الرائدة في صحافة الموبايل

مراجعات الإسلاميين الجهاديين بالمغرب (الحلقة الأولى)

نورالدين الحاتمي

على غرار باقي دول العالم، عرف المغرب نموذجا متشددا من الإسلام ، وشهد نمطا صلبا من التدين، تمثل فيما اصطلح عليه بالسلفية الجهادية وهو النموذج، الذي يعود الفضل في التعريف والتبشير به ـ حسب الافغان المغاربة – حيث يقولون أنهم، هم الذين نقلوه إلى المغرب بعد أن تعرفوا عليه، في بيشاور وافغانستان.

وعلى غرار باقي دول العالم، سيتعامل النظام المغربي مع هذا الأمر[الوافد الثقافي غير المرغوب فيه] وفق مقاربته الأمنية الضاربة، وسيعمد إلى تصفيته عبر هذه المقاربة ومن خلالها، أي المقاربة الأمنية، وسيزج بهذا التيار في السجن وسيدان الفاعلون فيه، بالمدد السجنية الطويلة، والطويلة جدا، وسيضربه بالقسوة الشديدة .

وكما في باقي الدول العربية والإسلامية، التي عرفت هذه الظاهرة، سيعمد جمع من الإسلاميين المغاربة ـ المنتسبين إلى هذا المنهج ـ إلى القيام بمراجعات شاملة لمنظوماتهم الفقهية والعقدية والفكرية، التي كانوا قد تبنوها وجعلوها مصادر رؤاهم ومرجعياتهم.

إن تجارب الإسلاميين في المغرب نماذج مستنسخة من أصولها في مصر والشرق الأوسط، وربما كان الفرق الوحيد بينهما أن التيار الجهادي في مصر أصيل انبثق فيها نتيجة سياقات وشروط اجتماعية وسياسية محلية، في حين أن التيار المغربي تأسس في المغرب كتقليد للنموذج الأصيل، وكتشبه به. فما الذي حمل المغاربة على تبني هذا الفكر الأصولي المتشدد؟ وما الذي حملهم أيضا على الخروج عليه والتبرؤ منه؟ هل كان تبرؤهم من هذا الفكر تبرؤا صادقا؟ وهل هو نتيجة نضج وتطور فكريين كما يدعي تصحابها؟ وبين هذا وذاك كيف كانت نخبة التيار السلفي الجهادي في المغرب تنظر إلى المراجعات التي كانت قد صدرت وتصدر عن أساتذتهم في مصر؟ وهل النخبة المثقفة عند هذا التيارـ في المغرب ـ مثقفة بما يكفي للإسهام في التأصيل لهذا الفكر أو القيام بمراجعاته؟

مقدمات لا بد منها

يقول غير واحد من المغاربة الأفغان، إنهم من يقف وراء التعريف بالمنهج السلفي الجهادي والتبشير به، فقد تعرفوا عليه من خلال احتكاكهم بأعلام ورموز التجربة الجهادية المصرية، في المعسكرات الأفغانية، وتلقيهم عنهم و تتلمذهم عليهم. صحيح أنهم لم يدعوا إليه، كمذهب مكتمل الأركان وواضح المعالم، إلا أنهم هم الذين وضعوا حجره الأساس ولبنته الأولى. وأن المنهج هذا، لم تتبد صورته ولم تلح ـ كما هي اليوم ـ إلا بعد أن تعرف المغاربة على كتابات أبي قتادة الفلسطيني وأبي بصير الطرطوسي وسيد إمام الشريف و… وأشرطتهم التي كان يتم تداولها بقدر من السرية والتكتم. دور الشيوخ المغاربة في صياغة المنهج والتأطير به كي يصبح الرجل شيخا” في السلفية الجهادية”لا يلزمه الكثير، يلزمه، فقط أن يكون على قدر من فصاحة اللسان وأن يطلع ويستوعب الأدلة، التي يعتمد عليها التيار، في الموقف من الدولة والحكم عليها ككيان طاغوتي، يجب الكفر به والدعوة والعمل على الإطاحة به وإسقاطه، واستظهار مجموعة من النصوص الدينية المتعلقة بالولاء والبراء، واعتبار الجماعات والطوائف العاملة للإسلام جماعات بدعية ومنحرفة، يجب البراءة منها، وتكفيرها في حالات. وتتبع أخبار الجهاد وممارسيه والإعلان عن موالاتهم والبراءة من خصومهم وأعدائهم.

هذا الكلام، رغم الإطالة لابد منه للخلوص، إلى أن النخبة في هذا التيار لم تكن مثقفة، في الغالب ،إلا في هذه القضايا. ولم يكونوا يحسنون القول والكلام إلا في هذه القضايا بالذات. وأنه كان، فيهم، من إذا سحب إلى خارج هذه القضايا، انكشف جهله وافتضح أمره. والقضايا، التي كانوا يزايدون عليها، لم يكونوا يعرفون فيها، وعنها، إلا بقدر ما يطلعون عليه، مما يتوصلون به، من إنتاجات المشارقة وكتاباتهم، وهم لا يختلفون في إدراك هذا المنهج والوعي به، عن الذين يقرأون ويتابعون نفس المراجع من عدد من الشباب، وإنما تفوقوا عليهم بما نالوا من الحظ في اعتلاء المنابر وإلقاء الخطب على الناس، مما مكنهم من الاشتهار، و كان مما يكرس هذا التفوق، أن الكتب التي كان يتم إدخالها إلى المغرب، شارحة للمنهج ومؤصلة له، كانت تحمل إليهم قبل غيرهم ،مما يمنحهم فرصة التعالي على الناس والمزايدة عليهم.

إذن، لم يكن هؤلاء نخبة مثقفة كما يروج البعض، ولم يكونوا شيوخا علماء كما يدعون، وإنما كانوا ـ في واقع الأمرـ أناسا، لعب الحظ معهم،وتهيأت لهم فرص صعدت بها أسهمهم وتضخمت بها حساباتهم، حتى جعلت منهم الدولة مخاطبين، وسلطت عليهم الكثير من الضوء. هل كان هؤلاء شيوخا جهاديين؟ من استفاد من الآخر؟ الشيوخ أم السلفية؟ لقد كانت بداية كل واحد، ممن أصبحوا شيوخا، إعلان الحرب على شهير، طمعا في الاستفادة من شهرته. إذ الراد على الشهير ادعى أن يجعل الراد مشهورا بشهرة المردود عليه.

وهكذا لم يعرف المهتمون بالشأن الإسلامي محمد الفزازي إلا من خلال كتابه “رسالة الاسلام الى مرشد جماعة العدل والإحسان” ولم يتعرفوا على عمر الحدوشي إلا من خلال كتابه “الجهل والإجرام في حزب العدل والاحسان”، ولم يتعرفوا على عبد الكريم الشاذلي إلا من خلال كتيباته، التي أوقفها على الرد عن المرجئة العصر والذب عن معتقد أهل السنة. لقد أدرك هؤلاء،أنه لا سبيل إلى الاشتهار، إلا عن طريق مخالفة السائد والخروج عليه، بل والعمل على أبطاله .وبما أن السائد، كان هو التصوف والإسلام السياسي ممثلا في جماعة العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح والسلفية التقليدية والعلمية، فإنه لم يكن ممكنا للرد على هؤلاء والتصدي لهم وتفنيد أفكارهم، للفت الانتباه والانظار، إلا تبني هذا النموذج البكر وهذه المنظومة العذراء ، والتوسل بأسلحتها المفهومية والنظرية.

ومما ساهم في تبني هؤلاء لهذا المثال الإديولوجي، ما كان تحقق له من الزخم والوهج على يد مؤسسيه ورجالاته، وبفعل الأعمال الخطيرة التي وقعوها، وبفعل المغامرات التي أقدموا عليها، حتى هيمنوا على المشهد الإعلامي العالمي، فأصبح لهم حضور قوي في الخطاب السياسي والأمني على مستوى الدول. تريد الورقة القول، أن الشيوخ المنتسبين إلى التيار، لم يكونوا جهاديين بمعنى جهاديين، أي عقائديين .

لقد كانوا يوظفون هذا المنهج لصالحهم، وبما يلائم تطلعاتهم ورهاناتهم عليه، ويبدو ذلك من خلال ما يستقى من كتابات محمد عبد الوهاب رفيقي في “مراجعات لا تراجعات ” التي كان يكتبها لليوم أربعة وعشرين، حيث قال أن أحد الشيوخ نصحه أن لا يفتي إلا بما تريده الناس، وليس وفق ما يؤمن به أو يعتقده،حتى لا ينفض الناس عنهم الحلقة 17بتاريخ11 07 2015 وذكر في ذات الحلقة، أنه نفسه كان يخفي قناعاته، كموقفه من تارك الصلاة الذي لم يكن يختلف عن موقف جمهور العلماء، اي التوقف عن تكفيره. لقد كانت السلفية الجهادية بناء من اختيارات فقهية متشددة ومتصلبة، وقع الاختيار عليها من قبل نخبة الإسلاميين، في كل من مصر والشرق الأوسط .وليس للمغاربة أي فضل أو دور في التأصيل والتقعيد لها، وإنما سعوا إلى الركوب على (أمجاد) بنائها ورجالها. لا سيما إذا وضعنا بعين الاعتبار أن السلفية الجهادية تنمرت وخرجت عن السيطرة ولم يعد سهلا التحكم فيها ولا التنبؤ بأفعال وردود أفعال المؤمنين المنتسبين إليها. سيكون هذا الكلام ضروريا ،لأنه سيشرح سرعة تحول هؤلاء الشيوخ عن هذا المنهج وانسلاخهم منه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد