الرائدة في صحافة الموبايل

إلى الذين يريدون إشعال الحروب الدينية من جديد

الصادق العثماني

دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فاتحا منتصرا وهو مطأطئ الرأس تواضعا لله تعالى؛ ففتح مكة مليء بالدروس والعبر التى يجب على المسلمين الاستفادة منها وعلى رأسها فضل التسامح والعفو عند المقدرة، قال صلى الله عليه وسلم لأهل مكة بعد أن تمكن منهم: “ما تظنون أنى فاعل بكم ، قالوا : خيرا ، أخ كريم ، وابن أخ كريم ، فقال صلى الله عليه وسلم قولته المشهورة : “أذهبوا فأنتم الطلقاء” ، وهو ما يجسد قيمة التسامح فى أسمى معانيها، فهذا الموقف لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو موقف عظيم من أعظم مواقف الإنسانية، علما أن هؤلاء هم من آذوا النبى صلى الله عليه وسلم وأخرجوه من بيته ووطنه، ومع ذلك عفا عنهم وتسامح معهم، حرصًا منه صلى الله عليه وسلم على دخول مكة بلا قتال ولا سفك دماء، لأن دين الإسلام يحاول بقيمه العظيمة مسح جذور التباغض والشحناء، كما يمسح بماء التسامح والتعايش والرحمة والمحبة جميع الشرور والكراهية؛ بغية الوصول بالإنسانية إلى عالم يذخر بالأمن والأمان والسلم والسلام، أما حرية التفكير والرأي والاعتقاد فهي موكولة لكل فرد في أن يعتنق ما يشاء وحساب الخلائق والعباد على رب العباد، وتلك سمة كبرى من سمات هذا الدين في أنه يقيم جسور التواصل بطريقة متفردة ليحقق أسمى معاني التسامح الديني، لذا يزرع الإسلام في عقول أتباعه ركيزة هامة من ركائز الفهم لهذا الدين، وهي أن الأديان السماوية كلها تستقي من معين واحد يقول سبحانه: “شرع لكم من الدين ما وصىّ به نوحاً، والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه..” فمصدر الوحي إذن واحد، ولهذا وجب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل الذين أنعم الله عليهم بالنبوة والرسالة، فالمسلم الحقيقي -لا المزيف- يحمل الاحترام والحب الذي ليس له حدود لجميع أنبياء الله ورسله، ذلك الإحساس الرائع الذي لم تشاركنا فيه ملة أخرى، وذلك بوحي من مبادئ الإسلام ونبي الإسلام القائل: “أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة” قالوا: كيف يا رسول الله قال “الأنبياء إخوة من علات وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد، فليس بيننا نبي” . كما يمنع الإسلام أتباعه من إكراه أحد على عقيدة الإسلام، بحيث يمنح لكل إنسان مطلق الحرية في اعتناق ما يشاء بعد أن يمتلئ قلبه بالرضى والقبول لهذه العقيدة قال الله تعالى: “لا إكراه في الدين..” وقال تعالى: “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” ولا شكّ أنّ الله تعالى قد أمدّ الإنسان بآلات الإدراك والفهم والتخيير كما قال عز وجل “ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين” فللإنسان أن يفكر وأن يستقصي ثمّ يتخير طريقه بعد هذا، وما على أتباع الإسلام ودعاته إلا البلاغ والإعلام فقط، وفي هذا السياق وضع الإسلام آداب الحوار مع المخالفين من أهل الكتاب أو غيرهم وحث أتباعه؛ بل أمرهم على عدم الاصطدام معهم، وأن يكون الحوار إيجابيا على سبيل التعاون المحمود على الخير بالإقناع غير المغرض بلا تدافع ولا تضاد، هكذا أمرنا الله تعالى حين يقول: “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون” فقد جلس النبي الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، في محاورات تدور بين الطول والقصر مع أخلاط المخالفين للإسلام، وكانت مجادلته لهم تفيض بالسماحة والتوادد، ومن تأمل توجيهات القرآن الكريم في شأن التجادل في المسائل الاعتقادية مع غير المسلمين لوجد أنها ترسخ في نفس المسلم أعمق معاني التسامح الديني عامة، وذلك كما ورد في سورة “الكافرون” إذ الحوار فيها يبدأ بمحاولة الإقناع العقلي وبيان وجهة النظر التي لا تتغير، فإذا انتهى الحوار دون قبول من الآخر فلترفع جلسة النقاش على ودّ وسلام وبيان مطلق الحرية في استبقاء كل فريق على اعتقاده “لكم دينكم ولي دين” . وحرصاً على إدامة جوّ التآلف والاحترام المتبادل مع كافة الأطراف المخالفة فقد أمر الإسلام أتباعه باجتناب السبّ والمهاترة والتجريح في مجادلاتهم والسخرية من معتقداتهم، وذلك سدّا لأي منفذ يفتح أبواب الشقاق والصراع وحرصا على دوام العلاقات المتوازنة مع الآخرين؛ بل ويعلمنا الإسلام غض الطرف عن ما يبدو من المخالفين لنا في الاعتقاد حتى وإن أبدوا الإساءة لنا قال الله تعالى: “قل للذين آمنوا أن يغفروا للذين لا يرجون أيام الله” . ولعل الصورة قد بدت عن قرب ووضوح بأن التسامح الإسلامي في مجال الاعتقاد أمر قد حسم أمره في ديننا ولا مجال للمراوغة والتحريف من بعض المتطرفين ( من أي دين كان) الذين يحاولون إشعال الحروب الدينية من جديد، بعدما دفناها إلى الأبد بحول الله تعالى .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد