على المقاس.. حين تصير الحرب طريقًا لصناعة السلام
الكاتبة الصحافية نادية الصبار
باحثة في علم السياسة والقانون الدستوري
توطئة
بالأصل كان هذا العمل في إطار التحضير لفكرة فيلم وثائقي من خلال لجنة كتابة وثائقيات تحت إشراف المخرج ومدير عام مؤسسة إبداع للسمعي البصري السيد الطاهر عبدلاوي ومن تاطير الكوتش والمدرب أبو ياسر الركراكي. والتي لم تر النور لأسباب… فأردتها على الأقل أن لا تبقى حبرا على ورق، فإن انعدم التصوير والتجسيد فلا بأس بالنشر بعد التقويم.
لقد اعتمدت في كتابتي للفكرة مجموعة لا يستهان بها من المقالات والكتابات هنا وهناك وتابعت بانتباه شديد العديد من الحوارات على الفضائيات، كما أنها مسيرة من التأمل قل حجمها أو كبر؛ فهي أرق قاهر ممتد. أما مناسبة النشر فلقرب موعد الاحتفاء باليوم العالمي للسلام. فعن أي سلام نتحدث ؟!
دعونا نتحدث عن السلام…
السلام؛ التيمة
السلام؛ التيمة التي صارت على كل لسان وموضوع الرسائل والأطروحات و نص البرامج والحلقات على القنوات المحلية والفضائيات ، ومادة دسمة على المنابر ووسائط الإعلام، ونشاطا لكل منظمة أو هيئة تنشد السلام، لما له من قيمة في عصر تعالت فيه أصوات تنادي بتعزيز ثقافة السلام. فالجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت بيانا نصت فيه على أن العقد الأول من هذا القرن هو عقد دولي لثقافة السلام.
السلم و السلام فكرة قديمة منذ الأزل ، جنحت إليه الجماعات الإنسانية منذ عهد سام، و هو من سلم يسلم ؛ و المصدر سلم و سلام بمعنى تجانس وتآلف بعيدا عن العنف والعداء والحرب ، فهو اتفاق متعدد الأطراف غالبا ما يتم بعد الحروب والصراعات رغبة من الفرقاء في إيجاد حل سلمي وآمن. هذا بحسب الأدبيات التي أطرت مفهوم السلام ، لكنه مفهوم يخفي بين حناياه مفاهيم أخرى غير ما سوقته أبواق الإعلام و مهدت له الطرق والكتبان.
لمحة تاريخية موجزة
لا يمكن وبأي حال من الأحوال نكران الرغبة الملحة للذين جنحوا للسلم والسلام على مر التاريخ والتي استدعتها رغبة صادقة في إنهاء الحرب و كف الأذى و ايجاد حل وسط بين المتنازعين حول ما كان محل تنازع، فالسلام صناعة إنسانية رامتها الجماعات البشرية؛ فالعصبة الامفكتونية التي تحظر على أي مدينة إغريقية العداء على مدينة أخرى أو نهبها أو منع الماء عنها مهما كان الباعث والذريعة ، بل الأكثر من ذلك فقد تم ابتكار الألعاب الأولمبية لحفظ السلام بين مختلف المدن_الدول الإغريقية .
يخبرنا علماء الآثار عن أول معاهدة سلام مكتوبة على لوح طيني وقعها الفرعون سيتي والحيثيون بعد حرب طويل مداها، هذا وبالعصور الوسطى وحينما بدأت تنهار بنى الدولة الرومانية تدخلت الكنيسة فحرمت القتال في أماكن معينة وبفترات معينة، وتدعى هذه الفترات بهدنة الله وسلام الله…
السلام والأديان
كما وجبت الإشارة إلى أول وثيقة مكتوبة : “وثيقة المدينة” كأول اتفاقية يوقعها رسول الله (ص) و التي تعطي ذات الحقوق للكتابيين مثلما المسلمين، هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن السلام ضمنته الكتب السماوية، فكل الأديان بما فيها اليهودية و النصرانية والإسلام ؛ دعت للسلم و السلام، فالسلام من أسماء الله الحسنى كما أن لفظ السلم والسلام ذكر بالقرآن الكريم مائة و ثلاثين مرة يقابلها فقط ست مرات للفظ الحرب، بل أكثر من ذلك فالسلام تحية عند المسلمين و اليهود “السلام عليكم”…
هذا و لا يجب أن ننسى أن ديانات وثنية كالبوذية والهندوسية تدعو تعاليمها هي الأخرى للسلام الذي يتأتى من خلال اتباع تعاليم بوذا عند البوذيين ، ليرتبط لدى الديانة الهندوسية بعناصر الطبيعة المختلفة من شجر وحجر وسماء وأرض ونجوم وكواكب، إذ يسيطر اعتقاد بأن غاية الحكمة هي الحصول على السلام في كل زمان ومكان . فالتعايش والسلام ليسا جديدان ، لكن الجدة في تطور أساليبه و طرائقه واختلاف غاياته وأهدافه واستراتيجياته.
صناعة السلام
فالموضوع إذا ؛ ليس غوصا في التاريخ و كرونولوجيا الأحداث و لكنه ينصب على حقبة بات فيها السلام صناعة قائمة الذات، فبعيدا عن يوتوبيا السلم و السلام فنحن أمام صناعة قائمة الذات ، تحمل عنوان ” صناعة السلام “. لامحالة؛ لهذه الصناعة من صناع، قادة، مدربون، فنيون، دعم، تمويل، خطة، لوجستيك، كتائب جند مجندة لخدمة السلام، بيد أن الواقع قد يكشف عن مزاعم للسلام ليس إلا… وما اهتمامنا بها إلا محاولة خجولة لتسليط الضوء على خبايا هذه الصناعة الخفية وصناع السلام فصناعة السلام حسب مراكز القوة. وبطبيعة الحال لا يمكن الحديث عن السلام دون استحضار القضية الفلسطينية والسلام مع اسرائيل. فالسلام مع إسرائيل تقابله استراتيجية السلام عند العرب، فلابد من العروج على ما اسميته تجارة السلم والحرب من خلال متوالية تدفع من خلالها لوبيات حاكمة وضاغطة بالعالم وذات رساميل كبيرة وصناعات رائدة على رأسها صناعة السلاح، تقوم فيها بإثارة القلاقل والفتن والنزعات العرقية والمذهبية لتشتعل الحروب بين الفرقاء فيزيد الإقبال على شراء الأسلحة… فحروب فدمار فتدخل من القوى الحاكمة فيما بعد وتحت لواء للأمم المتحدة والمنتظم الدولي وعبر قبعة ورداء السلام لحل السلام بالمنطقة، تدعوهم لوقف الحرب لطالما هناك مصلحة، وبعد أن يستتب الأمن تحضر القوى ذاتها لإعادة الإعمار الذي تسخر له شركاتها المجهولة الاسم والمنتشرة بكل بقاع المعمور… و المنتصر دائما هنا من له القدرة على التحكم بالمبيعات وفن التسويق واللوجستيك وترسانة قوية ومتحكم بها وممولة حملاتها الدعائية…
هذه المتوالية تتكون من متقابلات: إشعال الفتن فالحرب فإخماد الحرب عبر منظومة السلام، وللقضاء على مخلفات الحرب والتي يكون الدمار سمتها الأساسية تطلب تدخلا لمحاولة ما أفسدته الحرب من خلال الإعمار. وهنا نجد ترسانة من الوسائل التي تستخدم كأسلحة باردة أو خفية إن صح القول : المنظمات الناشطة في السلام والإعلام الموجه… ). و هنا وجب التمييز في الحروب بين الحرب المباشرة ( فالولايات المتحدة الأمريكية شاركت مباشرة في 27 حربا منذ 1945 ) والحرب غير المباشرة أو الحرب بالنيابة (المعسكر الشرقي و المعسكر الغربي).
السلام مع إسرائيل
صرح نتنياهو باحدى المناسبات وقال ما معناه “السلام مع فلسطين متعثر لأن إسرائيل لم تتمكن من الوصول إلى نقطة القهر المطلق، وكذلك الحال مع سوريا ولبنان ” … مما يوحي بمفهوم آخر للسلام وهو السلام بالقوة، والذي نجحت فيه إسرائيل مع مصر( العدوان الإسرائيلي على مصر) والأردن،-دون أن ننسى الحروب بقيادة الدول العظمى بالعالم التي قادتها ضد دول الشرق الأوسط: الحرب على لبنان والحرب في العراق الذي لم يبق منه إلا الاسم، الاقتتال الداخلي المتصاعد في الصومال ، معضلة دارفور بالسودان سوريا واليمن… –
لقد طالبت مصر والأردن بالسلام مع إسرائيل ووقعتا عليه مما جعلهما في مأزق، أي نعم؛ إسرائيل لا تشعل الحرب ضد مصر والأردن كل دلك مقابل ألا تعكر الدولتان صفو المشروع الإسرائيلي، فهذا السلام المشروط مع إسرائيل يعني استكمال إسرائيل لمشروعها الاستيطاني في فلسطين و بالقوة وبكل الوسائل المتاحة من تشريد وتهجير وتقتيل للشعب الفلسطيني وتهويد للقدس … فما قامت به ضد شعب فلسطين داخل من وجهة نظر القانون الدولي خانة جرائم الحرب وضمن خانة جرائم الإبادة .
فهو مشروع سياسي بالأساس، ففي الوقت الذي تستمر فيه إسرائيل في استكمال مشروعها بعد أن أصبحت اللاعب الوحيد في المنطقة ، بحيث رتبت خطتها وفق سياسة الباب المفتوح الذي تستنكر فيه أي نقد ضدها ولا تتوقع أي إجراء عربي ضدها، مع توجيه الأنظار نحو الخطر الإيراني على حساب السلام مع إسرائيل، ويلعب الإعلام الموجه هنا دورا كبيرا في توجيه الشعوب و تدجينها و تهجينها وإفراغها من التشنج وامكانية رفض التطبيع مع إسرائيل وإلهائها وتشتيت تركيزها عن القضية المحورية و البؤرية.
الخيار الاستراتيجي الفلسطيني
يقابل السلام مع إسرائيل الخيار الاستراتيجي الفلسطيني وإذ السلام مع إسرائيل ليس الخيار الوحيد فإن الخيار الاستراتيجي هو الأوحد، فإسرائيل مستعدة لتغيير خطتها وخطها السياسي متى تطلب مشروعها الصهيوني الاستعماري الاحتلالي الاستيطاني ذلك. ففلسطين وبقيادة سعودية وفي ظل عجز وانهيار السياسات العربية وتشتت الصف العربي والآمال التي خيبتها القمة العربية التي لم تعكس هموم ولا آمال الشعوب العربية بل عكست إرادة قادتها المتواطئين والتي أسقطت أي؛ القمة العربية كل الخيارات إلا الخيار الاستراتيجي كخيار مشروط ومدفوع في محاولة لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي وإحلال السلام المزعوم. وهنا بات السؤال مطروحا و بشدة هل سينجح السلام مع إسرائيل الذي هو مصلحة حاسمة لإسرائيل و حاجة ملحة لفلسطين و شتان بين الملح والحاسم ؟!
لقد أثبتت التجربة ضعف الصف العربي المنقسم على نفسه وهشاشة القوة العسكرية وتواطأ بعض القيادات العربية مع الكيان الصهيوني، بعد أن كان بالأمس القريب التنديد العربي رسميا وشعبيا وكانت المطالب العربية تصرعلى محاكمة إسرائيل وطردها من الأمم المتحدة وكانت اللاءات العربية كلها ضد التطبيع . هذا كله قد لاينفي قيام المقاومة الشعبية والرفض الشعبي للتطبيع، فالتاريخ القومي الموغل في النفسية العربية التي تحمل الكثير من الآلام والنكبات والنكسات المتتالية، أضف ؛ تنامي الجماعات الإسلامية والمد الإسلامي قد يقف حجر عثرة أمام التطبيع …
إحلال السلام بالقوة
نعود للحديث عن منطق إحلال السلام بالقوة ؛ فالولايات المتحدة الأمريكية حليفة إسرائيل لا تخرج عن السياق نفسه بسيناريوهات مختلفة و ما خطاب ترامب إلا كاشف و فاضح للعبة السلام التي يتحكم بها الأقوياء ، بل كان بلهجة واضحة مباشرة ، يقول دونالد ترامب :”مع كل قرار أو تصرف نحن نضع أمريكا أولا ، في الوقت الراهن نحن نعمل على إعادة بناء أمتنا و ثقتنا إضافة إلى مكانتنا في العالم ، لقد تحركنا و بصورة سريعة لمواجهة التحديات بشكل مباشر ، عدنا للاستثمار في ميزانية الدفاع ، ما يقارب أكثر من 700 مليار دولار للسنة المقبلة ، و نحن نتطلع إلى قوة مميزة ستقود إلى سلام طويل و خارق للعادة ، سنقدم لنسائنا و رجالنا الشجعان الدعم الذي يستحقون ” . انتهى الكلام ، -نشرته قناة الحرة يومه الثامن عشر من سنة 2017 -.
هذا الصراع الممتد في الزمان و المكان و الأشكال لا يمكن و الحل على ما هو عليه ؛ الحسم فيه بمنطق الضربة القاضية لذلك لا بد من استعادة التجربة التاريخية التي دخل فيها العرب عموما و الفلسطينيون خصوصا لمواجهات غير محسوبة و سابقة لأوانها كما فعل العراق … فالحرب بالقوة و أسلوب المواجهة ليس من مصلحة العرب و إن وجدت الإرادة الملتفة و الصف العربي الموحد أنى وجد ، فلن يخرج من بين الحطام و الركام إلا الخضوع و الاستسلام إلا ما كان من إجابات لا تشكل إلا ايديولوجية قصير مداها ” النضال و المقاومة و سنرى “…
إحلال السلام بالسلام
بيد أن السلام بالسلام وارد و ممكن و متاح ألا و هو سلاح المقاطعة للمنتوجات الإسرائيلية و لا بد هنا من الاطلاع على تجارب سباقة ، فالهند هو أكثر البلدان التي خضعت للاستعمار البريطاني ، و تحت القيادة الحكيمة للزعيم غاندي تمكنت الهند من التحرر و الانعتاق من ربقة الاستعمار البريطاني الغاشم بواسطة السلم و إحلال السلام بالسلام عن طريق الوسائل المتاحة، سلاحها في ذلك : العصيان المدني والمقاطعة عن طريق رفض دفع الضرائب ووقف المعاملات التجارية مع بريطانيا .
كما نجح نيلسون مانديلا بقيادته الحكيمة وبتلاحم لحمة الشعب ووحدة الصف إلى إسقاط نظام الابرتهايد ( الميز العنصري )، و الأمثلة التي نجحت في إحلال السلام بالسلام كثيرة؛ يمكن العودة إليها والنهل من معينها لابتكار وابتداع حلول سلمية عدا المواجهة المباشرة والمجابهة الخاسرة أو القبول بخيار استراتيجي أوحد بسيناريو واحد لا ثاني له، سيناريو مشروط ومدفوع، لا يراعي إلا مصلحة واحدة هي مصلحة الأقوى ومنطق رابح خاسر. فإذا كانت صناعة السلام بالقوة هي إحلال للسلام عبر منطق القوة، تبقى صناعة السلام بالسلام وإحلاله بطرق آمنة بعيدا عن لغة العنف والصاع بالصاعين هي لعبة الأذكياء وفن قبل أن يكون صناعة، فإن غابت القوة و السلاح؛ حضرت اللحمة والإرادة.
ولا أفضل مما عبرت به عن هده اللحمة من نثيرتي بعنوان ” سألقاك ”
سألقاك ياعربي
لك ودي ومحبتي
في عروقي لبني عرقي
سنجدد عهدا
اغتصبه عدوي
وبالذهب الأسود
صرت تجارة
وأرضا للمناورة
بل؛ رقعة شطزنج
ضللنا الطريق
أخدوا الربيع
قبل الخريف
وعلى ناصية الطريق
وئدت أحلامي
أسكروني
فالمرطبات سقوني
شبكات واتصالات
ومع الدردشات
طالتني الهلوسات
فأقمت الزفاف
على رصيف الأموات
ورقصت على الأضحيات
ونسيت أني الضحية
وأخي كبش فداء
سألقاك
لنقول لا
للتبعية للعدوانية
لوحشية الألفية
سنشهر السيوف
سنقرع الطبول
فتصل أصداؤه الجدوع
أحشائي ملآى بخبثهم
سألقاك ياعربي
يا عراقي يا يمني
يا سوري يا فلسطيني
لنشعل فتيل همة مبتور
أفق وأفقني من غفلتي
شد على عزيمتي
واذكر عروبتي
وإن استلبت فهي السمراء
وإن اغتصبت فهي العذراء
يا ابن الملة والاسلام
فعهدنا لا يغيب
وشامة على كاهل
هو البدر دائم الطلعة
فلا خضوع لغير الله