نادية الصبار تكتب: “في فهم المعنى.. سيميولوجيا التواصل والخطاب الإعلامي”
الفصل الأول: نظرة عامة حول سيميولوجيا التواصل -ضمن دليل تربوي-
هل نعرف حقًا كيف يتم التواصل داخل مملكة النحل؟
كائنات صغيرة، بلا لغة منطوقة ولا وسائط، ومع ذلك تدير واحدًا من أدق أنظمة التواصل في الطبيعة، إنها “مملكة النحل”. داخل الخلية؛ لا تُنقل الرسائل النصية ولا شفهية، بل عبر الإشارات وتحديدا عبى رقصة على شكل ثمانية، تؤديها النحلة بدقة لافتة، لتحدد لبقية أفراد الخلية موقع الرحيق، اتجاهه، وبعده النسبي. وقد تتغير زوايا الرقصة وإيقاعها كلما تغيرت المسافة، فيتحول الجسد إلى خريطة، والحركة إلى رسالة لا تحتمل الالتباس.
هذا النمط من التواصل، القائم على الإشارة والحركة، ليس مجرد سلوك غريزي معزول، بل نظام جماعي محكم، هدفه تنظيم الحياة داخل الخلية وضمان استمراريتها. ومن هنا، يصبح عالم النحل مدخلًا دالًا للتفكير في التواصل بوصفه ظاهرة طبيعية سبقت الإنسان، قبل أن يضيف إليها هذا الأخير بعدًا آخر أكثر تعقيدًا: الوعي، والتفكير، وصناعة المعنى.
فالنحل إذا! يتواصل عبر الرقص والإشارات لتحديد المسافة والاتجاه نحو الرحيق، ويتصرف وفق نظام جماعي دقيق تحكمه الغريزة والفطرة، بينما الإنسان يضيف إلى الغريزة والعادة بعدًا آخر هو التفكير والعقل، أي القدرة على إنتاج المعنى والتأويل وصنع الرموز. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين تواصل فطري موجه نحو البقاء، وتواصل إنساني يتأسس على الوعي.
انطلاقًا من هذا التمييز، كان من الطبيعي أن يظهر علم جديد يهتم بدراسة العلامات والإشارات، أي كل ما يستخدمه الإنسان ليعبر عن فكرة أو شعور أو معنى. هذا العلم هو السيميولوجيا، التي تُعنى بدراسة الأنظمة الرمزية داخل المجتمع، وبفهم العلاقة بين المرسل والمرسل إليه والرسالة التي يتبادلانها، سواء كانت لغوية أو غير لغوية. فمنذ نشأة الإنسان، سعى إلى فهم محيطه والآخرين والتعبير عن نفسه قبل ظهور اللغة. ومن هنا يُقال إن الإنسان كائن سيميائي بطبيعته، يضع العلامات ثم يقرأها.
فالسيميولوجيا تهتم بدراسة هذه العلامات والعلاقات التي تربط بين المرسل والمرسل إليه والرسالة، سواء كانت لغوية أو غير لغوية، وكيف يُنتج المعنى داخل الجماعات البشرية عبر الرموز والإشارات المتفق عليها.
السيميولوجيا إذا؛ هي علم العلامات، وهي التي تدرس كيف يخلق الإنسان المعنى داخل الحياة الاجتماعية، وكيف تُنتج الجماعات الرموز المشتركة التي تربطها. ومن خلالها يمكن التمييز بين العلامات الطبيعية، مثل الدخان الذي يدل على النار، والعلامات الاصطناعية التي يضعها الإنسان باتفاق اجتماعي، مثل إشارات المرور أو الأعلام الوطنية أو الشعارات. والمعنى في كل ذلك ليس ثابتًا، بل يتغير بحسب الثقافة والسياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
ويُعد العالم اللساني السويسري فردينان دي سوسير عرّاب السيميولوجيا، وأول من بشر بعلم جديد سماه علم العلامات أو السيميولوجيا، وجعل مهمته دراسة العلامات داخل الحياة الاجتماعية. رأى دي سوسير أن العلامة تتكون من عنصرين: الدال، وهو الصورة الصوتية أو الشكل المادي للعلامة، والمدلول، وهو الفكرة أو المفهوم الذي يشير إليه الدال. والعلاقة بينهما اعتباطية، أي لا تربطها صلة طبيعية أو منطقية، بل تنشأ عن اتفاق اجتماعي بين أفراد المجتمع اللغوي. ومن هنا اعتبر اللغة نظامًا من العلامات يخضع لقواعد يمكن دراستها علميًا، لتصبح السيميولوجيا فرعًا من اللسانيات.
في المقابل، برز الفيلسوف الأمريكي شارلز ساندرس بيرس، رائد السيميوطيقا، الذي دعا إلى رؤية منطقية جديدة في التعاطي مع الشأن الإنساني، واعتبر أن العلامة لا تقتصر على علاقة ثنائية بين الدال والمدلول، بل هي عملية فكرية ثلاثية تشمل العلامة نفسها، والشيء الذي تشير إليه، والمؤول أي الفهم أو التفسير الذي يتشكل في ذهن المتلقي. بمعنى أن العلامة ليست مجرد وحدة لغوية أو رمزية، بل سيرورة عقلية متواصلة تربط بين الفكر والواقع والمعنى.
وهكذا، ورغم أن كثيرًا من الباحثين لا يميزون بين السيميولوجيا والسيميوطيقا ويستخدمونهما بالتبادل، فإن التفريق بينهما ضروري لفهم تطور الفكر الدلالي. فالسيميولوجيا تنحدر من المدرسة الفرنسية ذات المنزع اللساني والبنيوي، في حين أن السيميوطيقا تنتمي إلى المدرسة الأنجلوسكسونية ذات الخلفية الفلسفية والمنطقية. الأولى تدرس بنية العلامة داخل النظام الاجتماعي، والثانية تركز على سيرورة التأويل والعلاقة بين العلامة والفكر.
