الرائدة في صحافة الموبايل

لجنة النموذج التنموي فرصة للتأمل في مآل المشهد السياسي

الدكتور مصطفى كرين رئيس المرصد الوطني للعدالة الاجتماعية

بداية، لا بد من الإشارة إلى أن تشكيلة اللجنة قد أعادت لنا نسبة معتبرة من الثقة في إمكانية نجاحها في مهمتها وخلقت لدينا شعورا بالتفاؤل بما ستنتجه وتقترحه ، ولذلك سندعم عملها بكل قوة بسبب “نظافتها” بالخصوص من أية ضغوط أو شوائب حزبية أو إيديولوجية ، وأجدني بهذا الخصوص راغبا جدا في أن تكون حالة العطالة التي سيدخل فيها السياسيون ، بعد إبعادهم عن لجنة النموذج التنموي ، فرصة لهم ولنا للتأمل في بنية ومآل المشهد السياسي والأدوار المستقبلية المتوخاة منهم وأن تعمل الهيئات السياسية ، الحزبية منها وغير الحزبية ، على إعداد نفسها وملاءمة هياكلها للإضطلاع بالأدوار التي سوف تسند لها حتما في المستقبل ، للقيام بواجبها في بناء وحسن تدبير المشروع المجتمعي الذي يطرق أبواب بلادنا والذي سيتمخض عن عمل لجنة النموذج التنموي.

وقد يتساءل البعض : و كيف يمكن للسياسيين الذين لم يشاركوا في بلورة النموذج التنموي أن يقوموا غدا بتدبيره وتنزيله على أرض الواقع ؟ والجواب : هذه هي الحكمة بالفعل من إبعادهم عن أعمال اللجنة ، على اعتبار أن النموذج التنموي يجب أن يرتقي فوق النزاعات والتجاذبات الحزبية ، وعلى اعتبار أن الأمر لا يتعلق باختيار الإيديولوجيا المؤطرة للمشروع ، ونظرا لأن الأزمات المتتالية التي عرفها المغرب والتي أفشلت كل نهضة ممكنة وأجهضت كل المبادرات التي قام بها ، منذ أول حكومة وحتى الحكومة الحالية ، إنما سببها ، زيادة على العبث والتهور وعدم الاستقرار الذي مارسه السياسيون والمسؤولون الحكوميون خلال قيامهم بمهاهم ، هو تلك الاصطفافات وذلك التخبط في الاصطفافات الإيديولوجية ، إذ كلما جاءت حكومة إلا وألغت كل قرارات الحكومة التي سبقتها وكل التصورات والمشاريع الاقتصادية والاجتماعية التي طرحتها سابقتها وبدأت من الصفر ، في انتظار أن تلغي الحكومة الموالية لها كل ذلك وتبدأ بدورها كل شيء من جديد وهكذا دواليك ، أما الآن فإن وجود مشروع مجتمعي يتسم بالموضوعية والشمولية والحياد ، كما نتمناه ، سيحد من هذا العبث الحزبي وسيوحد الوجهة وسيؤطر العمل الحكومي دون أن يحتاج المغرب في كل مرة للاستعانة بوزراء تقنوقراط لحفظ التوازن.

ومن جهة أخرى فإنني لا أعتقد أن في مسألة إبعاد السياسيين وفقهاء القانون ، تغييبا للبعد الدستوري أو أنه لن يكون هناك أي تعديل دستوري وإنما أظن أن هناك توجها لجعل التعديلات الدستورية القادمة ، مؤطرة بالنموذج الذي يختاره المغرب أولا والوجهة التي سيأخذها ، حتى لا يبقى النموذج التنموي حبيس المعطيات الدستورية ، وحتى لا نجد أنفسنا منخرطين في نموذج منفصل تماما عن المعطيات السياسية والاجتماعية أو العكس . كما أنني أظن في نهاية المطاف أنه ليست هناك قطيعة تامة مع النموذج الحالي ، بل إن روح اللجنة الحالية لا تختلف كثيرا عن روح لجنة مزيان بلفقيه التي انبنت على تقرير الخمسينية بالأساس ، و الفرق الجوهري بينهما هو أن مزيان بلفقيه رحمه الله اختزل الفكرة في عملية إغراق الإدارات الترابية والعمومية والمؤسسات الدستورية بالتقنيين والمهندسين ، بينما فوض التأطير السياسي لبعض الهواة والناقمين ، دون أن يكون هناك خيط ناظم يوحد تصورات وعمل تلك الأطر التقنية من جهة والسياسوية من جهة أخرى ثم فيما بينها على حد سواء ، ولم تستطع التنسيق والعمل مع بعضها البعض ، فراحت تجتهد بشكل فردي أفقد الفريق انسجامه المطلوب ، وهذا ما أنتج لنا النموذج الحالي الذي أصبح بسبب عقمه ، عالة على بنية الدولة وعائقا أمام التنمية . ولذلك أعتبر أن الإعلان عن اللجنة الحالية هو أولا إقبار وتجاوز لتقرير الخمسينية نصا وروحا والعمل على إعادة قراءة الواقع المغربي بطريقة احترافية وموضوعية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد