كلمة معالي وزير العدل بالملتقى الدولي الثالث حول “المعرفة العلمية في مسار مواجهة التطرف العنيف “
ألقى معالي وزير العدل السيد عبد اللطيف وهبي، اليوم بمقر الإيسيسكو، كلمة افتتاحية بمناسبة تنظيم الملتقى الدولي الثالث حول “المعرفة العلمية في مسار مواجهة التطرف العنيف “، وهذا نص الكلمة كما توصل به موقع دنا بريس:
“بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
حضرات السيدات والسادة الأفاضل
- السيد المدير العام لمنظمة الإيسيسكو ؛
- السيد رئيس المرصد المغربي حول التطرف والعنف ؛
- السيد الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء ؛
- السيد المدير العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج ؛
- السيد رئيس مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد ؛
أيها الحضور الكريم.
يطيب لي أن أستفتح كلمتي هاته، بالإعراب لكم عن الاعتزاز الذي يغمرني في هذه اللحظة التي تعتبر مناسبة لتبادل التجارب والممارسات الفضلى حول موضوع ” دورالمعرفة العلمية في مسار مواجهة التطرف العنيف”.
وها نحن اليوم أمام موضوع جديد، ومواجهة جديدة للإرهاب والتطرف العنيف من منظور جماعي مبني على أسس التعاون والتنسيق و ملامسة القدرة على تعبئة المعرفة العلمية التي تم انتقاؤها لتكون محور هذا المؤتمر الدولي.
حضرات السيدات والسادة
تعد المعرفة العلمية مدخلا أساسيا لتكوين مرجعية سلوكية لدى الإنسان قادرة على تمكينه من تحصين فكره ضد الأفكار والقيم التي تتعارض مع متطلبات العيش المشترك والانتماء إلى مجتمع وطني ودولي يسوده الاستقرار والسلام. وتعد الوقاية من التطرف من خلال مسلك المعرفة العلمية من جملة التدابير المتخذة على المستويين الوطني والدولي في مجال مكافحة الإرهاب والوقاية من التطرف، حيث أن استراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب ما فتئت تؤكد على أن تعزيز الحوار والتسامح والتفاهم فيما بين الحضارات والثقافات والشعوب والأديان، لا بد لتحقيقه من اعتماد خطط وبرامج للتثقيف والتوعية، كما أن خطة الأمين العام للأمم المتحدة المتعلقة بمنع التطرف نادت بلزوم تسليط الضوء عل الدور الذي تلعبه المعرفة العلمية في الوقاية من الخطابات الإرهابية.
حضرات السيدات والسادة
لقد حرصت المملكة المغربية وبعيد الأحداث الإرهابية التي شهدتها مدينة الدارالبيضاء سنة 2003 على نهج مقاربة وطنية مندمجة في مجال التصدي للإرهاب، واليوم يحق لنا أن نفتخر بهذه المقاربة التي أبانت عن واقعية واضحة المعالم والأهداف، على اعتبار أنها مقاربة شمولية فعالة وناجعة تتغيا مواجهة الخطر الإرهابي المتغير، وتصبو إلى تنويع خياراتها بما فيها خيار التدبير الاستراتيجي كحل ناجع وفعال لمواجهة الظاهرة الإرهابية من خلال اعتماد الاستراتيجية الوطنية الشاملة لمكافحة الإرهاب، والاستراتيجة الوطنية للوقاية من التطرف.
حضرات السيدات والسادة
لقد قام المغرب بنهج سياسة جنائية وطنية لمكافحة الإرهاب والوقاية من التطرف، تعكس الجهود المبذولة على المستوى كافة السياسات العمومية، وفق مقاربة تشاركية تكاملية، تحدد معالم وكيفيات التصدي لهذه الظاهرة، وذلك من خلال تعزيز منظومته التشريعية بقوانين وقائية تحصن كيانه من نوازع التطرف والعنف. وفي هذا السياق، اتخذت المملكة المغربية جملة من التدابير القانونية والمؤسساتية وبرامج إعادة التأهيل لفائدة المحكومين في قضايا الإرهاب والتطرف، وتتمثل بإيجاز في سن القانون رقم 03ـ03 المتعلق بمكافحة الإرهاب وتمويله، والقانون رقم 14ـ86 الخاص بمكافحة ظاهرة المقاتلين الإرهابيين الأجانب، بالإضافة إلى إنشاء وتخصيص العديد من الأجهزة الإدارية والقضائية والأمنية والمالية الهادفة إلى ضمان الفعالية والنجاعة اللازمتين لمواجهة الإرهاب والتطرف. كما أن التشريع الجنائي المغربي وتجاوزا للآثار التي تخلفها ظاهرة التضخم العقابي، تضمن آليات تحفيزية هامة لفائدة المحكوم عليهم في قضايا الإرهاب من قبيل آليتي العفو والإفراج المقيد بشروط، والتي تم تعزيزها ببرامج إعادة تأهيل هذه الفئة أبرزها برنامج مصالحة الذي يقوم على مقاربة متعددة الأبعاد، أتاحت للمستفدين منه فهم واستيعاب النص الديني والقيم المجتمعية الصحيحة. كما أفضت القراءة التحليلية لهذه الممارسة الرائدة إلى تسجيل أن تنظيم الحياة العقابية يجب أن تقوم على نحو تمكن المسجون من التفاعل الإيجابي مع المعاملة المقررة له، وذلك بتمكينه من استعمال كل قدراته ومواهبه في تحصيل معرفة علمية تفتح له طريق الحياة داخل المجتمع.

حضرات السيدات والسادة
يشكل التصدي للجريمة والتطرف تحديا جماعيا، يتطلب تنسيقا وثيقا بين كافة المكونات المعنية بمعالجة الأسباب المفضية إلى الإجرام. ولئن كانت التدابير والإجراءات المتخذة في سياق مكافحة الإرهاب تستجيب لمستلزمات الحفاظ على النظام العام، فإن المتغيرات الطارئة على الظاهرة الإرهابية حتمت إيلاء الاهتمام بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المفضية إلى التطرف، وذلك من خلال مواصلة تنزيل الاستراتيجية الوطنية للوقاية من التطرف، اقتناعا بأن معالجة هذه الظروف تعتبر قطب الرحى في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، وتحتاج إلى مقاربات أخرى غير زجرية تعزز الجهود المبذولة في هذا الإطار، وسيكون من شأن المرصد الوطني للجريمة الذي تم إحداثه على مستوى وزارة العدل الإسهام في تقريب كافة العوامل الإيجابية المؤثرة في السلوك الإجرامي ومن جملتها المعرفة العلمية كحل لازم في كل عملية إعادة تأهيل المحكوم عليهم في قضايا الإرهاب والتطرف.
و في ختام هذه الكلمة، لا يسعني إلا أن أتوجه بالشكر والتحية إلى كل من أسهم في تنظيم وإدارة هذا الملتقى العلمي المتميز والذي يعتبر مناسبة لتعميق النقاش بغية استخلاص التوصيات والممارسات ذات الصلة بدور الثقافة والفنون في مكافحة الجريمة والتطرف، آملا أن تكلل أشغاله بالتوفيق والسداد.
والسلام عليكم ورحمة الله.”