السيميولوجيا والسميوطيقا.. التحليل في مقابل التأثير
إن السيميولوجيا، في نهاية المطاف، لا تقتصر على اللغة، بل تمتد إلى كل مظاهر التواصل الإنساني: من النصوص المكتوبة إلى الصور، ومن الإعلانات إلى الفنون البصرية، ومن الخطابات الإعلامية إلى السلوكيات اليومية. فهي تمنحنا أدوات لفهم كيفية بناء المعنى، وكيف يستقبل المتلقي الرسائل ويفسرها استنادًا إلى خلفيته الثقافية والاجتماعية، وكيف تؤثر الرموز في تشكيل الوعي الجماعي.
وبعد هذا العرض، يمكن أن نخلص إلى أن الفرق بين السيميولوجيا والسيميوطيقا ليس فقط في الأسماء أو المرجعيات الفكرية، بل في طبيعة المقاربة والمقصد. فالسيميولوجيا، كما أسس لها فردينان دي سوسير، تهتم ببنية العلامة وتحليلها داخل النظام الاجتماعي واللغوي، أي أنها تدرس كيف يتكون المعنى، وما العناصر التي تبنيه داخل الخطاب أو الرسالة. إنها علم التحليل، علم القراءة والتفكيك، الذي يشتغل على البنية والأنساق الرمزية.
أما السيميوطيقا، كما طورها شارلز ساندرز بيرس، فتهتم بوظيفة العلامة وتأثيرها، أي بما تحدثه في ذهن المتلقي من فهم وتأويل واستجابة. فبينما تسأل السيميولوجيا كيف بُني المعنى؟ تسأل السيميوطيقا ماذا يفعل هذا المعنى؟ وكيف يُستقبل ويُعاد إنتاجه؟ إنها علم الفعل والتأثير، الذي يشتغل على مسار العلامة في التفكير الإنساني وفي عملية التواصل الحي.
وبذلك يمكن القول إن السيميولوجيا تضع العلامة على طاولة التحليل، بينما السيميوطيقا تتابع العلامة في رحلتها نحو التأثير. الأولى تُفكك النص لتفهم بنيته، والثانية تتتبع أثره لتفهم فعله. وهما معًا يشكلان وجهين متكاملين لعلم واحد هو علم العلامات والمعنى، الذي يجعلنا نقرأ العالم من خلال رموزه وإشاراته، ونفهم كيف يتشكل الفكر الإنساني داخل شبكة لا نهائية من العلامات والتأويلات.
هذا باختصار عن السيميولوجيا فماذا إذا عن سيميولوجيا الإتصال؟
تهتم سيميولوجيا الاتصال بفهم كيفية إنتاج المعنى داخل عملية التواصل بين البشر. فهي توسع مفهوم السيميولوجيا ليشمل التفاعل الفعلي بين المرسل والمتلقي، وكيف تستخدم العلامات الرمزية لنقل الأفكار والمشاعر والمواقف. بهذا المعنى، تصبح العلامة ليست مجرد وحدة تحليلية، بل أداة عملية تُستخدم لإيصال رسالة وفهمها في سياقها الاجتماعي والثقافي.
كما تتيح سيميولوجيا الاتصال المجال لتحليل الميديا الحديثة والإعلانات والفنون البصرية بطريقة منهجية، بحيث يمكن فهم كل الرسائل في أبعادها المختلفة. فهي تدرس كيفية استقبال الجمهور للعلامات، وكيف يفسرها ويعيد إنتاجها، مع مراعاة الخلفية الثقافية والاجتماعية والسياسية للمتلقي. ومن خلال هذه الدراسة، يمكن إدراك معنى الرموز المرئية والمسموعة والمكتوبة، وكشف الاستراتيجيات الرمزية التي تُوظف للتأثير على المتلقي وفهم الرسالة كاملة.
هذا من جانب ومن جانب آخر، فمن خلال تطبيق مبادئ سيميولوجيا الاتصال، يصبح الصحافي ووسائل الإعلام عموما، قادرين على تحليل النصوص والمواد الإعلامية بشكل منهجي، وفهم الأبعاد المختلفة لكل رسالة وتأثيرها على المتلقي. هذا التحليل يمكّن من إدراك كيفية بناء المعنى وتفسيره، سواء في النصوص المكتوبة، أو المواد السمعية، أو الصور والفنون البصرية، مما يجعل سيميولوجيا الاتصال جسرًا بين النظرية السيميولوجية وفهم واقع التواصل الإنساني والميديا الحديثة.
وختاما، فالسيميولوجيا علم يتقاطع مع علوم أخرى كاللسانيات والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، لأنها جميعًا تشترك في هدف واحد هو فهم الإنسان ككائن منتج للمعنى، يعيش في شبكة من العلامات التي تتيح له التفكير والتعبير والتأويل. فالتواصل، في نهاية الأمر، ليس مجرد نقل للمعلومات، بل بناء مستمر للمعنى داخل الحياة الاجتماعية والثقافية، وهو ما يجعل السيميولوجيا مدخلًا أساسيًا لفهم الإنسان ذاته.
يتبع
المصادر: جملة من المقالات والكتب والمنشورات وخبرة في الميدان.
نادية الصبار
كاتبة صحافية
مديرة موقع danapress.ma
أستاذة مكونة بمعهد epag