كتبنا لنجد السلوى؛ فلسنا باعة هوى
كتبها عبد الرحيم الفارسي- مراسل سكاي نيوز
كنت أشاهد سلسلة وثائقية حول جهاز (الموساد) الإسرائيلي، تحاول فك بعض ألغاز هذه الوكالة التي يلفها الكثير من الأساطير والأوهام التي قد تكون حقيقية وقد تكون من باب التخييل.
من بين ضيوف هذه السلسلة ضابط سابق عمل كمراسل صحفي أجنبي في سودان منتصف الثمانينيات من القرن العشرين. كان جزءا من شبكة إسرائيلية دخلت متفرقة إلى السودان تحت هويات ومهام مختلفة، لكن؛ تجمعها خطة محكمة في تنظيم عمليات تهريب اليهود الفلاشا الاثيوبيين، عبر البحر الأحمر نحو إسرائيل.
خلال افادته قال الضابط الذي عمل صحفيا أنهم كانوا في جهاز الموساد ينظرون إلى الصحافيين كما لو كانوا “بائعات هوى”.
رنت هذه الصفة في ذهني، والحقيقة آلمني ما سمعت على لسانه. عدا أنها مهنة المتاعب، ومن نوائب العصر أنها صارت مهنة من لا مهنة له، ولمن هب ودب. فلم يعد ينفع سمو دبلوم أو سعة ثقافة أو عمق خبرة…فيمكن للمبتدئ والفاشل و الدجال أن يخطف الأضواء بسرعة، ويتسلق سلاليم المجد في لمح البصر… ينضاف لكل ذلك صفة باعة الهوى.
ولهول ما سمعت؛ قمت بفلاش باك واسترجعت كثيرا من المشاهد بالسلسلة الوثائقية، وحاولت ربط التصريحات ببعضها. لأخلص لشئء ما خلصت إليه، فكلمة “بائعات الهوى” شوشت كل تركيز ممكن.
قضيت ليلة تسممت فيها أفكاري، إلى أن شقشق الصبح، فغادرت فراشا لم أنعم فيه بالراحة وقصدت جهاز التلفزيون لمشاهدة البرنامجين الإخباريين (Sophy Ridge on Sunday) على قناة سكاي نيوز، ثم (The Andrew Marr Show) على قناة BBC1. تناول البرنامجان ضمن فقراتهما قرار صحيفة (The Mail on Sunday) رفع التحدي أمام الشرطة البريطانية. كيف؟
قبل أيام أصدر جهاز الشرطة البريطانية تهديدا بفتح تحقيق جنائي مع أي صحفي ينشر فحوى ما سرب من برقيات سرية حررها سفير بريطانيا في واشنطن السير نايجل كيم داروك، وتتضمن انتقادات شديدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
والتي ما إن نُشِرمقتطف منها؛ حتى أصيب ترامب بنوبة غضب شديدة، وأمر بمقاطعة السفير وطالب باستبداله. كما لم يتأخر رد فعل السير داروك فأعلن استقالته من منصبه.
كانت هناك ردود فعل متفاوتة بين الأوساط السياسية البريطانية، ففي أحد البرامج الحوارية سُئِل بوريس جونسون -الذي يتنافس على زعامة حزب المحافظين وبالتالي منصب رئيس الوزراء-؛ فقال كلاما فهم منه أنه يساند ترامب، فثارت ثائرة الأوساط السياسية والدبلوماسية والإعلامية، ووصفته بعض عناوين الصحف بالخائن. طرح السؤال ذاته على جيريمي هانت الذي ينازع جونسون على الزعامة ورئاسة الوزارة، فأعرب عن دعمه المطلق لسفير بلاده.
السؤال هنا: من سرب تلك البرقيات السرية؟
لقد شعرت الأوساط الصحفية في بريطانيا بأنها غير معنية بالإجابة على هذا السؤال، لكن المراقبين تداولوا سؤالا آخر: هل ستخاف الصحافة والصحافيون من تهديدات جهاز الشرطة؟
في العادة تكون أعداد يوم الأحد من الصحف البريطانية المكتوبة حافلة بمواد دسمة، تزاوج بين التحقيقات المثيرة، والحوارات الحصرية مع شخصيات فاعلة في مجالات عدة، ومقالات الرأي العاصفة. ويومها لم تحد (الميل أو صنداي) عن هذا النهج، فنشرت مزيدا من المذكرات السرية للسفير المستقيل، وكأنها بذلك تقول لجهاز الأمن “اختر أعلى ما في خيلك واركبه!”.
في أوساط “بيع الهوى” والاتجار في كل شيء؛ يمكن أن نتوقع انفضاض القوم من حول الجريدة وناشر البرقيات، لكن حين يتعلق الأمر ببلد فيه الكثير من المؤمنين الصادقين في ايمانهم بحرية التعبير وحرية الإعلام، كان رد الفعل صارما. حيث بادر صحفيون بمطاردة جيريمي هانت؛ المسؤول الأول عن وزارة الخارجية التي سُرِّبَت وثائقها السرية، فأكد وقوفه بجانب الصحيفة والصحافيين، غير مبال بتهديدات الشرطة.
أماأندرو مار في برنامجه وزيرة العمل والمعاشات، أمبر راد، فردت بأنها تقف مع حرية الصحافة، معتبرة أن المشكل لا يتعلق بالنشر؛ بل بالتسريب، وانتقدت أمبر راد (التي كانت من قبل وزيرة للداخلية)رفض الوقوف بجانب السفير بوريس جونسون الذي قد يصبح رئيس وزراء، وقد يقصيها من تشكيلة الحكومة خلال الأيام العشرة المقبلة. فقد لا يهما المنصب بقدر ما تهمها المكاسب الديمقراطية: حرية التعبير والصحافة وتداول المعلومة.
وقفت للحظة مع نفسي وتذكرت صفة “باعة الهوى”، و تساءلت: هل يشعر من قرر نشر المذكرات السرية بأنه بائع هوى أو مومس؟
كلا، إنهم أناس يحفظون قوانين النشر عن ظهر قلب. ويعرفون أنهم قد “يُجرجَرون” أمام القضاء. وقد يفقدون المال والمكانة، لكنهم لن يضيعوا ما سالت لنيله الدماء، ولأجله شابت رؤوس خلف القضبان، فهؤلاء صحافيون وكتاب رأي لا بائعوا هوى من أمثال أندرو مار وجون بولتون وجيريمي باكسمان وكريستيان..،الذين يقف الساسة و رجال المال والقرار لهم وقفة إجلال…
لعلي بما سطرت أكون قد اوقفت نزيفا تسبب فيه تصريح ضابط إسرائيلي و وجدت فيما كتبت السلوى؛ فلسنا باعة هوى…