حرب الأفيون لن تحصل
المصطفى المعتصم
طرحت بالأمس سؤالين بناءا على فقرة مما صدر عن إجتماع الدول الغنية السبعة، أشكر كل من شارك في النقاش وأقول أنهم كانوا متميزون بالرغم من اختلافاتهم . والاختلاف يغني ويساهم في تطوير الفهم والوعي، فاختلافنا رحمة وليس صراع وجود بالمعنى الذي يريده بعض الغوغاء والدجالين، أي أن وجودي يلغي وجود الآخر . اختلافنا وجد كي ندبره بشكل حضاري “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ” هود(118).
أقدم وجهة نظري بكل النسبية المطلوبة وأقول : أوروبا قلقة ، ووجلة ، كان هذا الأمر قبل الكورونا وازداد مع الكورونا . وأكيد سيزداد بعد الكورونا . أوروبا قلقة لأنها تشاهد أمريكا بالرغم من استمرار تقدمها التكنولوجي لكنه تقدم يفقد السرعة إمام التقدم التكنولوجي الصني ( G5).
أوروبا تتبع بقلق الحرب الباردة بين أمريكا والصين في بحر الصين حيث بدأت الصين تفرض نفوذها ووجودها ولا تتردد في تهديد البحرية الأمريكية فخر الجيش الأمريكي . نعم هناك مقدمات حرب قادمة يتخوف منها الغرب . فهو يعرف جيدا أن قيام إمبراطورية لا يكون إلى بنهاية أخرى .
أورويا تعرف أن مشكل أمريكا داخلي قبل أن يكون خارجي وتخشى أن تكون نهاية إمبراطوريتها كما انتهت روما بعد أن حكمها حمقى لم يكونوا أسوأ من ريغن وبوش الإبن والأب وترامب . أوروبا تخشى على أمريكا من انفجار داخلي implosion .
أوروبا تعرف قيمة أمريكا التي لولاها لبقيت ترزح تحت حكم النازيين أو الشيوعيين الروس وتعرف أن جزءا كبيرا من رفاهها وقوة اقتصادها يعود إلى مشروع مارشال والحماية الأمريكية التي تكلفت باحتواء الخطر الشيوعي في ما ركزت أوروبا الغربية جهودها على الاقتصاد ، كما لعبت ولا تزال السوق الأمريكية دورا كبيرا في تصريف منتجاتها .
أوروبا غير مطمئنة إلى الدور الذي تطلع إليه الصين وغير مطمئنة لمشروع الصين العملاق : طريق واحد(طريق أو طرق الحرير الجديدة ) ، حزام واحد ( عقد الجواهر) ONE ROAD , ONE BELT.
أوروبا وجلت من نجاح الصينيين والروس ودول من آسيا ومعهم إيران وتركيا وباكستان وكازاخستان في بناء الأوراسيا الكبرى . ويعرف الأوروبيون أن مشروع الأوراسيا سيكون مقابل للأطلسية أو الأطلنطية . يقول ألكسندر دوغين أحد منظري الأوراسية اليوم ومستشار الرئيس بوتين ولنقل أبوه الروحي أن روسيا والصين ودول آسيا الوسطى والغرب الأسيوي- بقيمهم وثقافتهم- يمثلون القارية continentalité كما كانت الامبراطورية رومانية أو الإمبراطورية الماغولية تمثل القارية. وأمريكا والغرب بحداتثه ونيولبراليته الجشعة والاستعمارية يمثلون الأطلسية كما كان الفنيقيون والقرطاجنيون يمثلون الأطلسية . الصراع حتمي ويجب أن تنتصر القارية لمصلحة الإنسانية . أوروبا تخشى من الأوراسية وتعرف إن العالم بصدد تحويل قبلته من الغرب نحو الشرق وهي تتخوف من المستقبل وينعكس هذا التخوف ترددا في قراراتها خصوصا في الأحداث الدولية . ولا يمكن لمجموعة كالاتحاد الأوروبي الغني والقوي إقتصاديا أن يلعب أدوارا طلائعية في العالم إذا بقيت سياساتها الخارجية واتجاه مجريات الأمور في العالم مترددة مرتبكة .
أوروبا تحاول ما استطاعة دعم الموقف العالمي لأمريكا ولو باتخاذ قرارات مثل القرار الذي مس منظمة الصحة العالمية ، لأن هذه المنظمة في نهاية المطاف حائط قصير ، القفز عليه أسهل وأهون من رؤية أمريكا تتخبط لوحدها بعد قرارات رئيس معتوه . نوع من انصر أخاك ظالما أو مظلوما.
ستقولون وماذا عن اليابان ، أجيب اليابان كان من أكبر المستفيذين من أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية ، ليس فقط في إعادة بناء ما دمرته الحرب وليس فقط في تقوية الدور الياباني والاقتصاد الياباني لاحتواء “صين ماو” و “روسيا ستالين” وتقديم اليابان لدول شرق آسيا كنموذج لنجاح الخيار الرأسمالي وتفوقه على الشيوعية تكنولوجيا واقتصاديا ، اليابان استفاذ من الردع النووي الأمريكي والتواجد العسكري الأمريكي ليركز على زيادة سرعة تفوقه التكنولوجي وليحول الجزأ الذي كان من المفروض تخصيصه من الميزانية للمجهود الحربي للمجالات المدنية . اليابان يربح ، نعم أقول يربح الوقت وأنا أعي ما أقول لهذا لا يريد التفريط الآن في أمريكا ولكنه في نفس الوقت يمد اليد للصين ولكل دول آسيا للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي وهو بصدد التحول من جديد لقوة عسكرية ضاربة و هو اليوم قوة نووية محتملة .
في القرن التاسع عشر لبس قراصنة وقطاع طريق بريطانيين وفرنسيين لباس التجار ، لم يكونوا يتوفرون على المال لشراء السلع الصينية ففرضوا بالقوة والحرب بأن تسمح الحكومة الصينية المتاجرة بالأفيون وبمداخله يشترون السلع الصينية …سُميت تلك الحرب بحرب الأفيون ..حرب الأفيون لن تقع اليوم لأن الصين وبكل بساطة قوة عظمى يعتمد أمنها على شعبها الكادح و قوة اقتصادها وقوة جيشها وسلاحها النووي.