الرائدة في صحافة الموبايل

قضية مايسة الناجي والمال السياسي يضعان الإعلام البديل تحت المجهر

يلعب المال السياسي دورًا بارزًا في العملية الانتخابية بمختلف دول العالم، وإن بدرجات متفاوتة، إلى جانب دور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في توجيه الرأي العام، وأحيانًا في صناعة وعي جمعي مزيف. والتنافس الحزبي في المغرب ليس بمنأى عن هذه التأثيرات، لا سيما في ظل صراع بين تيارات سياسية متباينة. وفي هذا السياق، فجّرت تصريحات نُسبت للمدونة الشهيرة مايسة سلامة الناجي، بشأن تلقيها أموالاً من رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش، نقاشًا سياسيًا وأخلاقيًا واسعًا.

وكان الصحافي نور الدين لشهب أول من فجّر هذه القضية، من خلال بث مباشر على قناته بمنصة يوتيوب، تحدث فيه عن ما اعتبره “اعترافًا شخصيًا” من مايسة بتلقيها ما يقارب مليون درهم من أخنوش، مقابل التزام الصمت السياسي، وتوجيه خطابها ضد حزب العدالة والتنمية خلال فترة “البلوكاج” الحكومي عقب انتخابات 2016.

ولم يكتف لشهب بالإيحاءات، بل قدّم رواية متكاملة بأسماء وتواريخ، قائلاً إن المبلغ دُفع في إطار خطة تهدف إلى إضعاف عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المكلف حينها، وإفشال مفاوضات تشكيل التحالف الحكومي.

ومايسة، المعروفة بقبعة حرباء تتغير كلما رات في ذلك مصلحة، كما سبق أن أثارت الجدل بمواقفها الحادة من عدد من القضايا، خاصة تلك المتعلقة بالمرأة والسياسة، لاسيما بعد أن خلعت الحجاب سنة 2022 وصارت لادينية.

وقد تضاربت الروايات حول طبيعة العلاقة بينها وبين حزب “الأحرار”. فالرواية الأولى، التي يروج لها أنصار حزب العدالة والتنمية، تقول إن مايسة اعترفت بتلقي الأموال، وبالتالي يطالب الحزب بفتح تحقيق ومحاسبة المتورطين، وصولًا إلى المطالبة باستقالة رئيس الحكومة.

أما الرواية الثانية، فتفيد بأن المال عُرض على مايسة من طرف مسؤول عن التواصل بالحزب، وأنها تلقت فعليًا 81 مليون سنتيم، مقابل الامتناع عن مهاجمة أخنوش، دون أن يكون الهدف مهاجمة أطراف أخرى، في إشارة إلى بنكيران وحزبه.

وأما الرواية الثالثة، والتي تمثل موقف مايسة كما تناقلته بعض المنابر، تنفي الأمر برمّته، معتبرة أنها ليست بالشهرة أو التأثير الذي يستدعي من ملياردير ووزير بحجم أخنوش دفع المال لشراء صمتها، في فترة كانت فيها مجرد مدونة على الفيسبوك.

وفي خضم الجدل، أعاد موقع “المشهد” نشر تدوينة قوية لمايسة، حملت فيها العدالة والتنمية مسؤولية “تدهور الأوضاع المعيشية”، متهمة الحزب باتخاذ قرارات صعبة، أبرزها تحرير أسعار المحروقات، ورفع الدعم عن صندوق المقاصة، وخوصصة قطاعات حيوية، وإصلاح أنظمة التقاعد على حساب جيوب المواطنين.

كما اتهمت الحزب بـ”توزيع الرشاوى على النقابات والباطرونا”، و”حماية الفاسدين”، و”قمع الحريات”، مشيرة إلى اعتقال صحافيين خلال ولايته، على رأسهم توفيق بوعشرين، الذي وصفته بـ”المستشار الإعلامي للحزب”.

وذهبت أبعد من ذلك، بانتقاد ما أسمته “الدعم العمومي للجمعيات التابعة للحزب”، معتبرة أن هذا الدعم تحوّل إلى أدوات انتخابية، مؤكدة أن الهزيمة المدوية في انتخابات 2021 جاءت نتيجة وعي شعبي بعدم جدوى الخطاب الذي وصفته بـ”الظلامي”، الذي اختزل السياسة في قضايا “النكاح” و”عري المرأة” و”المظلومية”.

وفي خاتمة تدوينتها، أشارت مايسة إلى ما اعتبرته “دورًا أمريكيًا” في صعود الحزب إلى السلطة، بدعم من إدارة هيلاري كلينتون، مؤكدة أن خروجه من الحكم تزامن مع صعود دونالد ترامب، مشددة على أن الحزب “لن يعود إلى السلطة لا بالخطاب الديني ولا بالمتاجرة بالقضية الفلسطينية”.

وتعددت ردود الفعل حول هذا السجال، حيث طالبت شريحة واسعة من المتابعين بفتح تحقيق جدي وشفاف في ما أثير من اتهامات، حرصًا على نزاهة الحياة السياسية، وضمانًا لحرية الصحافة، وصونًا لثقة المواطنين في المؤسسات، في سياق وطني يسعى إلى ترسيخ قواعد الديمقراطية والشفافية.

وفي انتظار توضيحات رسمية أو تحرك من الجهات المعنية، تبقى هذه القضية مرآة تعكس هشاشة العلاقة بين المال والإعلام والسياسة في المغرب، وتطرح أسئلة جوهرية حول حدود التأثير الرقمي، وصدقية المواقف، ومسؤولية الفاعلين في الفضاء العمومي، سواء أكانوا سياسيين أو إعلاميين أو مؤثرين. وبين كل هذه الروايات المتضاربة ومطالب بالتحقيق، يظل الرأي العام في ترقّب وما إذا كانت هذه القضية مجرد زوبعة عابرة، أم بداية لكشف خيوط أوسع تتعلق بأخلاقيات الممارسة السياسية والتواصلية في البلاد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد