خطاب العرش.. لا مكان لمغرب يسير بسرعتين ومسار التنمية حق لكل المغاربة
“لا مكان اليوم ولا غدًا، لمغرب يسير بسرعتين”…
بهذا التأكيد الحازم، يرسم جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في خطاب عيد العرش المجيد، خارطة طريق جديدة للتنمية الشاملة والمندمجة، ويجدّد الوصل بين رمزية البيعة وخيارات الدولة الاجتماعية والاقتصادية، في لحظة وطنية مشبعة بدلالات الاستمرارية والوفاء، وبنَفَس استشرافي يليق بمملكة تتطلع لأن تكون في قلب الحدث.
في لحظة مشبعة بدلالات الوفاء والبيعة، وجه جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، خطابًا ساميًا إلى شعبه الوفي، مساء الثلاثاء 30 يوليوز 2025، بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لاعتلائه عرش أسلافه الميامين. مناسبة عزيزة على قلوب المغاربة، لا تُجسّد فقط تجدد العهد بين الملك والشعب، بل تؤرخ لمسار متجدد من الإنجازات، وتُجدّد العزم على مواصلة البناء في مغرب يشق طريقه بثبات نحو مصاف الدول الصاعدة.
الخطاب الملكي، بما حمله من نبرة صادقة وواقعية، شكل لحظة للتأمل في المسار الوطني، واستقراء دقيق لما تحقق على مدى أكثر من ربع قرن من حكم ملك جعل من الإنسان محور مشروعه المجتمعي، ومن التنمية الشاملة ركيزة لرؤية متبصرة، تجاوزت حدود الظرفي، لتؤسس لتحول بنيوي عميق في بنية الدولة والمجتمع على حد سواء.
فمنذ تربع جلالته على العرش، رسم المغرب ملامح مسار تنموي جديد، قوامه تثبيت الاستقرار السياسي والمؤسسي، وتوجيه بوصلة الإصلاح نحو تحقيق العدالة المجالية، والنهوض بالرأسمال البشري، وتعزيز القدرة الاقتصادية على الصمود أمام الأزمات. وقد شكلت إشادة جلالته، في خطابه، بمتانة الأسس الاقتصادية والاجتماعية التي شُيّدت، تعبيرًا عن نجاعة الاختيارات التي اعتمدها المغرب، والتي مكنته من الحفاظ على نسبة نمو منتظمة، رغم توالي سنوات الجفاف وتداعيات الأزمات الدولية.
نهضة صناعية، تطور في قطاعات استراتيجية مثل الطاقات المتجددة والسيارات والطيران، وانخراط واسع في اتفاقيات تبادل حر تربط الاقتصاد المغربي بثلاثة مليارات مستهلك… كلها مؤشرات تُعزز مكانة المملكة كقوة اقتصادية صاعدة، تنبني على تنوع شركائها وتعدد روافعها.
لكن الملك، كعادته، لم يغفل عن العمق الاجتماعي لمفهوم التنمية، مؤكدًا على أن المغرب الذي يُشيد بنياته ويُعزز اقتصاده، يجب أن يكون، في الوقت نفسه، مغربًا يضمن الكرامة لكل مواطنيه. لذلك، أعاد التأكيد على مركزية العدالة الاجتماعية، وعلى أن لا مكان في مغرب اليوم، ولا في مغرب الغد، لمسارين بسرعتين.
وإذ كشف الخطاب الملكي عن تراجع ملموس في مؤشرات الفقر متعدد الأبعاد وارتفاع مؤشر التنمية البشرية، إلا أن جلالته حذر من بقاء جيوب هشاشة وفقر، خاصة في العالم القروي، داعيًا إلى إحداث “نقلة حقيقية” في التأهيل الشامل للمجالات الترابية، باعتماد مقاربة جديدة للتنمية المجالية المندمجة، تقوم على تثمين الخصوصيات المحلية، وتعزيز التضامن بين الجهات، وتركيز الجهود على التشغيل، والخدمات الأساسية، والماء، والمشاريع الترابية المتكاملة.
وارتباطًا بالسياق السياسي، لم يغب عن الخطاب التأكيد على استحقاق ديمقراطي مرتقب، حيث شدد جلالة الملك على ضرورة التحضير الجيد للانتخابات التشريعية المقبلة، في موعدها الدستوري، داعيًا إلى استكمال المنظومة المؤطرة لها قبل نهاية السنة الجارية، وموجهًا تعليماته السامية لوزير الداخلية لفتح مشاورات سياسية موسعة.
أما في الجانب الإقليمي، فقد جدد الملك، بصفته ضامنًا لوحدة الأمة، مواقفه الثابتة والمبدئية تجاه الشعب الجزائري الشقيق، مؤكدًا أن اليد ستظل ممدودة، وأن الحوار الأخوي الصادق هو السبيل لتجاوز الوضع المؤسف القائم. وهي رسالة قوية تعكس ثبات الموقف المغربي، المستند إلى منطق الحكمة ووحدة المصير المغاربي، وإيمان راسخ بأن الاتحاد لا يتحقق دون انخراط فعلي من المغرب والجزائر معًا.
كما لم يفت جلالة الملك التذكير بالتقدم المتواصل الذي تحرزه قضية الصحراء المغربية على المستوى الدولي، مشيدًا بدعم دولي متنامٍ لمبادرة الحكم الذاتي، وعلى رأسها موقفي المملكة المتحدة والبرتغال، اللذان عززا صفّ الدول المساندة للمغرب في إطار سيادته الكاملة على أقاليمه الجنوبية.
وفي ختام خطابه، خص جلالة الملك تحية تقدير لكل الساهرين على أمن الوطن واستقراره، مستحضرًا الأرواح الطاهرة لملوك المغرب وشهدائه، في إشادة تجمع بين الوفاء للماضي واليقظة للمستقبل.
هكذا، يؤكد الخطاب الملكي لعيد العرش أن المغرب، تحت قيادة محمد السادس، يمضي قدمًا في مسار الإصلاح العميق، بانخراط جماعي، وبإرادة لا تلين، لتحقيق مغرب الإنصاف، والتقدم، والوحدة، والمكانة المتميزة بين الأمم.