينكر منصف ان ما قام به شباب الشعوب العربية من مجهودات خلاقة ونضالات مبدعة وتضحيات جسام في هذه الثورات، مع الحفاظ على مبدء السلمية والحرص الشديد على أمن واستقرار أوطانها، ولن ينكر أحد أن هذا الحراك حقق ولو جزئيا مطالب مهمة ، وعلى رأسها إزاحة أشخاص أو أصنام جثموا لعقود من الزمن على أنفاس شعوبها، مع نهب خيراتها وعاتوا فيها فسادا واستبدادا، كما تمكن الحراك من فرض إصلاحات سياسية كبرى ، فعلا إنه لنصر كبير أن تصل الثورات إلى هذا المستوى من الإنجاز غير المسبوق.
ولكن هل استتب هذا النصر واستمر؟ وهل كانت الشعوب العربية في مستوى تحصين هذا النصر والحرص على هذه المكتسبات أمام أول ارتجاج أصاب بعض الأقطار؟
سأقدم ثلاث تجارب عربية عرفت تحولات مختلفة بعد الربيع العربي.

1/ التجربة المصرية:

عرفت ثورة 25 يناير زخما جماهيريا كبيرا ومتابعة إعلامية واسعة، وحققت في إبانه نتائج مبهرة وغير متوقعة بعد تخلي الرئيس محمد حسني مبارك عن كرسي الرئاسة، والدعوة إلى انتخابات برلمانية ورئاسية بوأت حركة الإخوان تزعم المشهد السياسي، وأعقب ذلك تعديلات دستورية ثورية … كل ذلك أمام انتدهاش العالم وتربص القوى المعادية في الداخل والخارج…
لقد حققت ثورة 25 يناير ومن بعدها حركة الإخوان المسلمين كل شيء، فلماذا انهار كل شيء فجأة بعد سنة من الحكم؟ وكيف استطاعت الثورة المضادة ل 30 يونيو وانقلاب 3 يوليوز أن يسرقا ثورة 25 يناير؟ أين الخلل؟ وما هي نقط ضعف ثورة 25 يناير؟

لا يمكن تجاهل عوامل مهمة ساهمت في هذه الردة الرهيبة، سبق أن فصلت فيها في مقال سابق، وسأشير إليها هنا دون تفصيل لأنها ليست موضوع هذا المقال.
~ التدخل السعودي الإماراتي المعادي لحركة الإخوان المسلمين وأي تحول ديمقراطي في المنطقة العربية بوجه عام.
~ تدخل الكيان اليهودي الذي لا ولن يسمح بوجود دولة كبيرة يقودها الإسلاميون على حدوده، وخاصة الإخوان.
~ عقيدة الجيش المصري المخلصة للسعودية والإمارات دولتا التمويل قصد حمايتهما من “خطر إيران” .
~ خوف الجيش المصري على استثماراته الكبيرة ومصالحه المالية والاقتصادية أن تقع تحت سلطة ورقابة حكومة ديمقراطية.
~ تدخل الغرب المنافق بقيادة أمريكا قصد إجهاض التجربة الديمقراطية الفتية، خاصة بعد التحالف الاقتصادي الذي بدأه مرسي مع تركيا والبرازيل ..

قد تبدو هذه عوامل كافية تمكن من الإجهاز على مكاسب ثورة 25 يناير، ولكن في نظري المتواضع ما كان لهذه العوامل أن تؤثر بهذا الشكل وبهذه السرع لو كان الشعب المصري أو على الأقل الجزء المؤثر فيه في مستوى تحصين الثورة وحماية مكتسباتها.
من الذي خرج في ثورة 30 يونيو المضادة؟ أليس جزء من الشعب المصري؟ من الذي دعم انقلاب 3 يوليوز ؟ أليس جزء من الشعب المصري؟
فعلا لقد ظل المخلصون مرابطين في ميداني رابعة ورمسيس حتى تدخلت آلة الإجرام العسكري بقيادة السيسي لتقتلعهم من جذورهم، ألم تكن تلك الجرائم البشعة تحت أنظار جزء من الشعب المصري؟ علما أن هذه الجرائم الرهيبة لم تقع حتى في زمن مبارك!
أين هو الشعب المصري الذي انتفض ضد نظام مبارك بسبب أوضاع اقتصادية واجتماعية كانت أحسن بكثير مما يعيشه المصريون اليوم في زمن السيسي؟ هذا الرئيس الذي أمعن في إذلال المصريين وإهانتهم وتفقيرهم، بل واستغبائهم واستغفالهم بكل بشاعة.
لماذا يقبل المصريون بكل هذا الذل والفقر وهم حديثو عهد بتجربة ثورية ناجحة، لم تكتمل معها فرحتهم ولم يأكلوا بعد غلتها؟

2/ التجربة التونسية:


لقد حققت ثورة الياسمين هي الأخرى، وقبل ثورة 25 يناير المصرية، نتائج تاريخية، بل كانت هي بداية الثورات وملهمة كل الشعوب العربية التواقة إلى الحرية والكرامة والعدالة. وكان فرار بن علي حدثا فريدا من نوعه، يؤكد على ضعف الاستبداد مهما طال، ووهن الزعامة التي تختفي وراء الديكتاتورية.. ولكن ماذا عن الدولة العميقة في تونس؟

لقد عرفت تونس هي الأخرى إصلاحات سياسية ودستورية كبيرة غيرت المشهد السياسي التونسي، وانعكس ذلك على الشعب بشكل واضح.. ودخلت تونس تجربة انتخابية جديدة توجت مسار ثورة الياسمين بانتخاب المنصف المرزوقي رئيسا للجمهورية وتحالف ثلاث أحزاب سياسية في تشكيل الحكومة، أبرزه وأقواه حزب النهضة الذي احتل المرتبة الأولى.
لقد كان حزب النهضة أكثر حكمة عندما أحجم عن المشاركة في انتخابات الرئاسة مدعما حليفه المرزوقي، مع احتفاظه برئاسة البرلمان والمشاركة بحقائب وزارية مهمة. لقد كان الحزب مدركا أن المرحلة تقتضي التريث بسبب توجس الخارج وفلول النظام البائد من هذه التجربة، والتربص بها وانتظار الوقت المناسب للإجهاز عليها.
كل هذه المدة ظلت الدولة العميقة في تونس وفلول النظام السابق على يقظة تامة، وتربص مستمر، واستمرار الحفاظ والتأثير والتحكم في مفاصيل الدولة، مع استثمار العلاقة مع دول الخليج المعلومة وفرنسا الجريحة..
فعلا، لقد كان الجيش التونسي أكثر وعيا ونضجا ووطنية من مثيلة في مصر، ولكن قوى الأمن ولوبيات الدولة العميقة كانت بالمرصاد في انتظار الوقت المناسب من أجل استرجاع المبادرة واستعادة التحكم.
ظهر ذلك جليا إبان الانتخابات الرئاسية الثانية، حيث مارست قيادات ورموز النظام البائد في تونس من أجل الفوز بالانتخابات وهزيمة المرزقوقي كل وسائل الضغط المعروفة وغير المعروفة، الشرعية وغير الشرعية مثل الإعلام والمال والأمن والتخويف، وما خفي كان أعظم، وقدموا للمنافسة أحد شيوخ ذلك النظام البائد القائد الباجي السبسي الذي لم يخف يوما تعاطفه وحنينه للماضي.

لقد شكل ذلك بداية تراجع قوة حزب النهضة وخفوت بريق ثورة الساسمين، فكيف استطاع شخص من رموز النظام السابق العودة وبقوة قادما فوق بساط الشرعية؟ ومن أين حصل على هذه الأغلبية أمام أحد أبرز وألمع الوجوه الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي ، والمشهود له بالنزاهة الفكرية والأخلاق الديمقراطية؟ ألم يصوت على السبسي جزء مهم من الشعب التونسي المنتشي قريبا بنجاح ثورته؟ ألا يعيش الريبع التونسي مع الحكومة الحالية وفي ظل أزمته السياسية نوعا من الخريف المخيف؟ وظهر ذلك جليا في مجموعة من القوانين المصادمة لهوية الشعب التونسي والأزمات السياسية المتتابعة وبعض التراجعات الحقوقية.. خاصة بعد الأحداث الإرهابية الغريبة التي ضربت تونس في عهد حكومة المرزوقي من أجل زعزعة استقرار البلاد وإظهار فشل تلك الحكومة بعدم قدرتها في الحفاظ على الامن.
لماذا تراجع الشعب التونسي ، أو جزء مهم منه، على تجديد الثقة في حزب النهضة والمنصف المرزوقي كما في السابق؟ أين الخلل؟

3/ التجربة المغربية:

هذه التجربة رغم تشابه منطلقاتها وأسبابها، وكذا بعض نتائجها، إلا أن هناك بعض الاختلافات الواضحة على مستوى التعامل مع الحراك وما أسفر عن ذلك من نتائج سياسية؛
لقد كان هناك اختلاف واضح داخل حزب العدالة والتنمية، أقوى حزب في المغرب، ففي الوقت الذي تضامن بعض قيادات الحزب مع حركة 20 فبراير ومطالبها، خاصة الرميد والعثماني والشوباني وحامي الدين، لم يخف ابن كيران توجسه من هذا الحراك ودعى إلى عدم الانخراط فيه مستعملا كل وسائل الضغط، حتى كاد أن يعصف ذلك الاختلاف بوحدة وصف الحزب …
في نظري، إن انسحاب شبيبة العدالة والتنمية من الحراك في مرحلة من أهم مراحله انعكس بشكل من الأشكال على المساهمة في تأطير الحراك وترشيده وتحديد سقف معقول في مطالبه.

إلا ان أهم ما يميز حراك 20 فبراير هو خطاب الملك يوم 9 مارس، الذي تفهم معقولية هذا الحراك وبشر بإصلاحات سياسية كبيرة توجت بإصلاحات دستورية وانتخابات سابقة لأوانها، كانت نتائجها فوز حزب العدالة والتنمية بكل الاستحقاقات الانتخابية وترؤسه الحكومة، ودخول المغرب إلى عهد سياسي جديد.

لقد قاد ابن كيران هذه المرحلة بكل جدارة واقتدار، سياسيا وتواصليا مع الشعب، وكانت له من الشجاعة للقيام بإصلاحات اقتصادية واجتماعية صعبة وكبيرة ومهمة، رغم أنها بدت قاسية ومجحفة على عموم المواطنين، إلا أن المغاربة قبلوا بها لاعتقادهم أن من باشرها رئيس حكومة نزيه ومنتخب ديمقراطيا، الأمر الذي حاز بمقتضاه حزب العدالة والتنمية تزكية الشعب المغربي وتجديد الثقة به وبحزبه خلال الانتخابات الأخيرة..

ولكن خلال مدة تدبير الحزب لتلك المرحلة الأولى، لم تتوقف قوى التحكم ( العفاربت والتماسيح ) حسب تعبير ابن كيران، عن مضايقة الحزب والتحرش به وبقياداته، وعرقلة وتبخيس أعمالهم وإصلاحاتهم، وتشويه سمعتهم إعلاميا عن طريق بعض المنابر الإعلامية المأجورة والمسخرة في خدمة قوى التحكم، خاصة في ظل تحالف حكومي هجين. واستمر أسلوب الدولة العميقة في مضايقة الحزب إلى غاية آخر انتخابات برلمانية التي بوأت حزب العدالة والتنمية المرتبة الأولى للمرة الثانية على التوالي..

خلال الولاية الثانية لابن كيران في رئاسة الحكومة، اشتد طوق الخناق على هذا الأخير من أجل تركيعه ليقبل بشروط يرى فيها تطاولا على صفته كرئيس حكومة حاز ثقة الشعب وبتعيين الملك، ويتوفر على أغلبية معقولة تمكنه من تشكيل تحالف معقول.. الأمر الذي عجل بعزله وتعيين سعد الدين العثماني بدلا عنه في إطار ما سمي ” احترام المنهجية الديمقراطية”.

خلال هذه المرحلة ظهر الوجه ” العادي والطبيعي ” للدولة العميقة، وإصرارها من أجل استرجاع المبادرة والظهور بصفتها الفاعل الوحيد والقوي بدون منازع في تدبير الحياة السياسية والاجتماعية .. وفق رؤيتها الأحادية، ولم تتوانى في تأزيم الحياة السياسية وعرقلة أي حل يهم حلحلة الواقع أو التخفيف من حدة التوتر المفتعل رغم كل التطمينات والتوافقات التي اجتهد فيها الحزب وقياداته.. فكان ذلك مؤشرا واضحا على وقوع ردة سياسية وتعطيل المسار الديمقراطي وإفراغ العمل السياسي من مضمونه .. ومؤشرا خطيرا على عودة التحكم والتراجعات في مجال الحريات وحقوق الإنسان .

كانت هذه المقدمة مهمة من الناحية المنهجية لأرتب عليها التحليل الآتي، والذي يتمحور على بعض الأسئلة؛
~ كيف ينظر الآن الشارع المغربي إلى تجربة حزب العدالة والتنمية؟ وكيف يقيمها؟
~ من ساهم في تشكيل هذه النظرة؟ هل الدولة العميقة، أم حزب العدالة والتنمية، أم قصور نظر الشارع؟
~ هل هناك تقصير من طرف الحزب الأمر الذي أصبح معه الشعب، أو جزء كبير منه غير مرتاح لتجربة حزب العدالة والتنمية؟
~ كيف يجب أن نقرأ هذا الواقع؟ وكيف يحافظ الحزب على مكانته في قلوب المواطنين ويسترجع توهجه ومكانته السياسية ؟

إن الجواب عن هذه التساؤلات لن يكون خاصا بالتجربة المغربية فقط، بل سينسحب على كل الوطن العربي الذي عاش تجربة الثورات العربية الأولى، جزء من هذه الثورات لم يكتمل مثل سوريا، وجزء منه ما يزال يعاني الصمود مثل ليبيا واليمن، وجزء من وقعت فيه ثورة مضادة والعودة إلى نقطة الصفر وهي دولة مصر، وحزء يتهدده التراجع الكارثي مثل تونس والمغرب.
والقاسم المشترك بين كل هذه الدول العربية هي الرغبة في الخروج من واقع التخلف واسترجاع الحرية والكرامة الإنسانية، وتحقيق تنمية حقيقية وعدالة اجتماعية، مع القضاء على كل أشكال الفساد والاستبداد، والتحرر الكلي من التبعية للغرب.. هذه كلها قواسم مشترك توحد الشعوب العربية من أجل الوصول إلى تلك الأهداف.. وبالتالي هناك رؤية واحدة ترتكز على عناصر مشتركة تشكل بداية الانطلاق نحو الهدف الشعبي المشترك، وفي بعض تفاصيل ذلك يمكن استحضار خصوصية كل قطر عربي ومراحل وأشكال تحقيق التغيير المنشود.

( يتبع في الجزء الثاني ) :
كيف تكون الثورة على الشعب السؤال الثوري

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد