حزب العدالة والتنمية.. لمحة تاريخية عن دور الفكر والمفكرين
ذ. عبد المولى المروري
شعاري فيما أكتب: انتمائي للحزب لا يمنعني من انتقاده، وانتقادي له لا يعني أنني ضده.
1/ غياب البرامج التكوينية والتأطيرية: الواقع، الآثار والحلول
أ – الواقع:
ب – الآثار
ج – الحلول (لمحة تاريخية قبل الحلول)
بعد أن تحدثت في المقال السابق عن واقع الحزب في غياب برامج تكوينية وتأطيرية وآثار ذلك على تدني وعي مناضلي الحزب وانخفاض مستوى نضالاتهم وضعف ارتباطهم ب ” فكرة ” الحزب ومشروعه الإصلاحي.. سوف أخصص هذا الموضوع لطرح مساهمة متواضعة ومقترحات حلول لهذه “الأزمة” ربما تجد لها آذانا صاغية وطريقا سهلا وسالكا نحو التنفيذ، مع انفتاح هذه المساهمة على أي نقد أو رأي أو إضافة أو تعديل.. لأن ما يهمني ابتداء وانتهاء هو أن يكون للحزب أطروحة سياسية واضحة ومتقدمة، ومشروع فكري متنور يجيب على إشكالات الوطن ويجد له حلولا واقعية، وبرنامج ثقافي مكتوب يستجيب لحاجيات المناضلين ويزيد من مستوى تكوينهم وثقافتهم، ويجتمع عليه أعضاء الحزب دراسة وتكوينا وتأطيرا، قابلا للتنفيذ منفتح على التطور… وفي مستوى طموحات مناضلي الحزب وتطلعات الشعب المغربي.
وأهم ما يجب أن نسلم به أن كل الحركات الإصلاحية والثورية عبر التاريخ الإنساني ( سواء كانت رسالة سماوية، أو دنيوية أو وثنية أو لادينية …) كانت تتمحور حول فكرة تستهوي الناس ويجتمع حولها المؤمنون بها، ومشروع إصلاحي مستوحى من تلك الفكرة، يعمل مناصروها على تنفيذه سواء بالقوة والحرب، أو بالإقناع والسلم… وهذه الأفكار والمشاريع الإصلاحية لا تتولد من تلقاء نفسها، بل ينتجها مفكرون ومثقفون وفلاسفة سبقوا أو عاصروا الفترة التي انتشرت فيها أفكارهم وتحولت إلى مشاريع نفذها مريدوهم وأتباعهم بطريقة أو بأخرى.
وهذه الحقيقة التاريخية ظهرت إلى الوجود الإنساني منذ أن أنزل الله آدم وحواء إلى الأرض.. ومرورا بالأمم والحضارات التي تعاقبت على الإنسانية، سواء مع الحضارة الفرعونية التي كان جزء منها مرتكزا على الأساطير والخرافة وهيمنة الكهنة على عقول الناس، مع إبداع فريد من نوعه في مجالات الرياضيات والهندسة والفلك والطب.. وغياب أي أسماء فكرية أو فلسفية أو قادة سياسيين دينيين جمعوا بين الفكر والسياسة ( ربما تم إقبارهم تاريخيا بسبب الاستبداد الفرعوني) باستثناء أخناتون الذي غير بعض المفاهيم الدينية السائدة في ذلك الوقت والتي حول المعتقد الديني من تعدد الآله إلى إله واحد ليستجمع السلطتين السياسية والدينية بين يديه، وكذا الاستثناء الوارد على أنبياء الله في تلك المرحلة، وأبرزهم يوسف عليه السلام التي جمعت رسالته بين الفكر الاقتصادي ( إخراج مصر من أزمتها الاقتصادية ) والفكر السياسي ( وضع حد للكهنة المهيمنين على الحياة السياسية ) ضمن الإطار الديني بنشر الوحدانية والقضاء على الوثنية بدعم كبير من فرعون ذلك الزمان، وموسى عليه السلام الذي خاض صراعا سياسيا (ضد الاستعباد والقهر ) ودينيا مع فرعون ( ضد الوثنية وألوهية فرعون ).
وسواء مع فلاسفة الإغريق الذين ركزوا في انتاجاتهم الفكرية على العقل والمنطق لفهم الطبيعة والكون والعلاقات الإنسانية وتنظيمها ( لم يذكر التاريخ ظهور أنبياء عند الإغريق )، وكان من أبرزهم أبو الفلسفة الإغريقية طاليس الملطي وأناكسيماندر وفيثاغورس وإيمبيدوكليس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وهوميروس الذي خلد رائعته ” الإلياذه ” في وصف حرب طروادة، والقائمة تطول… والذين في عهدهم ظهرت الديمقراطية القائمة على التصويت في أثينا، وتطورت مع سولون وكليسثنيس، وعرفت أطول مدة وأزهرها مع بروكليس … مع ظهور انتكاسات مع المقدونيين قبله، وثورات الأولغاركية بعده.
وسواء مع الحضارة الرومانية القديمة التي عرفت عددا من الفلاسفة نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر : ماركوس توليوس سيسرو المولود سنة 106 قبل الميلاد، وقد كان فيلسوفا وشاعرا ومحاميا وسياسيا وعسكريا . لونجينوس وهو فيلسوف عاش بين القرن الأول والثالث الميلادي وينتمي إلى روما القديمة . بليناس الحكيم الذي ولد سنة 15 تقريبا وتوفى عام 100 . نيقوماخس الجراسيني وهو فيلسوف ورياضي، ولد سنة 60 وتوفى 120، وينتمي إلى روما القديمة .
وفي العصر الجاهلي قام بدور الإنتاج الفكري والفلسفي العديد من شعراء هذا العصر من قبيل طرفة بن العبد وامرؤ القيس والنابغة الذبياني وزهير بن أبي سلمى وعنترة بن شداد الذين كان شعرهم ومعلقاتهم عبارة عن حكم وتصورات عن الحياة والوجود والعلاقات، فضلا عما تبثه من حماس وتوجيه … فكان هؤلاء الشعراء هم مفكرو وحكماء وفلاسفة هذا العصر رغم واقع تخلفه الحضاري مقارنة مع أمم ذلك العصر.
ولقد كان لظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي تأثير واضح ليس على شبه الجزيرة العربية فحسب، بل على البشرية جمعاء، وقد خاطبت تعاليم الإسلام عقل الإنسان وفكره ووجدانه وجوارحه، وكان القرآن الكريم ذلك المرجع الذي جمع بين صفحاته كل ذلك ( أفلا تتفكرون، أفلا تعقلون، أفلا تبصرون…)، ولكن كيف تعامل المجتمع الإسلامي الحديث مع القرآن والسنة؟ وهل توقف تعامل المسلمين مع ذلك في حدود التنزيل والامتثال، أم دخلوا في حركة ثقافية وفكرية وعلمية واسعة ومتقدمة أخذت أبعادًا عالمية؟
لقد بدأت الحركة الفكرية والعلمية مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مفسرين ومؤولين ومحدثين ومجتهدين، وواضعين لقواعد وأسس حركة علمية وفكرية جديدة، انتقلت إلى عهد التابعين وبدأت بتقعيد علم النحو مع التابعي أبو الأسود الدؤلي، ثم فقهاء التابعين من قبيل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير بن العوام وسليمان بن يسار ومحمد بن علي بن أبي طالب وعمرو بن دينار وغيرهم …
ثم انتقلت الحركة الفكرية والعلمية إلى العهد الأموي حيث ظهرت حركة تعريب العلوم اليونانية والقبطية في عهد عبد الملك بن مروان، وبداية اهتمام بالعلوم الطبيعية مع خالد بن يزيد بن معاوية الذي ألف بعض الكتب في المجال من ضمنها ” كتاب الحرارات “، ولكن العصر الأموي اهتم أكثر بالشعر والأدب والقصص، وكان لهذا الاهتمام دور كبير في حماية اللغة العربية وتقويتها ونشرها لتكون فيما بعد لغة علم وازدهار للإنسانية.
ولقد عرفت الحركة العلمية والفكرية أوجها وقمتها في عهد العباسيين، إلى ان وصلت إلى العالمية، بظهور علماء كبار في كل تخصصات ذلك العصر، في الرياضيات ( أبو بكر الكرخي، محمد بن موسى .. ) الفيزياء (الحسن بن الهيثم) الكيمياء (جابر بن حيان)، الطب (ابن سينا)، الفلسفة ( الكندي وابن سينا والفرابي والشيرازي… ) ولا يوجد فرع من فروع العلم إلا وتجد فيه عالما من علماء المسلمين في العصر العباسي الذي امتد من 132 ه / 750 م إلى غاية 650 ه / 1258 م .
وامتدت الحركة العلمية والفكرية إلى المغرب الإسلامي مع ابن رشد وابن خلدون ووصلت إلى غاية أوروبا.. غربا مع الدولة الأموية والدولة الموحدية والمرابطية، ثم شرقا مع الدولة العثمانية…
ولم تساهم الحركة العلمية والفكرية في نشأة الدولة الإسلامية فحسب، بل ساعدتها على التوسع والامتداد في ثلاث قارات، والاستمرار إلى ما يقارب 13 قرنا، مع ما اعترى كل هذه الفترة من تقلبات وصراعات تسببت أحيانا في تخلف الدولة الإسلامية، وأحيانا في تقدمها وازدهارها… إلى غاية سقوط الخلافة وزوال ما يسمى بالدولة الإسلامية.
وخلال القرن 15 الميلادي بدأت أوروبا تأخذ بزمام الحركة الفكرية والعلمية التي عرفت خلال هذه الفترة العديد من الثورات الشعبية والحروب الأهلية والإقليمية، وكان حينها للفلاسفة والمفكرين دور محوري في تأجيج وإشعال هذه الثروات قبل أن يكون لهم دور في استقرار مجتمعاتهم وأنظمتهم الحاكمة.
فمعظم الحركات الإصلاحية أو الثورية التي قادها زعماء سياسيون استلهمت أفكارها من مفكرين وفلاسفة، فمن أطلق الثورة الدينية على فساد الكنيسة في أوروبا؟ أليس الراهب والمفكر مارتن لوثر في ألمانيا الذي قام بتعليق الرسائل الخمس والتسعين على باب كنيسة ويتنبورغ سنة 1517، لتنطلق بعدها حركة الإصلاح الديني، وجاء بعده جون كلفن بفرنسا وأولريخ زونجلي بسويسرا … وما هي الخلفية الفكرية للثورة البولشيفية في الاتحاد السوفياتي التي قادها لينين، أليست نظريات ماركس السياسية والاقتصادية، ما هي الخلفية الفكرية للثورة الصينية التي أطلق عليها الثورة الثقافية بقيادة ماو تسي تونغ، ألم يكن المفكر لو شيون هو القائد الرئيسي لهذه الثورة وبعده مفكر الحزب تشانج تشون شياو، والأمر نفسه ينطبق على كل الدول والأقطار التي عرفت ثورات وحركات إصلاحية، فكانت أحيانا سلمية وهادئة، وأحيانا أخرى جذرية ودموية…
فالحركة الفكرية والثقافية، كقاعدة عامة وثابتة، تكون منشأ ومبتدأ أي حركة تغييرية وإصلاحية، أو تكون مساهما رئيسيا فيها، كما تكون سببا في استثبابها واستقرارها واستمرارها… وهي السبب في انطلاق وازدهار سائر العلوم والمعارف، فكلما ازدهرت الحركة الفكرية والإنتاج الفكري إلا وكان ذلك سببا في انتشار الوعي الشعبي وازدهار العلم واستقرار الوطن، وكلما تراجع الفكر وأفل إلا وكان ذلك مقدمة لتراجع الوطن وأفوله…
لا يمكن أن نحدث أي إصلاح أو تغيير دون الرفع من مستوى وعي ونضج الجماهير، وهذا لن يتأتى إلا بحركة فكرية وثقافية يقودها مفكرون ومثقفون ملتزمون ومتنورون، يمتلكون مستوى عال من الموضوعية والتجرد والجدية والمسؤولية، دون خوف أو وجل من السلطة، أو تزلفا وتملقا إليها.
وهذه القاعدة لا تهم فقط الدول والبلدان، بل تشمل أيضا المنظمات والمؤسسات وكل الحركات التغييرية والإصلاحية وغيرها. لأن الحركة الفكرية والثقافية تشمل عناصر التنبيه والتوجيه والتحفيز والاستنهاض والحركة والإبداع والابتكار، وكلها أسباب ومقدمات للتغيير والإصلاح إذا كان ذلك همها وهدفها …
فهل غابت هذه القاعدة عن حزب العدالة والتنمية وقادته؟
هل ينظر الحزب للحركة الفكرية والثقافية على أنها مجرد ترف وعمل ثانوي وشكلي؟
لماذا لم يعمل الحزب على الاستثمار في العمل الفكري والثقافي والتركيز عليهما إلى جانب تركيزه على العمل السياسي والانتخابي؟
أين مفكرو ومثقفو الحزب؟ وما هي مكانتهم وأين دورهم فيه؟ وما هي انتاجاتهم ومساهماتهم الفكرية والثقافية في الحقل الفكري والثقافي؟
هل الحزب في حاجة إلى استدراك هذا الفراغ الفكري وعليه أن يملأه بمشروع فكري واضح المعالم والأهداف؟ كيف يمكنه ذلك؟
هذه الأسئلة وأخرى ستكون موضوع مقالي القادم.