الرائدة في صحافة الموبايل

كوكب الأرض يستعيد توازنه الإيكولوجي وسنعيش عصر “إنسان ما بعد الجائحة”

بقلم عبدالعالي الطاهري الإدريسي

من حكمة الباري تعالى أن جعل السُنن الكونية تحمل بين طيَّات كل نعمةٍ نقمة وفي ثنايا كل محنة منحة،وفي هذا نجد أنفسنا أمام سؤال عميق يلامس نقطة ذات أهمية كبرى ومفصلية،هل من حسناتٍ لجائحة “كوفيد 19″؟! والقول المُجيب هو: متى كان لجائحةٍ من مظهرٍ إيجابيٍّ فأحرى أن يكون لها من حسنات..؟!!

قد تستغربون طبيعة السؤال قبل مضمونه،والمعلوم أن هذا الفيروس اللعين قد أخذ أعزاء لنا وأحباء الكثير منا،وأعني في وطننا العزيز وفي العديد من البلدان الصديقة والشقيقة،وأربك الاقتصاد العالمي،بل وغيَّر كل تفاصيل وترتيبات معيشنا اليومي،لكن وهنا عُمق الحكمة الربانية،لقد استعاد كوكب الأرض توازنه الإيكولوجي مع جائحة كورونا،فهاهي السفن وقد رست في الموانئ دون حركة أو حراك،وهاهي الطائرات رابضة في مدرجات المطارات،لا إقلاع ولا هبوط،وها هي أغلب المعامل وكبريات المصانع العالمية في أعظم دول العالم كالولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، التي كانت تساهم سلباً بأكبر النسب في تلوث كوكب الأرض،وقد أعلنت عن إغلاقها ومن ثمة توقفت أدخنتها ومعها تلويثها الكارثي الذي أتى على الشجر والماء والهواء والبشر،ورغم كل الاتفاقيات والبروتوكولات ومؤتمرات “ال”Cop” للتغيرات المناخية،ظل الوضع يزداد سوءا يوماً بعد يوم،خاصة بالدول ذات الإمكانيات والموارد المحدودة لمواجهة تبعات التلوث البيئي ومعه تبعات وعواقب التغيرات المناخية،لتأتي جائحة فيروس كورونا بإيجابية واحدة وكبرى وبدلالات ورسائل عميقة،أولها وأهمها: كوكب الأرض يستعيد توازنه الإيكولوجي وجزءا كبيرا من طبيعته الكونية.

الأكيد أننا نتضرع للباري تعالى أن يرفع عنا وعن البشرية جمعاء هذا البلاء والابتلاء،طبعا مع الاستمرار في الأخذ بالأسباب،المتمثلة أولا في الالتزام بالحجر الصحي وبالتعليمات الحكومية في هذا السياق وكذا تقديم المزيد من التضحيات وتظافر الجهود بين جميع المكونات المجتمعية،لكن يجب أن نأخذ العِبر من هذه المحنة،أولا بالحفاظ على كوكبنا،خاصة على المستوى الإيكولوجي،وثانيا الاقتناع التام أن الإنسان هو الداء والدواء فوق الكوكب الأزرق٬وهو الرأسمال الأساس والمفصلي في مواجهة جميع المِحن والتحديات التي قد تصادف الجنس البشري،وليست الجيوش الضخمة والأسلحة المتطورة ولا حتى كبرى البورصات العالمية التي لطالما تحكَّمت في الاقتصاد العالمي وبدرجة أكبر في لقمة عيش ومصير الدول الفقيرة.

الأكيد أن الحياة البشرية ما بعد جائحة “كوفيد 19” لن تكون هي نفسها ما قبل ظهور الفيروس،على جميع المستويات والأصعدة،خاصة على مستوى التوازنات الاقتصادية وكذا طبيعة العلاقات الدولية،مايعني إعادة ترتيب تموضع الدول التي ظلَّت٬حتى الأمس القريب٬ مُتحكِّمة في رسم وضبط الخريطة العالمية.

وتبقى أكبر التأثيرات العميقة المتوقعة مابعد مرحلة فيروس كورونا،هو التغيير الجذري الذي سوف يقع على طبيعة السلوك البشري ، ارتباطا بالخصوص برؤية الإنسان لمفاهيم التخطيط والبرمجة المستقبلية والاعتقاد الراسخ بأن الإنسان يملك زمام أمره ومصيره بما اكتسب وراكم من علمٍ ومعرفة وأدوات تدبير حياتية . والحال أن جائحة ” كوفيد 19 ” أتَتْ على أخضر زرع هذه الرؤى ويابسها،ليقف الإنسان على حقيقة عجزه وقلة حيلته أمام أقدار لا تعترف بما أعدَّ وخطَّطَ ودبَّرَ الجنس البشري،من منطلق “عقيدة التفوق العلمي والمعرفي”،والحقيقة القطعية أن الإنسان،ومهما امتلك وبَلغَ من مبالغ و مقاصد القوة والسلطة والجاه..ماهو إلا مفعول به يتوهَّم إدراك صفة أو موقع الفاعل..!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد