الرائدة في صحافة الموبايل

الماروري.. “الانتخابات.. هل هناك أمل أخير؟”

العملية الانتخابية هي – فقط – تتويج لمسار طويل من الإصلاحات متعددة الأبعاد والمداخل والمجالات، ولا يمكن أن تكون هي المدخل الطبيعي لأي إصلاح مجتمعي أو سياسي.

فكيف يمكن أن تجرى انتخابات معقدة بهذا الشكل في ظل دولة تهيمن عليها السلطوية، وتقليدية على مستوى مؤسساتها وهياكلها ونظام حكمها؟ كيف ستكون هذه الانتخابات في ظل مجتمع غارق في التخلف، وشعب يعاني نصف سكانه من الأمية والفقر؟ كيف ستكون هذه الانتخابات مع وجود أحزاب بدون مشروع نهضوي، بل يغلب على عمل جلها الطابع الموسمي، واستعمال المال بدل البرامج والمشاريع من أجل جلب أصوات الناخبين؟ كيف ستكون هذه الانتخابات مع غياب كلي لأي عرض سياسي قوي وواضح ومؤثر؟ وفي ظل ساحة فارغة فكريا وثقافيا؟

هل سترفع هذه الانتخابات ونتائجها من مستوى وعي الشعب؟ وهل سترفع من منسوب نضجه وفكره؟ ما هي نسبة تأثير هذه الانتخابات ونتائجها على حياة الناس المعيشية وحريتهم وكرامتهم؟ هل ستحسن من مستوى معيشتهم؟ هل ستوسع هامش الحرية لديهم؟ هل سترجع لهم كرامتهم المهدورة؟

في رأيي إن إنفاق كل هذا الجهد والوقت والمال، وكل هذا التباري والتنافس والتسابق ، من باب أولى أن يتجه نحو بناء الإنسان والرفع من جودة تعليمه والارتقاء بمستوى وعيه والعمل على تثقيفه وتكوينه من خلال حركة فكرية وثقافية واسعة وثورية، تثور على الأنماط الفكرية التقليدية التي تشتغل تحت سقف السلطوية ولا تتجاوزه خوفا أو تملقا، وأن تعمل هذه الحركة على تحرير عقله من الجمود والتخلف، وقلبه من الرعب والخوف، ونفسه من الوهن والشعور بالدونية.

الأولوية الآن لنهضة ثقافية عامة يقودها مفكرون وفلاسفة وعلماء من مختلف التخصصات الإنسانية، وجودة تعليمية عالية يقودها علماء وخبراء التربية والتعليم، تبني الإنسان الحر المستقل المتشبع بثقافة السيد المسؤول، وحرية فكرية حقيقية تتسع لجميع الآراء والأفكار دون حجر أو تضييق، في أفق توجه جماعي شعبي نحو إصلاحات سياسية ودستورية حقيقية، واعية وعقلانية، وهنا تأتي مرحلة السياسيين والفقهاء الدستوريين لقيادة هذه المرحلة، وحينئذ يمكن أن يكون للانتخابات دور ومعنى.

ورأيي أن هذه الانتخابات دون ما ذكرت ما هو إلا عمل شكلي الإطار، ظرفي التأثير، سطحي في حياة الناس وواقعهم، بعيد عن همومهم ومشاكلهم الحقيقية، يكرس واقع الانتهازية والنفعية ويرسخ ثقافة العبودية والتبعية العمياء والولاء الغبي للأشخاص والمال.

وطبعا هنا لا أدعو إلى مقاطعة هذه الانتخابات، بل أنبه الصادقين في خدمة هذا الوطن، من أحزاب وسياسيين، وكذا المواطنين والناخبين إلى ضرورة العلم بالسقف السياسي الذي تُجرى في هذه الانتخابات، وإدراك الحدود القصوى في التغيير والتأثير، وللأسف تؤكد كل المؤشرات أنها لا ولن تتجاوز الحد الذي وصلت إليه الحكومتين السابقتين، ولا سيما مؤشر النظام الانتخابي والقاسم الانتخابي الجديد/الغريب.

أنا لا أدعو إلى مقاطعة الانتخابات، وإنما أنبه الأحزاب السياسية، خاصة حزب العدالة والتنمية الذي أنتمي إليه، إلى عدم المبالغة في التفاؤل وتسويق آمال عريضة تبشر بإصلاحات وإنجازات كبيرة تحقق طموحات وآمال الشعب المغربي، والحال أن صلاحيات الحكومة تظل محدودة، وأحيانا عاجزة وغير مبادرة في ظل واقع سياسي مُتحكم فيه مخزنيا، ودستور يجعل دور هذه الحكومة استشاري أكثر منه تنفيذي، ويجعل دور رئيس الحكومة ووزراءه ثانويا وتابعا، ودون مستوى وزير الداخلية، هذا الأخير الذي يتفوق على رئيسه نفوذا وتأثيرا.. فإذا لم يعالج هذا الخلل في بنية الحكومة وتراتبيتها وصلاحياتها وفق القواعد الديمقراطية المتعارف عليها دستوريا وفي الدول الديمقراطية ستظل مؤسسة رئيس الحكومة شكلية الوجود ضعيفة التأثير … وستنحصر في البعد التكنوقراطي وليس السياسي… يجب أن ندرك جميعا أن هذه الانتخابات تُجرى تحت سقف سياسي وقانوني منخفض جدا، ولابد من الكثير من الجهد والعمل والتضحيات للرفع من مستوى هذا السقف، هذه حقيقة لابد للسياسي أن يوصلها بكل صدق ومسؤولية للمواطنين… وكلامي هذا لا يحمل معاني التيئيس والاستسلام، بل يحفز على الرفع من مستوى النضال فكريا وميدانيا وسياسيا…

أنا لا أدعو إلى مقاطعة الانتخابات، لأن الحقل السياسي لا يحتمل الفراغ، فحزب العدالة والتنمية الذي لطالما دافع عن قيم النزاهة والمسؤولية، ودعى إلى محاربة الفساد والاستبداد لا يجب أن يكف أو يتوقف عن هذا الدفاع، لأن ذلك إحدى مبررات وجوده أولا، وثانيا لأن الشعب والمجتمع يحتاج هذه القيم دائما. وعلى الحزب ألا يكتفي فقط بإعلان هذه القيم والدفاع عنها، بل عليه أيضا أن يعلن عن حقيقة الواقع السياسي ويكشف للشعب عن عمق الأزمة وأسبابها، والتحديات والصعوبات الواقعية التي تواجهه وتعرقل عمله، وتجعل العمل الحزبي الذي ينشد الاستقلالية في قراراته السياسية يعيش اختناقا وتعسفا في أفق تمييعه وتدجينه…

وبالرغم من الملاحظات التي يمكن تسجيلها على الحزب، سواء تعلق الأمر ببعض مواقفه الأخيرة، أو بخرجات بعض قادته غير الموفقة، أو ببعض تراجعاته في الدفاع عن بعض القضايا التي كان يتقدم فيها عن كل الأحزاب (ليس هنا مجال التفصيل في كل ذلك)، فإنه يظل الحزب الوحيد الذي يحاول الدفاع عن استقلالية قراراته (سواء توفق في ذلك حينا أو أخفق حينا آخر)، الحزب الوحيد الذي ظل يحافظ على مستوى معقول من ديمقراطيته الداخلية، الحزب الوحيد الذي ما يزال يزخر بأعضاء يحملون اسم ” مناضلون ” بالمعنى الحقيقي للكلمة، فما يزال في الحزب ثلة من المخلصين لمبادئه وقيمه ومرجعيته وأهدافه، لا تحركهم مصالح شخصية، ولا تدفعهم أهداف مادية، يعملون بصدق وصمت وتفان.. وهذا النوع من المناضلين يوجد بقدر معتبر داخل حزب العدالة والتنمية، إلا أنه أضحى شبه منعدم عند جل الأحزاب…

وبالرغم من الملاحظات التي يمكن تسجيلها على الحزب، من قبيل صمته على بعض التجاوزات والتراجعات التي همت قضايا حقوق الإنسان، ومحاكمة الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وبعض النشطاء السياسيين، وارتباك الحزب وتخبطه في قضية التطبيع، إلا أنه من باب الإنصاف أن نعترف له بالعديد من الإنجازات ذات الطابع الاجتماعي والتنموي في القطاعات الوزارية أو الجماعات الترابية التي تحمل مسؤوليتها، التي فاقت إلى حد كبير نظيراتها من القطاعات الأخرى، سواء في هذه الولاية أو في الولايات السياسية السابقة… فكل منصف موضوعي لا يجب أن يبخس وزراء العدالة والتنمية ورؤساء الجماعات حقهم في هذا الإنصاف والاعتراف لهم بتميز إنجازهم ونظافة يدهم…

لذلك أرى من الواجب دعم حزب العدالة والتنمية في هذه الاستحقاقات الانتخابية، بصرف النظر عن مقدماتها ونتائجها ومآلاتها، لأن دعم الحزب في هذه المرحلة الحرجة، التي سخرت فيها الدولة العميقة كل إمكاناتها من أجل محاصرته والتضييق عليه وتهميش وجوده وإضعاف تأثيره، وذلك باستعمال الصحافة الصفراء والمرتزقة من الصحافيين، وتكالب كل الأحزاب عليه، سواء تلك التي معه في التحالف أو التي في المعارضة، وعرقلة السلطة للعديد من المشاريع الرائدة في بعض الجهات والجماعات، ومتابعة بعض أعضاءه والتشهير بآخرين، وأخيرا وليس آخرا ابتكار القاسم الانتخابي وغض الطرف عن استعمال المال في الحملات الانتخابية… فأمام ما يتعرض له الحزب من كل هذا، فإن دعمه والدفاع عنه هو دفاع عن المناضلين المخلصين داخله، دفاع عن قيمه ومبادئه ومرجعيته التي يجب أن تبقى حية في الحزب حتى لا يطويها النسيان، أو تذهب ضحية تجاذبات سياسية أو تقاطبات تنظيمية أو حسابات شخصية …

إن آمال الشعب المغربي غير معلقة على هذه الانتخابات، وغير متعلقة بنتائجها، لأنه يعلم أن الدولة لو كانت جادة في ديمقراطيتها ما اخترعت هذا القاسم الانتخابي ودفعت كل الأحزاب إلى التصويت عليه، لأنه يعلم أن الدولة لو كانت موضوعية ومحايدة لأخذت مسافة واحدة ومتساوية عن كل الأحزاب، لذلك فغالبية الشعب غير متحمس لهذه الانتخابات ولا يعلق آمالا كبيرة عليها، بل على الشكل الذي سيظهر عليه حزب العدالة والتنمية بعدها، سيدقق النظر في خطابه، في قراراته، في تحالفاته، في مواقفه، في تموقعه هل مع الشعب أم على هامش الشعب؟ سيدقق النظر في كل شيء أكثر من السابق، هل سيبقى الحزب هو نفسه؟ أم سيعود إلى سابق عهده؟ أم سيخضع لمزيد من التحوير؟ فإذا فقد الشعب الثقة في الدولة وفي هذه الانتخابات فلا يجب أن يفقد الثقة في حزب العدالة والتنمية، فهل سيظل الحزب هو الأمل الأخير.

كتبه ذ. عبد المولى المروري

صورة قديمة بمناسبة حملة انتخابية سابقة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد