الرائدة في صحافة الموبايل

L’Enfant Roi، أو”الصبي صاحب الجلالة”، الذي يعاني من تدفق عاطفي كبير…

الدكتور محمد حماس

L’EnfantRoi، أو”الصبي صاحب الجلالة”، الذي يعاني من تدفق عاطفي كبير…

  • فيكون مجرد صورة نرجسية للأبوين تنعكس على المرآة ليروا فيها طفولتهم القوية التي لم يعيشوها، رغم كل ما يوجهونه من انتقادات لطفلهم.
  • تعاني العديد من الأسر مشاكل جمة بسبب أبنائها، إذ يتحول الأبناء إلى “طغاة” يتحكمون في كل صغيرة وكبيرة بين أفراد أسرتهم داخل البيت وخارجه، فيكتمون أنفاس الوالدين، ويتحول العيش داخل البيت، بسبب هذا النوع من الأطفال إلى كابوس ومعاناة يومية. بل ينتقل سلوك “الطفل الملك” إلى خارج البيت، أي المدرسة والشارع والفضاءات العمومية التي سوف يصطدم داخلها بمقاومة لهذا السلوك غير المقبول، لأنه يلحق الأذى بالآخرين. ويستمر سلوك وطغيان “الطفل الملك” مع تقدمه في السن ليشكل معاناة حقيقية للمجتمع الذي يعيش فيه، ويستمر والداه في مؤازرته والتستر على فضائحه وحتى جرائمه بأن لا تطاله سلطة أو قضاء، عدا إن لقي حتفه في حادث سير أو بسبب جرعة زائدة أو شجار…

“الطفل الملك” تعبير غربي، ليس لأن مجتمعاتنا المتخلفة لا تعاني من ذات الظاهرة، لكن الفرق هو أن هذه المجتمعات الغربية تنتبه لمثل هذه الظواهر وتقتفي أثرها بالدرس، وتخضعها للتحليل المختبري، وهو عكس ما يحدث عندنا، حيث تتفشى العديد من العاهات بين الأسر والمؤسسات التعليمية، دون اهتمام بالتنشئة الاجتماعية الصحيحة للطفل، ليترعرع محملا بهذه المركبات.

  • معاناة “الطفل الملك” .. ووهم القدرة الكلية ..  

حظي موضوع ظاهرة “الطفل الملك”، باهتمام العديد من الكتاب في مجالي التربية وعلم النفس والتنشئة الاجتماعية عامة، نذكر منهم: Robert Merle، و Jean Forton، وAldo Naouri، وغيرهم. فقد أظهر التحليل النفسي أن هذه الشخصية، أي الطفل الملك، ليست وليدة العصر الراهن بقدر ما هي عميقة في التاريخ البشري، وقد تختلف من زمن لآخر، وباختلاف البيئات. وهي شخصية معقدة ترفض القيود والخضوع لأي سلطة كانت. فنجد الآباء يعمدون لإرضاء هذا النوع من الأبناء، الشيء الذي يفاقم مركب التسلط وحب السيطرة الكلية لديه. وينعته Sigmund Freud، “الصبي صاحب الجلالة” Sa Majesté le bébé، للتمييز بين الأطفال والملوك، ويرى فرويد أيضا أن هذا النوع من الأطفال قد يكون مجرد صورة نرجسية للأبوين تنعكس على المرآة ليروا فيها طفولتهم القوية التي لم يعيشوها، رغم كل ما يوجهونه من انتقادات لطفلهم. أو هي عبارة عن وهم مفقود .. وفي واقعنا المعاش، وحتى بين أقاربنا، لاحظنا ذات السلوك، وقد تتبعت عددا غير قليل من الحالات التي لا يستطيع الأبوان رد طلب لطفلهما الذي لم يتجاوز 12 سنة من عمره، وهو يعمد لشتمهما وضربهما أحيانا وتكسير الأشياء الثمينة، ويسعى الوالدان لإرضائه بشتى الطرق وخدمته والتذلل له. ومن الآباء او أمهات من يرتفق هذا الطفل لحضور مناسبات فيجلسه مجالس غير مجالس أقرانه، ويمكن ان يتعرض الأب للإهانة من طرف “الطفل الملك” أمام حشود الحاضرين دون أن يبدي ردة فعل.

ترى المحللة النفسانية الفرنسية Simone Korff-Sausse، أن هذا النوع من الأطفال مدللون بشكل مبالغ فيه، وهم يواجهون مواقف أسرية ومدرسية واجتماعية جد مركبة ومعقدة، فيشعرون بالإحباط والقيود من حولهم، قيود وإحباط يفرضه عليهم البالغون. فالمجتمعات الحديثة زادت من تفاقم وضع هؤلاء الأطفال، وبالتالي، ترى Simone، أن “الطفل الملك” إنما انعكاس لشخصية البالغين في عصرنا هذا(1).

