كلمة وهبي خلال فعاليات المؤتمر الوطني لمنظمة نساء الأصالة والمعاصرة
ألقى السيد سمير كودارنيابة عن السيد عبد اللطيف وهبي، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، كلمة بمناسبة المؤتمر الوطني لمنظمة نساء الأصالة والمعاصرة تحت شعار: ” التمكين الشامل للمرأة أساس التنمية والمساواة ” ، يوم أمس الجمعة ، الموافق ل19 ماي 2023، ببوزنيقة.
وهذا نص الكلمة كما توصل بها موقع دنا بريس:
“بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
السيدة رئيسة المجلس الوطني المحترمة.
السيدات والسادة أعضاء المكتب السياسي المحترمون.
السيدات والسادة البرلمانيون المحترمون.
ضيوفنا الكرام.
مناضلاتنا الرائعات.
كم تمنيت الحضور معكم في هذا اللقاء النضالي المتميز والنوعي، بعدما أعددنا جماعيا كل شروط إنجاحه؛ إلا أن مشيئة الله تعالى كانت أقوى، حيث ألمت بي -كما في علمكم جميعا- وعكة صحية طارئة، غيبتني ذاتيا عن الحضور معكم، وتيقنوا أن قلبي وفكري وكل جوارحي معكم، وسأظل أتابع لقائكم الجميل هذا، حتى ينجح ويحقق كامل التطلعات والآمال المعقودة عليه، إذ نعتبر محطة المؤتمر هته مجرد لحظة لوضع قاطرة منظمة نساء الأصالة والمعاصرة على سكة النضال الطويل والشاق، لتحقيق الكرامة المنشودة للمرأة المغربية، والوفاء بحقوقها المشروعة، وإعطائها مكانتها الرفيعة التي ما فتئ صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله ونصره يشدد عليها، آخرها ما ورد في خطاب الذكرى الثالثة والعشرين لعيد العرش، حيث قال نصره الله: ((وقد حرصنا منذ اعتلائنا العرش، على النهوض بوضعية المرأة، وفسح آفاق الارتقاء أمامها، وإعطائها المكانة التي تستحقها، ومن أهم الإصلاحات التي قمنا بها، إصدار مدونة الأسرة، واعتماد دستور 2011، الذي يكرس المساواة بين المرأة والرجل، في الحقوق والواجبات، وينص على مبدأ المناصفة، كهدف تسعى الدولة إلى تحقيقه، فالأمر هنا، لا يتعلق بمنح المرأة امتيازات مجانية؛ وإنما بإعطائها حقوقها القانونية والشرعية. وفي مغرب اليوم، لا يمكن أن تحرم المرأة من حقوقها)). .انتهى كلام جلالة الملك.
الأخوات المناضلات الإخوة المناضلون.
يأتي انعقاد مؤتمرنا هذا في ظرفية دقيقة من تاريخ بلادنا، حيث تواجه بلادنا تحديات اقتصادية وسياسية واجتماعية كبرى، نتيجة إكراهات جيوستراتيجية خارجية، وأخرى وبائية ومناخية غير مسبوقة، بسبب سنتين من الجفاف، أنتج اختلالات في سلاسل الإنتاج، وارتفاع في أثمنة المواد الأساسية، إضافة إلى إكراهات ارتفاع أسعار المواد الطاقية، وعودة حدة التضخم إلى الواجهة، وتراجع كبير إن لم نقل انهيارا واسعا وسط أنشطة بعض القطاعات الاقتصادية؛ كل ذلك انعكس بشكل سلبي على الأوضاع الاجتماعية ببلادنا.
وعليه، فنحن واعون بأن الكثير من مواطنينا يعانون جراء هذه الأوضاع المستجدة، كما لنا اليقين التام أن المرأة المغربية ستكون هي الضحية الأكبر في ظروف الأزمة هاته، وهي التي ستعاني أكثر، فالنساء المغربيات دائما يدفعن الفاتورة أكثر خلال الأزمات الاجتماعية، كما حصل مثلا خلال أزمة جائحة “كورونا” الأخيرة، حيث بينت الكثير من الدراسات أن النساء أكثر فئة خسرت وظائفها، كما أكدت إحصائيات للمندوبية السامية للتخطيط بأن المرأة المغربية فقدت حوالي 200 ألف منصب شغل في الفصل الأول فقط من سنة 2020، و زادت هشاشة وضعيتها في سوق الشغل بصورة كبيرة خلال نفس السنة؛ والمفارقة الغريبة هي أن الرجال الذين كانوا أقل خسارة لفرص الشغل بالمقارنة مع المرأة، كانوا أكثر استفادة من صندوق الدعم الاجتماعي الذي خصصته الحكومة خلال فثرة كورونا مقارنة مع المرأة التي زادت أعباءها وتكاليفها خلال الجائحة، بل الجزاء الأوفى الذي كان من نصيبها هو الارتفاع المهول في نسبة العنف المنزلي.
لذلك نحن في حزب الأصالة والمعاصرة واعون جدا، أنه بالرغم مما حققته المرأة المغربية من تقدم وازدهار، إلا أنها لاتزال تعاني مشاكل واختلالات متراكمة لعقود، تتمظهر في استمرار صور مؤلمة من الإقصاء والتهميش، وعدم التوازن بين أدوارها الاقتصادية والاجتماعية الهامة، وبين مكانتها داخل نسيج التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي، ولن نقف مرة أخرى عند الأرقام الرسمية المخجلة التي تعكس هذا الواقع المر، فقط نجزم بأن الوضع سيتفاقم مع الأزمة الاجتماعية الجديدة، الأمر الذي يتطلب منا جميعا، وزراء وبرلمانيين، منتخبين ومسؤولين في الغرف المهنية، مناضلات ومناضلين، التعبئة والتواصل المكثف، والإسهام الفعال والناجع بكل الوسائل والإمكانيات الممكنة، للتخفيف من حدة الأزمة على الواقع المعاش للمرأة المغربية، والنهوض بأوضاعها عامة.
أيتها المناضلات.
يأتي مؤتمرنا هذا في ظرف دقيق من تاريخ حزبنا، الذي انتقل بعد سنوات من المعارضة إلى مسؤولية تدبير الشأن العام داخل الحكومة، في موقع جديد يفرض علينا تغييرا جدريا في أسلوب تعاطينا مع قضايا المرأة، والانتقال من التشخيص والتنبيه لمكامن الخلل، إلى الانخراط الجاد في تغيير وضعية المرأة، وتغيير القوانين وتنزيل السياسات العمومية الناجعة والقادرة على حلحلة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية للنساء، ومن تم فقيادة حزبكم تتحمل المسؤولية الكاملة مع شركائها الحكوميين في اتخاذ وتنفيذ التدابير والقرارات الممكنة لتغيير وضعية المرأة وعدم الاختباء وراء أية مبررات؛ إذ لم يعد التاريخ والمنطق، ولا حتى الدين و العقل، يقبل المزيد من التطبيع مع مظاهر الإقصاء والتهميش الذي تعيشه المرأة في مختلف المجالات، لاسيما على المستوى الصحي والتعليم والتشغيل والأسرة، أو مع ظواهر زواج القاصر والهدر المدرسي والعنف بكل أشكاله النفسي والمادي والرقمي، و تفشي الأمية والفقر والهشاشة، أو مع الحضور الباهت لها في المجال السياسي والاقتصادي، و غيرها من أشكال التمييز والإقصاء… كفانا من التشخيص والتباكي حول وضعية المرأة المغربية، ولنتحمل مسؤوليتنا الكاملة في ترجمة إرادتنا السياسية الإصلاحية على أرض الواقع، حتى نتمكن فعلا من تحويل المرأة المغربية من قضية للصراع السياسوي إلى شريك أساسي وحقيقي في التنمية، ومدخلا لتحقيق التحولات وتطور المجتمع.
حضرات السيدات والسادة
لاداعي أن نذكر بأن خيار النضال من أجل تغيير وضعية المرأة المغربية كان من الاختيارات المذهبية للحزب منذ التأسيس، باعتباره حزبا حداثيا و منفتحا و مؤمنا بكونية حقوق الإنسان بما فيها قيم المساواة بين الجنسين و التمكين السياسي و الاقتصادي و القانوني للنساء؛ و اليوم نرى أنه لابديل عن ثلاث مداخل لتنزيل المشروع المجتمعي الحداثي والإسهام في تغيير وضعية المرأة المغربية: “إرادة سياسية صادقة، وضوح في مواجهة العقليات البالية، شجاعة في إصلاح التشريعات وإقرار التدابير والإجراءات الناجعة”، وهذه المداخل هي التي تجعل حزبكم داخل الحكومة متطلع جدا لتنزيل مشروعه المجتمعي الحداثي المتفق حوله داخل البرنامج الحكومي، ومؤمن أكثر من أي وقت مضى بأن مغرب الكرامة الذي ننشده لن يتحقق إلا بتمكين وإنصاف المرأة المغربية؛ لذلك أعلنا منذ اليوم الأول وبشكل واضح عن توجهاتنا الإصلاحية الحداثية الديمقراطية داخل الحكومة، وحتى خارجها، وأكدنا على أن توجهاتنا الإصلاحية في مجال حقوق المرأة في جميع أبعادها، لا يمكن أن تتم إلا في إطار الحوار والتشارك، والاحترام التام لاختصاص المؤسسات الدستورية، والالتزام الكامل بمختلف الثوابت الدستورية للمملكة، بما يقوي دفوعاتنا اتجاه العقليات البالية واتجاه التوظيف السياسوي للدين في موضوع المرأة، لذلك سنسعى لتنزيل مشاريعنا الإصلاحية بجرأة وشجاعة، وبما يحفظ للمغرب ريادته وتميزه في المنطقة، فلا يمكن أن نبني دولة عصرية حديثة دون إنصاف حقيقي للمرأة باعتباره واجبا وطنيا لا يتعارض مطلقا من ديننا الحنيف.
الأخوات المناضلات، الإخوة المناضلون.
يأتي تنظيم مؤتمرنا هذا في لحظة مفصلية من تاريخ حزبنا، إذ منذ المؤتمر الوطني الرابع لحزبنا المنعقد بداية سنة 2020 بالجديدة، انخرطت قيادة الحزب كما قواعده، في دينامية تجديد هياكل الحزب ومؤسساته المختلفة، وفق مبادئ الشفافية والديمقراطية والكفاءة، كتعهدات جماعية قطعناها على أنفسنا دون رجعة.
وهكذا انخرطنا جماعيا في دينامية تنظيمية جديدة، جهويا وإقليميا ومحليا، صحيح هي متأخرة، لكنها قوية تبنى بهدوء على أسس متينة، نمنحها الوقت الكاف من الحوار والتواصل والتشاور، وهو ما جعلنا ننكب على عقد مؤتمر منظمة شبيبتنا مباشرة بعد مؤتمرنا هذا، الذي وفرنا له كل سبل النجاح الرفيع كما تسجلون اليوم، وذلك بفضل نضالية وتضحية اللجنة التحضيرية وقيادة الحزب وإدارته، وبهذه المناسبة أود أن أحيي وبحرارة الجهود التي قامت بها اللجنة التحضيرية إعدادا لهذا اللقاء الناجح بكل المعايير.
وعليه نتطلع رفقتكم أن يشكل لقاء اليوم فرصة مواتية لإجراء تقييم موضوعي لتجربة منظمة نساء الأصالة والمعاصرة السابقة، وتشخيص صادق لمختلف جوانبها، للوقوف عند مكامن الخلل والنقص، والاستفادة من نقط الضوء، بل ندعوكم لاستقراء حتى التجارب الوطنية الأخرى، السياسية والمدنية والحقوقية، والانفتاح على التجارب الدولية، لتعزيز قرارنا الجماعي في ولادة جديدة لمنظمة نسائية بامية، حرة، مستقلة وعتيدة، وإطارا جديدا قادرا على احتضان وتعبئة جميع مناضلاتنا على الصعيد الوطني والخارجي، وتعزيز قدراتهن في تأطير المواطنات، فما ينتظركن عظيم ومقدس، نضال ومعارك قوية للضغط على الفاعل السياسي وعلى مصادر القرار، والحضور الوازن في تسطير مشاريع الإصلاح والترافع عن شروط تحسين أوضاع النساء.
إننا بالقدر الذي نعتز فيه بمناضلاتنا و عملهن الجدي في الميدان في جغرافية المغرب العميق كما في الأحياء الشعبية وفي الحواضر، وإلتزامنا كقيادة للحزب بمضاعفة الدعم و المساندة للتنظيم النسائي للحزب، فإننا بالقدر نفسه ندعو للقطع جميعا مع الثقافات الانتهازية الماضوية، والابتعاد عن ثقافة التهافت على المناصب، ونتطلع لممارسة السياسة والنهوض بالمسؤوليات بشكل مغاير، قوامه الالتزام الكامل والتقدير التام للمسؤولية؛ فلسنا اليوم في نزهة بمدينة بوزنيقة الجميلة، أو سيكون المكتب التنفيذي الجديد ضيف شرف لتزيين واجهة الحزب أو تأتيت مقره المركزي بالعاصمة الرباط، بل أنتن منذ اللحظة مناضلات أكثر مسؤولية، مطوقات بأمانة ثقيلة، لذا يجب التمكن من أسلحة المواثيق الدولية والعهود والتشريعات الوطنية، والتضحية والنضال والإسهام بكل صدق في كل المبادرات الساعية لتغيير أوضاع المرأة المغربية في مختلف المجالات، فالنضال الملتزم والتضحية الجسيمة هما سبيل نيل مشروعية الدفاع عن قضية عظيمة بمجتمعنا، فالتاريخ لا يرحم، والشرعية الوحيدة التي سيعترف بها التاريخ هي الصدق في الخطاب، والنزاهة في المبادئ، والتضحية في النضال.
وفقنا الله جميعا لما فيه خير وطننا وبلادنا ونسائنا، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله ونصره.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.”