الرائدة في صحافة الموبايل

الاهتمام بالثقافة والفن عمل حضاري

مصطفى لمودن

ليست عندنا تقاليد لاحتضان المنتوج الثقافي والفني. منذ عصر النهضة في أوربا كان عدد من “النبلاء” (جلهم إقطاعيون) والأمراء يحمون ويدعمون كتابا وفنانين في مختلف المجالات.. وكان ذلك من أسباب ما تراكم في أوربا من إبداع في الرسم والنحت والمسرح، إلخ…
كان هؤلاء الأغنياء وأصحاب السلطة يعتبرون فعلهم ذاك يدخل في تأكيد “عظمتهم” ومباهاتهم أمام بعضهم البعض..
هل كان الكتاب والرسامون والمسرحيون أحرارا في ما يفعلون؟
سؤال يصعب الإجابة عنه، حيث إنه لكل حالة ظروفها ومحيطها.
مثلا، سعى ملك فرنسا لويس 14 إلى جعل الفن يخدمه، وأنشأ لذلك أكاديمية للتعليم والتكوين، وجعل الرسامين موظفين لديه. هذا المسعى حد من حرية الرسامين، لكنه نمّى التقنية، وجعل الرسم مقبولا ولا اعتراض عليه. وطبعا يبقى دائما هامش لحرية التصرف الذكي من طرف أي فنان حاذق.
نفس هذا التصرف سبق أن قام به القياصرة الرومان وبشكل نسبي ملك فرنسا شارلمان. وسار على منواله أمراء إيطاليا بشكل ملفت بعد ذلك..
وحتى المسرحي الكبير شيكسبير لقي الدعم من الحكام، وإن كان قد أسس شركته الخاصة ومسرحه الخاص. لكن بدون دعم وحماية ذوي النفوذ ما كان ليحقق شيئا.
لكن، فيما بعد، وابتداء من القرن 19، أصبح حامي الفن والأدب هو الشعب، وقد ظهرت إمكانيات كبيرة لطبع الكتب التي يقتنيها القراء. ويحضر هؤلاء عروض المسرح، وكانت أعظم المباني في حاجة إلى خدمات الرسامين والنحاتين.. وكل ذلك واكَبه نقاش في صفحات الجرائد وفي الصالونات. مثلا، لم يعد بلزاك الكاتب الفرنسي يحتاج رعاية رسمية من جهة ما..
على خلاف واقع الحال بالعالم العربي، حيث إن ما عرف في هذا الشأن هو دعم الأمراء لمن يخدمهم أكثر ويعلي من شأنهم ويجلب لهم المتعة في مجالسهم كالشعراء ورواة الحكايات والنوادر في العصر الأموي والعباسي.
أما من لا يسير على هدي الخط المرسوم، فقد يلاقي أشد العقاب كما وقع لابن المقفع.
ومع توالي الانحطاط، حصل فقط الفقهاء على مكانة مقربة من ذوي السلطة والجاه، بشرط خدمة الحكام وتطويع الناس على الطاعة، ودفعهم إلى المزيد من التدين.
لم تظهر الكتابة والنشر بشكل واضح في العالم العربي إلا في أواخر القرن التاسع عشر، بظهور بعض دور النشر في لبنان أولا، ثم مصر وغيرها.
ورغم ذلك اضطر محمد عبده المصلح الديني إلى الهجرة إلى فرنسا ليصدر مجلة “العروة الوثقى” رفقة جمال الدين الأفغاني.
ليداهمنا الاستعمار، ونجد أنفسنا قسرا أمام أوضاع جديدة.. ولم نعرف ما نقدم أو نؤخر سوى الركون إلى الزاوية في انتظار انقشاع الضباب واتضاح الرؤية، حتى إن بعض الفقهاء استمروا على منوال ما دعا إليه سابقا ابن تيمية من ضرورة الانغلاق على الذات إلى درجة أنهم في المغرب، مثلا، أفتوا بقطع رأس كل من يتجرأ على قراءة جريدة!
وبذلك ليست عندنا تقاليد عريقة في دعم الكتب والفنون، بينما عندنا دعم راسخ للمواسم التي تقام حول الأضرحة، وتلك التي كانت تباركها الزوايا. وماتزال الدولة تدعم ذلك لحاجة ما في نفسها..
هل سنستمر على نفس المنوال القاضي بتجاهل دور الكِتاب والقراءة والفنون عامة في التنشئة والتواصل والتفكير؟
لقد دعمت الحركة الوطنية التعليم في مواجهة مدارس الاستعمار.. وكان وراء ذلك حاجة ملحة وموضوعية..
وحتى بعد الاستقلال لم تر الدولة في الثقافة رافدا وطنيا يستحق الدعم، سوى ما يحقق الحد الأدنى من مظاهر قيام الدولة وتوفرها على السيادة، فظهر مثلا مسرح محمد الخامس بالرباط، بينما هُدم المسرح البلدي بالدار البيضاء، وظلت دور السينما في ملك الخواص.
وغالبا ما قُرنت الثقافة والكتابة الأدبية والفنون بالعقوق، واعتبرت مشتلا لإنتاج المعارضين. فما أن يظهر برعم ويشرع في النمو ويبدأ عوده يشتد، حتى يقع الإجهاز عليه كما وقع لمسرح الهواة وما حدث لمجلات ثقافية رائدة وقع توقيفها بجرة أوامر!
استمر التعامل باحتياط مع الثقافة ومازال إلى الآن. ورغم تنظيم الدولة لجائزة النشر والكتاب، واحتضانها لعروض مسرحية ومهرجانات سينمائية، وتشيدها متحفا للرسم ومكتبة وطنية كبيرة، فما زال هناك نقص كبير على مستوى الرواج الوطني والاحتضان الجماهيري.. إلى درجة أن طبع الكتب يتم بنسخ قليلة، والمسرح “المدعم” يعرض بقاعات محدودة، وغالبا لتبرير الدعم..
وليس هناك أي التفاتة للثقافة من طرف الجماعات المحلية بصيغها الأربع، ناهيك عن إهمال ذلك بشكل تام من طرف المقاولات والأغنياء، ما عدا بعض الدعم المناسباتي من طرف “صندوق الإيداع والتدبير”..
تعيش الثقافة بصفة عامة بالمغرب غربة ويتما مستفحلين، وينتج عن ذلك سلبيات كثيرة، تلامس الأذواق والسلوكيات اليومية..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد