الإمبراطور جوستنيان.. يجب أن يراعي القانون حقيقة الأشخاص الذين لم يوضع القانون إلا من أجلهم
ضمن العدد الخامس من سلسلة “أساطين الفكر على مر التاريخ” ، فكرة وإعداد ياسين شكور
جوستنيان Justinianus (482م- 567م)، إمبراطور روماني شرقي (بيزنطي) حكم منذ أغسطس عام 527 حتى وفاته في نوفمبر 567. يشتهر بإصلاحه الرمز القانوني المسمى قانون جستنيان خلال لجنة تريبونيان، والتوسع العسكري للأرض الإمبراطورية أثناء عهده، وزواجه وشراكته مع الإمبراطورة ثيودورا. يعرف أيضاً باسم “الإمبراطور الروماني الأخير”. كما يعتبر قديساً في الكنيسة الأرثذوكسية، ويحيى في الرابع عشر من نوفمبر.
يعد جوستنيان من أهم الأباطرة الذين قدموا قوانين تعتبر من أكبر الإسهامات الرومانية في مجال الحضارة. إنه “أول من دلّ بأقواله وأفعاله دون جميع أباطرة الدولة الرومانية، أنه إمبراطور، على حد تعبير المؤرخ المعاصر أجاثياس (راجع : غنيم اِسمت، إمبراطورية جستنيان، دار المجمع العلمي بجدة، 1977، ص 89).
عدّل جوستنيان الشرائع القديمة، فقد وجد أن الغموض والتناقض قد تسربا إلى نصوص القانون الروماني، وأخذت القضايا أمام المحاكم تؤجل إلى ما لا نهاية، وكانت الأحكام لا تعتمد على مواد ثابتة بقدر اعتمادها على أهواء القضاة التعسفية. وفي المقابل، أصدر شرائع أخرى جديدة بالاعتماد على علماء وفقهاء الفقه أمثال دوروتيDorothée وتيوفيل Théophile وآخرين لإنجاز موجزا للقانون، يكون مرجعا للطلبة منذ خطواتهم الأولى في دراسة القانون؛ حتى يستعدوا للمشاركة في الحكومة ليقوموا بأعباء ما سيند لهم من المناصب
كان جل اهتمام جوستنيان هو إعادة بناء الامبراطورية الرومانية في الغرب، فقد كانت كل الولايات الرومانية في الغرب تحت سيطرة حكام من الجرمان، فإن القوط الشرقيين كانوا يحكمون إيطاليا، والوندال في شمال أفريقيا، والقوط الغربيين في إسبانيا، والفرنج في غاله، والانجلوساكسونيين في إنجلترا.

بلغت الإمبراطورية البيزنطية أقصى اتساعها في عهد جوستنيان. فقد تم استرداد إيطاليا بما فيها روما على يد قائده بليزاريوس. كما اتسعت الإمبراطورية بضم آسيا الصغرى (تركيا الحالية) وسورية وشبه جزيرة البلقان وشمالي إفريقيا وفلسطين والساحل الجنوبي لأسبانيا. وقد ساعدت بطولة بليزاريوس وبسالته في ميدان القتال على رسم صورة لعهد جستنيان كعصر ذهبي في تاريخ الإمبراطورية البيزنطية.
يخدم القانون، حسب جوستنيان، مصلحة الرعايا؛ لذا يقول:” إننا لا نتردد في إصلاح قوانيننا كلما اقتضت ذلك مصلحة رعايانا”. ويذهب، في مدونته المشهورة، مدونة جستنيان، إلى الفصل بين القانون العام والقانون الخاص؛ الأول يبحث فيه عن نظم الحكومة في الدولة الرومانية، والثاني يبحث فيه عن تنظيم مصالح الأفراد في علاقة بعضهم بالبعض. ويستمد القانون الخاص من مصادر ثلاث: القانون الطبيعي، وقانون الشعوب، والقانون المدني المدني (أنظر مقدمة جوستنيان، مدونة جوستنيان في الفقه الروماني، ترجمة؛ عبد العزيز فهمي، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 2005، ص 2، ص 3).
يعرف جوستنيان القانون الطبيعي: ب”السنن التي ألهمتها الطبيعة لجميع الكائنات الحية؛ إنه ليس مقصور على الجنس البشري، بل هو سارٍ في جميع الأحياء، مما يحوم في الهواء، أو يدب في الأرض، أو يسبح في الماء. من هذا القانون سنّة اتحاد الذكر بالأنثى مما اصطلحنا نحن الآدميين على تسميته بالزواج. ومنه أيضا سنّة التناسل وتربية الأولاد. والمشاهدة دالة على أن كل الكائنات كأنها مدركة هذا القانون” (مدونة جستنيان، ص6).
حرم جستنيان الزواج بين الأصول والفروع، فلا يحل مثلا للأب أن يتزوج ابنته، ولا للجد أن يتزوج حفيدته وهلم جرّا. ويبقى التحريم ثابتا ما دام العقل الفطري يثبت ذلك. بل أكثر من ذلك منح للمرأة حقوق عظيمة مثل حقها في الحصول من زوجها على أملاك تعادل في قيمتها بائنتها، وحق الأرملة في الوصايا على أطفالها حتى تتقرر للأطفال حرية أوسع فيما يتصل بأشخاصهم وأملاكهم.
كما أعاد صياغة قانون الوراثة؛ إذ أصبحت قرابة الدم أساسا له، ليتعذر حرمان الأطفال من الإرث، إلا حسب قواعد ثابتة. فضلا عن ذلك اعتبر التبني محاكاة للطبيعة لا يخالفها (مدونة جستنيان، ص 25، ص 26).
وجه جوستنيان اهتمامه إلى جامعات القانون للحفاظ على مثل هذه الأعمال التشريعية وأخرى كثيرة، وأولاها عنايته، وكان معظمها قد أغلق، ونتيجة لجهوده ازدهرت ثلاث جامعات للقانون؛ واحدة في روما (مهد القانون)، والثانية في القسطنطينية، والثالثة في بيروت . فجعل من القانون مادة تدرس في الجامعات والمعاهد.
حاول جستنيان، بعد تفشي الطاعون في أرجاء الإمبراطورية البيزنطية، حماية عاصمته القسطنطنية من خلال سن مجموعة من القوانين تهدف إلى عزل كل شخص قادم من أماكن تفشي الوباء، كما يتم تنظيفهم في مراكز خاصة حتى يتم التقليل من احتمالية نقل المرض.
توفي جوستنيان عام 567 بعد الميلاد.
راجع (ي) الكتب التالية:
1/ جوستنيان، مدونة جوستنيان في الفقه الروماني، ترجمة؛ عبد العزيز فهمي، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 2005م.
2/ غنيم اِسمت، إمبراطورية جستنيان، دار المجمع العلمي بجدة، 1977م