الطفل الملك، يتوهم امتلاك كل شيء، إذ لا حد لسلطته، وتظهر أعراض ذلك بشكل كبير، يمكن ملاحظتها بوضوح، ومنها، عدم التسامح، والشعور بعد الرضا، وعدم ضبط النفس والحركة الدائمة، وهو يعاني من اضرابات سلوكية، ويشعر بأنه قادر على تملك كل شيء …ويسهل كثير توجهه نحو الاكتئاب. 

مشكلة التعليم ، معاناة لا تطاق

لا يمكن إنكار وجود تدفق عاطفي كبير تجاه هذا الطفل-الملك، وهو حب ساهم بشكل ملحوظ في تحويله إلى مستبد، قبل أن يكون ضحية هذا النوع من التربية الأسرية. ويرى العالم النفساني الفرنسي Didier Pleux، أن هؤلاء الأطفال لا يعانون من نقص عاطفي أو مبالغة في تقدير شخصياتهم. إنهم يعانون من إفراط في الأنا، أي الأنا الزائدة، فهم يصبحون أقوياء بشكل كبير، وضعفاء أيضا بشكل كبير، لأنهم يعيشون الوهم، عالمهم وهم لا حدود له(2).

تقع الأسرة موقع الاتهام، لأنها هي المسؤول الأول عن تنشئة هذا الطفل، كيفما كان، لهذا نجد الأطفال مختلفين بين أسرة وأخرى. الوالدان يتحملان كامل مسؤولية تربية الأبناء وتلقنهم المبادئ الأولى للحياة، وهما المسؤولان عن نقاء وصفاء ذهن الطفل وعن مركبات النقص والعقد النفسية التي يرثها من خلال التربية، لتتفاقم خارج الأسرة، أي أن الشارع ووسائل التكنولوجيا الحديثة والمدرسة والمرافق التي سوف يرتادها للرياضة او الموسيقى أو السينما أو … ففي اعتقادنا، إن الشرارة الأولى يحملها معه من بيته الأسري، من والدين، فتنمو وتترعرع محصنة أو غير محصنة. لكن وأمام تراجع دور السرة في السهر على تربية الأبناء على مستوى عدد من المناحي، بداية من الرضاعة الى التربية على القيم، فإنه يمكن انتظار الأسوأ، فنحن نلاحظ تفشي العديد من السلوكات، وأفضل تسميتها بالعاهات والأعطاب، التي استشرت في مجتمعنا، ليس مجتمعنا وحده بل جل المجتمعات في مختلف بلدان المعمور، وهي عبارة عن ظواهر، اعتقد أنها إفرازات المدنية الحديثة، إذ أضحت الحكومات تهرول نحو وفرة الإنتاج وأدارت ظهرها للتربية والتنشئة، بل أن العديد من المنتوجات تحيق الأذى بالأجيال الصاعدة. ثم إن الأسرة لم يعد بمقدورها مواكبة إكراهات العصر والحداثة المتوحشة. هناك أشياء كثيرة تتجاذب الوالدين وتجعل منهما أدوات مسخرة، أو مجبرة على مسايرة الراهن وفق إيقاع سريع لا يتحكمان فيه، وليس لهما خيار غير الخضوع للتيار الجارف والاستسلام له، عن وعي أو غير وعي.

يمكن الجزم بأن جميع المحاولات لتوجيه وتقويم وعلاج هذا النوع من الأطفال، يكون مآلها الفشل، إذ تعطي نتائج عكس المتوخاة، حيث يتحول الطفل إلى كائن أقوى من والديه، وبالتالي فمن يحميه من نفسه؟ لأن الوالدين لا يمكنهما مقاومته. فيبقى التخوف الكبير من المصير المجهول لهذا الطفل، لأنه حتما يعاني من اضطرابات نفسية وسلوكية وشعور بالعظمة والوسواس، وهي حالات تؤدي به للاكتئاب ليقتل نفسه، لأنه لا يعي وضعه، يتوهم كل ما يحوف بشخصيته، لهذا نجده يصدم بالواقع من حوله، ولا يستطيع تأسيس صداقات أو علاقات دائمة، لأن الآخر بمجرد ما يكتشف أمره يبعد عنه خوفا من أن يلحقه الأذى. هذه الشخصية تجد من يوفر لها الحماية، أو نسميها التغطية التي يوفرها الوالدين، حيث أنه كلما وقع في مأزق أو حادث أو مشكل عويص، يجد الوالدين حاضرين يدعمانه ويؤديان ثمن سوءاته، لأنه لا يعتبر القوانين أو الأعراف. (يتبع)

د. محمد حماس  

الهوامش:

  1. Simone Korff-Sausse, Plaidoyer pour l’enfant-roi, Fayard, Paris, 2012
  2. Didier Pleux, De l’enfant roi à l’enfant tyran, Paris, Odile Jacob, 2002
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد