الرائدة في صحافة الموبايل

العنف ضد الرجال في المغرب.. واقع مسكوت عنه!

هناك عنف نراه، وعنف نعرفه، وعنف نتحدث عنه بلا تردد. وهناك عنف آخر… يعيش في الظل، لا لأنّه نادر، بل لأن الاعتراف به يُربك صورًا جاهزة في أذهاننا.

العنف ضد الرجال في المغرب واحد من القضايا المسكوت عنها. ليس لأن الرجال لا يتعرضون للعنف، بل لأن المجتمع لم يقرّر بعد أن الرجل يمكن أن يكون ضحية دون أن يفقد إنسانيته أو كرامته. 


الأرقام تقول شيئًا… لكن القصص تقول كل شيء. فحسب المندوبية السامية للتخطيط، ما يقارب 44% من الرجال المغاربة صرّحوا بتعرضهم لشكل من أشكال العنف. رقم ثقيل، لكنه يظلّ باردًا، تقنيًا، بلا ملامح.

وتُظهر المعطيات نفسها أن: 12% من الرجال تعرّضوا للعنف داخل الأسرة، و16% تعرّضوا للعنف في أماكن العمل. هذا وأن العنف النفسي واللفظي كان الأكثر انتشارًا، يليه العنف الجسدي.
هذه الأرقام، رغم ثقلها، لا تعكس الحجم الحقيقي للظاهرة، لأن جزءًا كبيرًا من الحالات لا يُبلَّغ عنها أصلًا.

الملامح تظهر حين نقترب من القصص:
“كنت أخاف من السخرية أكثر من الألم. كيف أشرح للناس أنني أتعرض للإهانة داخل بيتي؟ سيقولون لي: عيب، أنت رجل. في البداية كنت أظن أن ما أتعرض له مجرد توتر عائلي. لكن الإهانات اليومية، التقليل من شأني، والتهديد المستمر كسرني نفسيًا. لم أبلّغ، ليس لأنني بخير، بل لأنني كنت أخاف أن يقال عني: كيف لرجل أن يُعنَّف؟”
– شهادة منشورة ضمن تحقيق اجتماعي (Baladna.ps)-

هذه الجملة وحدها تختصر المأساة: العنف الأول هو ما يتعرض له الرجل، والعنف الثاني هو نظرة المجتمع إليه إن تكلّم. بل و أكثر من ذلك، أنها شهادة تلخص واحدة من أكبر الإشكالات: الخوف من الوصم.
فالرجل هنا لا يصمت لأنه قوي، بل لأنه ممنوع اجتماعيًا من الضعف.

البيت… حين يصبح مكانًا غير آمن
وثقت جمعيات حقوقية مغربية حالات لرجال تعرّضوا لعنف جسدي مباشر داخل الزواج. وأحد هذه الملفات، نُشر في تقارير إعلامية، يتعلّق برجل في الخمسينات من عمره، تعرّض للضرب من زوجته وشقيقها، وقد أُصيب بكسور وجروح خطيرة، ومع ذلك لم يتوجّه فورًا إلى القضاء.

تردّد كثيرا لأنه كان يخشى، ليس من السؤال: ماذا حدث؟ بل: كيف يسمح رجل لنفسه بذلك؟ أن يتعرض للعنف، هذا الأخير الذي لا يترك العنف عنده ندوبا بل شروخا نفسية يصغب ترميمها، وهذا  بحد ذاته عنف من نوع آخر.
وهكذا يمكن القول أنه ليس كل عنف ماديا فبعضه هادئ وناعم، إنه العنف الرمزي ولكنه الاقوى والأعنف.

ثمة دراسة جامعية مغربية أشارت إلى أن العنف النفسي هو الشكل الأكثر شيوعًا ضد الرجال، لكنه الأقل اعترافًا به، ف“الكلمات الجارحة، التحقير اليومي، والتهديد داخل العلاقة الزوجية قد تكون أخطر من الضرب، لأنها تقتل ببطء.”. – دراسة منشورة على Walaw.press-.

فهذا النوع من العنف لا يُصوَّر، لا يُوثَّق، ولا يُصدَّق بسهولة، لكن آثاره تظهر لاحقًا: اكتئاب، انسحاب، فقدان ثقة، وصمت طويل.

والسؤال الحقيقي هنا، ليس: هل يتعرض الرجال للعنف؟ لأن الأرقام والقصص تجيب، ف 42% من الرجال المغاربة تعرضوا لشكل من أشكال العنف خلال سنة واحدة، بحسب المندوبية السامية للتخطيط في المغرب. 

ويظهر التقرير ذاته أن العنف هو الأكثر انتشارًا في الوسط الحضري بنسبة 46% مقارنة بالوسط القروي الذي لا تتحاوز خالات العنف فيه نسبة 35%. 

كما أن كثيرا من حالات العنف التي وقعت داخل الأسر أن جلها كانت خلال فترات الحجر الصحي، مما يضع الرجال في مواجهة مباشرة مع المعتدين داخل البيت. 

وعلاقة بذات الموضوع، أشارت تقارير أخرى إلى أن الرجال قد يعانون العنف النفسي أكثر من الجسدي، خاصة في العلاقات الزوجية، وأن نسبة العنف النفسي قد تصل إلى غالبية الحالات المبلَّغ عنها. 

ليطرح سؤال ما نفسه وبحدة: لماذا يرفض المجتمع تصديق هؤلاء؟ وثمة حواب يفرض نفسه بدون شفرات ودونما أقنعة، تكمن في ذلك الربط المسبق بين الرجولة والقوة المطلقة. فقد سمحنا بأن نجعل الألم امتيازًا أنثويًا وإخساس من حق المراة ” المستضعفة ” أن تعبر عنه في مقابل حرمان الرجل “القوي”. وكأن الاعتراف بالألم جريمة. فيما الحقيقة أبسط من كل هذا: العنف لا يحتاج جنسًا ليصنف كجريمة.

وخلاصة القول؛ فالعنف ضد الرجال في المغرب ليس مجرد رقم في تقرير أو دراسة، بل وجع يومي معاش ولا يعبر عنه مخافة الوصم.
بل إن رجالا كثر يتعرّضون للضرب، الإهانة، التهديد، أو الضغط النفسي داخل العلاقات الزوجية، العائلية أو في الفضاء العام، لكن غالبًا ما يخشون الاعتراف، التبليغ، أو حتى التعبير عنه مع محيطهم خوفًا من العار أو السخرية.

وختاما نقول أن هذه الالتفاتة المتواضعة لرصد حالات العنف ضد الرجال، لا تعني البتة أننا ضد النساء، وليس الغرض منها تبخيس حجم معركة حقيقية ضد العنف الموجّه إليهن. بل محاولة لقول ما لا يُقال، ودعوة للاستماع إلى هذه الشهادات بإنصاف، وتقديم دعم نفسي وقانوني لكل ضحية كيفما كان جنسها، فالعنف لا جنس له!

ملحوظة: الصورة من موقع اندبندتت عربية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد