الرائدة في صحافة الموبايل

سبب آخر للتقاتل

سبب آخر للتقاتل

ارتديت قميصا خفيفا وغادرت البيت لا أدري إن كنت أخطأت التقدير أم لا. فطقس لندن معروف بتقلبه المزاجي الغريب، لكنه في السنين الأخيرة أصبح مثل ذلك الموظف العبوس الذي سقطت أسنانه ويظل يلعن الدنيا والدين، والسيجارة الرخيصة لا تفارق أصابعه. بالنسبة للمواطن المسكين لا يعرف متى يستطيع قضاء أغراضه، ولا متى سينفجر العبوس في وجهه. والمؤكد في طقس بريطانيا هو أنه يمر، كغيره من سماوات العالم بتقلبات تجعل بعض أيام صيفه حارقة، وبعدها فورا تهطل أمطار مجنونة كأمطار كوالالمبور وسنغافورة. تستقبلني موسيقى الجاز قبل أن أفتح باب المقهى. الفتاتان كالعادة تقومان بالعمل كالروبوت. آلة تقطير القهوة لا تكف عن إطلاق ضجيجها. في الركن المقابل شباب أحضروا كمبيوتراتهم المحمولة للفوز بخدمة الانترنت المجانية. عن يساري تجلس نسوة في أواخر الخمسينيات من العمر أو يزدن عليها قليلا. لا يسكتن الا حينما يضعن الفناحين في أفواههن. تدخل إحداهما سبابتها كاملة وتلحسها لحسا. ماهذا يا شيخة؟!. ثم تحمل الملعقة الصغيرة وتشرع في اغتراف القهوة المخلوطة بالحليب. أطلب من النادلة قطعة من الثلج لتبريد ماء الصنبور. يا لها من عادة دخيلة على مقاهي بريطانيا التي أعرف. من قبل كان من الناذر أن تجد من يعطيك كأس ماء مجانيا. لكن الوضع بدأ يختلف منذ نحو عامين. فالوعي لدى الناس أصبح يشجع على التخلي عن المياه المعبأة في القناني، والعودة إلى مياه الصنابير الجارية. لا تعاني بريطانيا من أي خصاص في الماء، لكن يجب أن يستعد الناس لآثار التغييرات المناخية، فهي قادمة لا محالة. لقد شعرنا بها خلال الصيف الجاري، حيث تجاوزت درجة حراة المقياس الزئبقي 38. والوضع كان أشد وأدهى في فرنسا وإسبانيا. في يوليو الأخير زرت مدينة مالقة في جنوب شرقي إسبانيا. إنها الفردوس لمن يريد قضاء العطلة الصيفية. فالأبنية في البلدات المحيطة بها تكاد تشبه مباني مراكش من حيث اللون والزخرفة. وفيها ما تشتهي النفس من فاكهة، وفيها أيضا النخل ذات الأكمام. وضعت حقيبتي في غرفة فندق بوسط مالقة القديمة، ثم خرجت لابتياع بعض الأغراض. كان الطقس حارا، جعلني أشعر كأنني في وارْزَزات المغربية خلال الصيف، أو في تَطَاوين التونسية. وسط مالقة مجرى نهر (واد المدينة Guadalmedina ). لا توجد به ولو قطرة ماء. لقد عمد الاسبان إلى بناء قعره بالاسمنت، حيث أصبح طريقا يلهو فيه الأطفال بدراجاتهم الهوائية. جنوب اسبانيا عموما ليس حديث عهد بالجفاف، لكنه ومثل بقية المناطق المطلة على حوض البحر الأبيض المتوسط، يشهد موجات حر وقحط متتاليات منذ عدة عقود. والجفاف لا يهدد فقط النباتات والطيرَ والحياة البرية عموما، بل ستمتد آثاره إلى الدول. أتذكر قبل نحو ثلاثين عاما خطبة للملك المغربي الراحل الحسن الثاني. كان يتحدث عن أزمة المياه والجفاف، وكان حينها يمني النفس بالوصول إلى ري مساحة في المغرب تبلغ مليون هكتار. قال الحسن الثاني مخاطبا الحاضرين إن حروب المستقبل سيكون جزء منها بسبب المياه. تعامل الكثير من المراقبين حينذاك بكثير من اللامبالاة. لم يحدد الحسن الثاني إن كانت تلك الحروب بين الدول أم داخل الدول. في مطلع القرن الحالي وضعت الحكومة المركزية الإسبانية خطة لتحويل جزء من مياه نهر عظيم في شمالي البلاد إلى مناطق في الجنوب كان مُزْنها أقل عطاء. يتعلق الأمر بنهر إبْرو Ebro ، وهو ثالث أطول أنهار حوض البحر الأبيض المتوسط عموما. تنبع مياهه من جبال البرانس Pyrenees وتصب في دلتا تقع إلى الجنوب من برشلونة، في الشمال الشرقي للبلاد. كانت الخطة الأولية تقضي بتحويل أكثر من ألف كيلولتر من المياه، وبناء 118 سدا على طول مجراه، ومد قنوات وأنابيب يبلغ طولها حوالي ألف كيلومتر. إسبانيا التي كانت أساطيلها ذات زمن تمخر عباب بحور الدنيا ومحيطاتها، ستنكشف عورتها الاجتماعية. لقد أثار هذا المشروع غضب الملايين من سكان المناطق التي يخترقها النهر. وهي مناطق تخضع للحكم الذاتي وتضم أقواما وقوميات مختلفة، يجمعها علم إسبانيا وعملة اليورو، وجزء من اللغة المتداولة، لكن حين يتعلق الأمر بالماء والخضرة، تطفو المصالح المحلية على ما هو سواها. بل تهدد الوحدة الوطنية. أجبرت حكومة مدريد المركزية على تأجيل الموضوع، ولم تصادق على صيغة معدلة منه سوى عام 2016. يحذر خبراء شؤون البيئة من أن أي تغيير في المجارى الطبيعية لمياه الأنهار ، من شأنه يحدث زلزالا في التوازن البيئي ويقضي على مساكن مجموعات من الطيور والحشرات والوحيش والنباتات. لكن في جنوب اسبانيا التي سيحول الماء إليها،كانت النظرة مختلفة. فهذه المنطقة التي أضحت شبه صحراوية، تشهد ارتفاعا متناميا في ايقاع المساحات المغطاة بالبيوت البلاستيكية التي تحتها تنتج أفضل أنواع العنب والطماطم والبطيخ. وبجانبها بنيت مدن تعيش على عائدات السياحة التي تحتاج للمسابح. أراد رئيس إحدى بلديات منطقة مورسية أن يبرر الحاجة إلى مزيد من الماء، بتشبيه منطقة الأندلس بإسرائيل التي حولت مناطق صحراوية قاحلة، إلى جنان غناء تصدر لأوروبا أحلى أنواع البرتقال والفواكه، وتسلل من تمرها إلى موائد إفطار رمضان نوع المجدول (أو المجهول) الذي ننهي به يوما من الصيام. ألتفت إلى فنجاني، لقد كاد يفرغ. أرفع كوب الماء فآخذ منه رشفة. لقد غادرت النسوة الثرثارات طاولتهن. وجاءت نسوة سوداوات تدل ملابسهن ولهجتهن على أنهن من جامايكا. ضجيج قرقعة الصحون والفناجين أثناء غسل إحدى النادلتين لها يصم أذني. لا أعلم إن كانت فراسة الحسن الثاني ستتحقق. فالماء سيصبح سلعة نادرة. ولنا أن نتصور كم سيصبح سعره. إذ يكفي أنك في المطارات الاروربية، وفي بعض المقاهي العربية الممعنة في السرقة التنكيلية، تباع لك قنينة ماء سعتها نصف لتر بما يعادل خمسة يورو أو أكثر. أي ما يقارب سعر خمسة لترات من الديزل. التوتر حول المياه العذبة سيتصاعد. فالأنهار والبحيرات إما تشكل حدودا سياسية بين بعض الدول، أو هي موروث مشترك. لنأخذ مصر التي هي هبة النيل. ماذا سيحدث لها لما تمضي الدول الإحدى عشرة التي تشترك معها في النيل، في إقامة مشروعات زراعية وهيدروكهربائية خاصة بها. فالنيل الأزرق ينبع أساسا من بحيرة تانا الاثيوبية، وعلى مجراه أقيم سد النهضة العظيم. وماذا عن الدول الأخرى المطلة على بحيرة فكتوريا وغيرها من البحيرات العظمى. بالتأكيد سيلمس الأثر الفلاحون في منطقة الدلتا شمالي مصر. وماذا عن (النهر الصناعي العظيم) الذي أنشأه معمر القذافي، لشفط مياه بحيرات الصحراء الباطنية غير القابلة للتعويض. أرتشف ما بقي من ماء في الكأس، لكنه لا يشفي غليلي. مثلما لا يشفي مقال في المقهى غليلي للكتابة عن شجون الماء في منطقتي، شمال إفريقيا. فنحن أحوج الناس للماء، غالبيتنا العظمى ليسوا من أهل الصحارى فيتلاءمون مع شظف العطش، ولا نحن بمجاوري الأنهار الهادرة كما في الشمال الأوروبي، فنأخذ منها حتى نرتوي، وترتوي معنا الأرض والأنعام…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد