أغنية “عاش الشعب”…”تشرميل سياسي”
نادية الصبار صحافية وكاتبة رأي
لم يكن إطلاق التشرميل على العنف عبثا؛ فلفظة التشرميل” كسلوك عنيف مستوحاة من فضاء الطبخ المغاربي، كعملية قبلية للتتبيل، تتطلب دهس المكونات وفرمها وتقطيعها. ف”التشرميل” السلوك العنيف؛ يستعمل نفس الأدوات ونفس الآليات، السكاكين الحادة وعمليات مماثلة كالفرم أوالدهس لتحقيق غاية في نفوس هؤلاء المستضعفين، الذين يستقوون بجرمهم، ومن خلاله يتموقعون…
ولم يقف التشرميل عند حدود الفعل، بل تعداه إلى التشهير والدعاية والتفاخر به على مواقع التواصل من خلال عرض صور المكاسب والغنيمة وعرض مسارح الجريمة، فهم قراصنة العصر الذين يحاولون أن يجدوا في ظل سيطرة النخبة والنخبة البيروقراطية التي اعتلت السلم الاجتماعي عبر التعليم، موطن قدم حيث لا يملكون المواطن. يتجرعون البيرا بأحسن الأحوال ويتناولون حبوب الهلوسة وكل أنواع المسكرات، فتذهب عقولهم، فيفسحون المجال للمكبوث فيهم، فيعبرون عنه بتعابير مهما اختلفت تلاوينها توحدت في قالب؛ كان العنف سمته الأساسية.
وإذ اختارت فئات عريضة مهمشة؛ التشرميل بالسيوف والسكاكين واختارت فرم بني جنسها وجلدتها ومن طبقات متوسطة إلى فقيرة فجد فقيرة… قلنا؛ اختارت الفرم والدهس والبتر والتقطيع كأسلوب لإثبات ذات ملغاة، وكوسيلة سهلة للاسترزاق، فإن فئة أخرى ولو أنها ليست بحجم الأولى؛ اختارت تشرميلا من نوع آخر، ولعله سابقة، و هو على حد رأيي إن حق لي الرأي؛ “تشرميل سياسي”، فعوض أن تنصاع وتنقاد فئات مهمشة للسلطة ولتوابت البلاد، نهجت نهجا مغايرا جدا، لعلي أراه بذات الأسلوب، فقط اختلفت فيه الغايات، إنه التشرميل عبر فن الراب؛ الفن الدخيل، على أي ليس موضوع الراب ما يهمنا بقدر ما يهمنا هؤلاء “الراوابة” (جمع رابور بلغة الشارع)، الذين من خلال كلمات من وحي المعاش، من الفقر والحاجة والعوز، من قلب الفوارق الطبقية والمعاناة والظلم، من قسوة التهميش والإقصاء حد الإلغاء، هؤلاء الذين لا يملكون إلا أرقاما بسجلات المحاكم والسجون، أن يقولوا إننا نتحدى العالم وكل ما هو قائم.
كلمات بسيطة غير مركبة، عامية إلى سوقية، ملهجة ودارجة عند شرائح من عالم “البزناسة والمحابسية” (وهم تجار المخدرات وأرباب السجون) وأصحاب الليل وهمومه والسجن وشجونه… كلمات تشمل المعرب والملهج والمعرنس، النبيل منه والساقط والسافل… كطريقة مثلى للتعبير على السخط عن أوضاع حقيقية، ملموسةومعاشة، لا هي مفتعلة ولا متخيلة؛ جادت بها قرائح هؤلاء، بل هي المسكوت عنه والممنوع من الكلام.
فعوض متلازمة “عاش الملك”، تغنى هؤلاء الثلاثة: الزعري وولد الكرية والكناوي بمتلازمة “عاش الشعب”، وهذه المتلازمة ليست جديدة، فهو شعار رفعه اليسار الرديكالي ورفعه أبناء الريف… السابقة أنه لم يأتي على لسان محتجين بتظاهرة ضد الاستبداد؛ بل تغنى به “الروابة” وجعلوه عنوان لما تغنوا به، تم تداولها على اليوتيوب وحققت ملايين المشاهدات، كما اعتلت “التوندونس” لأربعة أيام على التوالي، فمن رددوا مع الداودية” اعطني صاكي باغة نماكي… وندير حالة فالرجالة” ( فنانة شعبية تغنت بأغنية تقول اعطني حقيبتي لأتزين و أسقط الرجال فالشباك…) هم نفسهم سيرددون أغاني تمسهم في الصميم، ولو أن الغالبية العظمى تحفظت على الجزء الأخير من الأغنية الذي كان فيه مساس بأعلى سلطة في البلاد.
إن المتتبع لأغنية ” عاش الشعب ” إن جاز وصفها بالأغنية، فللأغنية مقومات لا على مستوى الكلمات والألحان والتوزيع والأداء، والأرجح أنها تفتقد لكثير من المقومات، لعلها؛ وهذه وجهة نظري الخاصة “صرخة”؛ “صرخة شعب” أو صيحة نارية لقطع؛ ليس دابر الفساد، فلا حول لرجالات هذه الأغنية ولاقوة، ولا يمكن لأغنيتهم مهما شوهدت ومهما تفاعلت معها الجماهير أن تحدث رجع الصدى… نعود لنقول أنها صرخة لقطع دابر الخوف، وهذا ما يجب أن تنتبه له السلطة العليا بالبلاد، فمن رفعوا مؤخرا شعار “الموت ولا المذلة”، فهم بين الرجاء في حياة فضلى كريمة وبين اليأس من لامبالاة الساهرين على تدبير الشأن العام، أما هؤلاء الذين هم موضوع حديثنا، الزعر، ولد الكرية والكناوي ميتون ميتون وهذه كانت صرختهم الأخيرة، فولد الكرية صرح لأحد المواقع أنه من أرباب السجون وارتاده لأزيد من ثلاثين مرة، فداخل السجن أو خارجه، لا يكاد الأمر عنده مجرد مناوبة ومياومة بين الوضعين بأكثر الأحوال، ونفس الأمر عند الزعري والكناوي، هذا الأخير حين جاء رجال السلطة ليقتادوه إلى مخفر الشرطة ابتسم وقال لهم: ” تأخرتم…”
فصرخة ” عاش الشعب “ضدا على “عاش الملك” مع سبق الإصرار والتعمد؛ ترددت فيها مقاطع عبر فيها مغنوها عن قمة القهر والتهميش والإحساس بالدونية، فالمتتبع والملاحظ للأغنية يجد فيها مقاطع تحمل كلمات من قبيل أنا المقصح (أي؛ قست علي الحياة)، أنا المهضوم (أي؛ مهضوم الحقوق)، أنا المواطن المغربي لي عمقتو جرحو نتوم (كناية عن جراح يتهم فيها السلطات بأنها من عمقتها وزادت من حدتها بسبب التهميش)، وأنه لما تكلم فلأن الازمة جعلته يصرخ ويصيح: ” ماعارفينش بلي مدبوحين، الأزمة مهضرانا”… إنها بحق تعبير صارخ على أن الأزمة تدفع صاحبها للانتحار على عتبة دار السلطان، عندنا مثل مغربي يقول ” الغدايد كتدي لدار القايد ” أي؛ أن كثرة المشاكل تدفع صاحبها للشكوى بدار المخزن. و”الغدايد”عند هؤلاء “داتهم” (أخذتهم) لدار السلطان…
يستطرد هؤلاء في مقطع آخر: أنا المواطن المقهور، أنا الدرويش المحكور، أنا الموجز المضروب، أنا المتعاقد المنبوذ، أنا المواطن لي رديتوه بالاقتطاعات مخنوق… فكلمات من قبيل محكور، مضروب، منبوذ ، مخنوق… لهي تعبر عن وضع فئات عريضة من الشعب المغربي، وهذا ليس بخاف على أحد ولا يمكن التنكر للوضع… رغم القيل والقال ومهما كان حجم الإنجازات التي لا تتوافق وحجم انتظارات الشعب المغربي وفئات مماثلة طال عليها الأمد ولم تصلها رياح التغيير.
وفي مقطع آخر؛ يتم الحديث عن ذاك المهمش الذي يوجد خلف قضبان السجون، التي يقبع فيها مجرمون من فئات مهمشة؛ في وقت تجد فيه ناهبي المال العام في الرغد يرتعون، ” انا لي مور الكرية مشدود”، “أنا الريفي اللي يحلم يزيان الريف”، و هنا نجد “ولد الكرية” ينصب نفسه مدافعا عن الريف وحلمه في الريف، “الجبلي لي خليتو قدامه غير الكيف”، فمنطقة جبالة طوقت بالكيف ولم يبق للجبلي من نصيب إلا ما تناسل من مردود بائت عن أباطرة الكيف…
فكما قلت؛ فأغنية “عاش الشعب” صرخة ضد الطغيان وتفوق على متلازمة الخوف، لأنهم واعون بأنهم تجاوزوا بمداد أحمر كل الخطوط الحمراء ومع ذلك لم يأبهوا للتبعات، بل تأهبوا للتبعات، فبأحد المقاطع جاءت “الصرخة”: “لسنا خائفون”، ” ماغيكفيكم معانا ترهيب، ماغا يكفيكم معانا قرطاس” كناية على سنوات الرصاص، “عطيونا حقنا فهاد لبلاد ولا جمعونا وعدمونا”، “عطيني حقي ولا شرجي وتيري في بسلاح الموت” و هنا ربط كبير بين الحق كحق أو اختيار الموت إن غاب الحق… “خسرنا معكم العمر ما بقا ليا علاش نخاف”، كناية عن الضياع وضياع سنين العمر…
على أي؛ لن نغوص كثيرا في كلمات هذه “الأغنية الصرخة”، حتى لا نقع فيما لا يحمد عقباه، فأواخر “الأغنية الصرخة” عجت باتهامات صريحة لأعلى سلطة في البلاد، نفضل تجاوزها لعدة أسباب… فهل كاتبوا الكلام قاصدوه حقا؟! أم هي مجرد محاولة للتجرد من الخوف في دولة تغيب فيها حرية التعبير وتضخمت فيها الخطوط الحمراء، أم أنها تدخل في ما جرت عليه العادة عند “الروابة” الذين عادة ما يستعملون كلاما ساقطا للتعبير عن الأوضاع، أو قد توظف ألفاظ نابية في حرب كلامية كما وقع بين زعيمي الراب بالمغرب وأحدهما حاز مؤخرا وساما ملكيا من لدن الملك محمد السادس…
طرحت مؤخرا وبحدة مسألة الحريات الفردية والحق في الاختلاف، أليس ممكنا أن نسامح هؤلاء الذين تعسفوا في حق لا يوجد أصلا وهو الحق أيضا في الاختلاف؟! وهل يعني كل من قال “عاش الشعب” أنه ضد النظام القائم؟! لما لا تتكامل المتلازمتان؟! و لما ستظل الدولة المغربية تسعى لإسكات وإخراس كل خارج عن الأنساق؟! فالمقاربة الأمنية وحدها لا تكفي ولو كانت ترهب حقا ما خرج من بين الحطام والركام فئات نشاز تغرد خارج الأسراب ولا تغني للسلطان… و الأولى التفكير بشكل جدي في مقاربات استباقية تحارب الفوارق الطبقية وتعطي لكل ذي حق حقه، حتى تهدأ سريرة هؤلاء. فإذا كانت شرذمة قالت “عاش الشعب” فلازالت فئات عريضة تقول بملإ فيها ” عاش الملك” وتتشبت بالعرش وأهدابه، لكنها ترجو بالمقابل عناية مولوية وعدالة اجتماعية.