الاستثمارات الإماراتية في مصر.. بين المبالغة الاقتصادية والتضليل الإعلامي
دنا بريس- كريم محمد الجمال
العلاقات المصرية الإماراتية من أكثر العلاقات العربية رسوخاً وتميزاً، وتعاونا على المستويين الشعبي والرسمي منذ عام 1971. وقد ترسخت هذه العلاقات منذ إعلان تأسيس دولة الإمارات. للإمارات العربية سفارة في القاهرة، ولمصر سفارة في أبوظبي وقنصلية عامة في دبي.
وقد.تطورت العلاقات بين الدولتين في مرحلتين أساسيتين؛ مرحلة اكتشاف النفط وحرب أكتوبر عام 1973 حيث منعت الإمارات إلى جانب السعودية وغيرها من الدول العربية وصول النفط إلى الدول المعادية لمصر وسوريا.
فيما ارتبطت المرحلة الثانية من تعزيز العلاقات الثنائية والاستثمار بمرحلة بناء وتطوير الدولة في الإمارات التي نم خلالها الاستعانة بالخبرات والكفاءات المصرية، وبالمقابل دعمت الإمارات الاقتصاد المصري بالاستثمارات الناتجة من عوائد النفط، في وقت كانت فيه مصر تعاني فيه من تداعيات الحروب المتوالية، خاصة حرب الخليج الأولى.
لتزدهر في وقت لاحق؛ الاستثمارات الإماراتية في العالم وبالأخص في مجالي السياحة والعقارات، بالإضافة إلى مجال الطاقة، وما ارتبط بذلك من قطاعات مثل النقل، والطيران والموانئ والاستثمار الرياضي.
وفي السنوات الأخيرة ووفق البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فقد سجلت قيمة الاستثمارات الإماراتية في مصر نحو 5.7 مليار دولار خلال العام المالي 2021/2022، مقابل 1.4 مليار دولار خلال العام المالي السابق له 2020/2021 بنسبة ارتفاع بلغت 300.8%.
وتظهر بيانات الجهاز، أن قيمة تحويلات المصريين العاملين بالإمارات ارتفعت إلى 3.5 مليار دولار خلال العام المالي 2021/2022، مقابل 3.4 مليار دولار خلال العام المالي السابق له 2020/2021 بارتفاع بلغت نسبته 1.4%.
ودخل الاقتصاد المصري مرحلة حرجة واستثنائية بداية من عام 2016 تزامناً مع برنامج الإصلاح الاقتصادي، إذ سعت الحكومة المصرية إلى تحديث وتطوير البنية الأساسية، وإقامة شبكة طرق متطورة ومشاريع مثل مدن الإسكان والكبري والطرق، ومشاريع ضخمة لحل أزمة الطاقة مما استدعى تدخل الاستثمار الأجنبي المباشر، وأغلبه كان خليجياً من السعودية والإمارات، ويسجل هنا تفوق الإمارات في حجم الاستثمار، بل وقدمت دعماً سخياً للدولة المصرية على هيئة قروض وودائع ومساعدات.
عانى الاقتصاد المصري آثار الإصلاح الاقتصادي حيث ازدادت نسبة الفقر والبطالة، وتضخمت الديون حتى وصلت مستويات قياسية وبالأخص في آخر ثلاث سنوات، حيث تم تعويم الجنيه وانخفضت قيمته، أضف؛ أن الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة شلت قدرة الاقتصاد المصري على النمو بمعدلات عالية ومعقولة.
كل هذه الظروف والعوامل تجعل الحكومة ورجال الأعمال في مصر يلجأون إلى بيع بعض الأصول، وعرض شركات وأراض للاستثمار، والتخلي عن دور الدولة التقليدي لصالح دخول تمويل مباشر يسد الفجوة من جانب، ومن جانب آخر يكون بمقدور الدولة المصرية من الاستثمار في مشاريعها وخططها للإصلاح الاقتصادي.
وأكيد أن لهذا النهج؛ العديد من السلبيات، حيث رفع الدعم عن الفقراء، مع بطء عمليات التوظيف، وسريان حالة من الركود والكساد بالأخص بعد حرب روسيا وأوكرانيا. فأضحت كثير من عمليات الاستثمار والاستحواذ سيئة السمعة عند فئات واسعة من المصريين يغلب عليها ما سجلته ذاكرتهم عن الخصخصة في نهاية التسعينات بسبب شبهات فساد واستغلال نفوذ لصالح بعض رجال الأعمال.
يعيب عملية الإصلاح الاقتصادي في مصر التناول الإعلامي غير الدقيق وغير المنضبط، ويكتنف عمليات البيع والاستحواذ عدم الشفافية ونقص المعلومات بسبب عدم وضوح التغطية والتناول الإعلامي، في وقت مكنت مؤخراً صفقة ضخمة للاستثمار الإماراتي في الساحل الشمالي المصري، في تطوير مدينة رأس الحكمة، (مكنت) الخزينة المصرية بمليارات الدولارات لتساعد على وقف ارتفاع جنوني للأسعار، واستقرار سعر صرف الدولار والقضاء على السوق الموازية.
لازال التناول الإعلامي في مصر غير دقيق وغير متخصص في الأمور الاقتصادية والقانونية. وثقافة الشعب المصري في هذا الأمر غير كافية، ويستغل المستثمر الأجنبي حالة الاقتصاد المحتاج والمتعطش، وعلى الجانب الآخر يستفيد بشكل أكبر رجال الأعمال المحتكرين، ويجب حل هذه المشكلات حتى تعود الاستثمارات الأجنبية بالنفع والفائدة على الاقتصاد الوطني وعلى الشعب المصري.