الرائدة في صحافة الموبايل

نادية الصبار تكتب: “سيميولوجيا التواصل.. مفاهيم وتقاطعات”

هذه سلسلة ضمن دليل تربوي بعنوان “في فهم المعنى.. سيميولوجيا التواصل والخطاب الإعلامي”

توطئة


يُعد موضوع التواصل أحد أبرز الموضوعات التي استأثرت باهتمام الباحثين والدارسين على مر العصور، فقد اجتذبته قضايا متعددة وتداخلت معه مجالات مختلفة مثل نظرية الإعلام، السوسيولوجيا، اللسانيات، الفلسفة، والهندسة. وقد أدى هذا التنوع في الدراسات إلى ظهور مفاهيم متعددة حول التواصل، كما فتح المجال لتطوير نظريات مختلفة تعتبره ظاهرة قائِمة بذاتها.

قبل أن نغوص في تفاصيل سيميولوجيا الاتصال، يجدر بنا أن نتأمل قليلاً في تاريخ العلوم نفسها. قديماً، كان التفكير العلمي يميل إلى الشمولية، حيث حاول العالم الواحد فهم الطبيعة والإنسان والمجتمع ضمن رؤية كلية، دون تقسيمات دقيقة بين الفلسفة، اللغة، علم النفس، أو الاجتماع؛ كل شيء كان مترابطاً في ذهن العالم الشامل.

مع تطور المعرفة، فرض العصر الحديث تخصصات دقيقة وفروقاً واضحة بين العلوم، وأصبح لكل علم حدوده ومجاله، وظهرت الجامعات ومناهج البحث المتخصصة. ومع ذلك، عندما نأتي إلى سيميولوجيا الاتصال، نجد أن هذا التخصص لا يمكن حصره ضمن حدود ضيقة؛ فهو واسع ومتعدد الأبعاد، يتقاطع مع علوم اللغة، النفس، الاجتماع، الفلسفة، الفنون، والإعلام الرقمي الجديد. دراسة العلامات والرموز لا يمكن أن تُفهم إلا من خلال رؤية شمولية تسمح بفهم الإنسان في سياقه النفسي والاجتماعي والثقافي والفني في آن واحد.

بمعنى آخر، تعيدنا سيميولوجيا الاتصال، بطريقة ما، إلى روح الشمولية القديمة للعلم، لكنها تفعل ذلك بأسلوب منهجي وحديث، يربط بين العلوم دون أن يلغي تخصصاتها. ومن هنا، يمكن القول إن دراسة هذا التخصص تشكل حلقة وصل طبيعية بين معرفة الإنسان وعالمه، ما يجعلها ضرورية لفهم أي عملية تواصل بعمق.

أولًا، لنبدأ بتوضيح أن الغوص في مفهوم التواصل يعني الغوص في مجال تتقاطع فيه علوم متعددة: علم النفس، علم الاجتماع، علوم الاتصال والإعلام، اللسانيات، وغيرها. لذلك، فإن تقديم مقاربة شاملة لمفهوم التواصل يتطلب العودة إلى هذه التخصصات كافة وفحص رؤيتها لهذا المفهوم من مختلف الزوايا.

ثانيًا، يمكننا التمييز بين ممارسة التواصل من جهة، والوعي بهذه الممارسة والتنظير لها من جهة أخرى، فالبشر مارسوا التواصل بأشكال متنوعة وفي مجالات مختلفة قبل أن تتحول العملية إلى موضوع علمي مدروس.

ثالثًا، علم التواصل لم يظهر بداية مستقلاً بذاته، بل جاء نتيجة تراكم أبحاث متعددة الطابع، بعضها أمني وعسكري، وبعضها إعلامي وتواصلي، مما شكل الأساس لتطوره كعلم مستقل لاحقًا.

رابعًا، يتسع مفهوم التواصل ليشمل كل النشاط الإنساني تقريبًا، لكنه قد يضيق أيضًا ليقتصر على اللغة، حيث يمكن أن تحدث اللغة تأثيرات مقصودة أو غير مقصودة على الطرف الآخر.

خامسًا، سنستعرض في هذا الدرس مجموعة من التعاريف التي توضح معنى ودلالة التواصل، مع التمييز بين دلالة عامة تشمل كل الأنشطة المجتمعية، ودلالة خاصة تركّز على التواصل ضمن زاوية أو تخصص معين. كما سنقترح تمييزًا بين التواصل والاتصال.

التواصل من أكثر المفاهيم شمولية، فهو لا يقتصر على مجرد تبادل كلمات، بل يشمل كل ما يربط الإنسان بالآخرين، سواء بالأفكار أو المشاعر أو المعلومات. لغةً، كلمة “تواصل” مشتقة من الجذر العربي “وصل”، وتعني الربط والاتصال بين طرفين أو أكثر، على عكس الهجران والفصل، كما تحمل معنى الوصول والإيصال. اصطلاحًا، يُعرف التواصل بأنه عملية تبادل الأفكار والمعلومات والمشاعر بين طرفين أو أكثر، باستخدام وسائل لفظية أو غير لفظية، بهدف بناء علاقات إنسانية، تحقيق فهم مشترك، وتأثير متبادل.

تتضمن عملية التواصل عناصر أساسية، منها المرسل والمستقبل والرسالة وقناة الاتصال، إلى جانب الاستجابة والتفاعل الذي يجعل العملية ثنائية أو متعددة الاتجاهات. ومن الناحية اللغوية، صيغة “تواصل” تعكس فكرة الاشتراك والمشاركة، أي أن العملية مشتركة بين طرفين على الأقل، وتشمل الإيصال، الاجتماع، وتشكيل العلاقات بين الأشخاص. بهذا يصبح التواصل نشاطًا إنسانيًا مشتركًا ومتعدد الأبعاد.

تعتبر دراسة السيميولوجيا وعلاقتها بالإعلام والاتصال والعلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى نافذة لفهم العالم المعاصر بطريقة أعمق وأكثر دقة. فمع تنوع وسائل الاتصال وتطور المجتمعات وثراء الرموز والثقافات، لم يعد فهم الرسائل والمعلومات مجرد استقبال سطحي لما يُنقل، بل أصبح يتطلب تحليل العلامات والرموز وتفسير الدلالات الخفية وراء كل نص أو صورة أو إشارة.

تتيح هذه النظرة العامة للباحث والمهتم بالإعلام والاتصال فرصة لتطوير قدرة نقدية عالية، تمكنه من قراءة الرسائل وفهم السياقات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تنشأ فيها، كما تساعد على إدراك تأثيرها على الأفراد والجماعات والمجتمع ككل. ومن خلال الجمع بين السيميولوجيا واللسانيات وعلم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة والقانون، يمكن بناء فهم شامل للرسائل الإعلامية والثقافية، وفك شفرة المعاني المخفية، وتحليل كيف يُؤثر الإعلام في تشكيل المواقف والقيم والسلوكيات.

إن هذه النظرة الشمولية لا تكتفي بتقديم المعلومات، بل تهدف إلى تربية الوعي النقدي وتعميق القدرة على الفهم والتحليل، ما يجعل الفرد والمتخصص في مجال الإعلام والاتصال أكثر استعدادًا للتعامل مع تعقيدات العصر الرقمي ووفرة العلامات والرموز التي تحيط بحياتنا اليومية، وبالتالي تعزيز القدرة على المشاركة الفعّالة في الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية.

السيميولوجيا: أو علم العلامات، هي دراسة الأنظمة الرمزية التي يستخدمها الإنسان للتواصل وفهم العالم من حوله. تقوم هذه الدراسة على تحليل كيفية إنتاج المعاني وانتقالها بين الأفراد من خلال العلامات، سواء كانت كلمات، صور، إشارات، أو رموز. فالعلامة هي شيء يشير إلى معنى محدد، وقد تكون طبيعية مثل دخان النار الذي يدل على وجود حريق، أو رمزية تعتمد على اتفاق اجتماعي كما هو الحال في الإشارات المرورية أو العلم الوطني. تهتم السيميولوجيا بفهم العلاقة بين العلامة والواقع الذي تشير إليه، وكيفية تفسير الأفراد لهذه العلامات ضمن سياقاتهم الثقافية والاجتماعية.

تتجاوز السيميولوجيا مجرد وصف العلامات لتصل إلى تحليل الأنظمة الرمزية التي تنظمها، مثل اللغة، الفن، الإعلام، والدين، حيث تعمل على كشف القواعد التي تحدد معنى العلامة وطريقة استخدامها. في الإعلام، على سبيل المثال، يمكن للخبر الصحفي أن يحمل رموزًا ودلالات غير مباشرة تعكس مواقف سياسية أو اجتماعية معينة، مما يجعل السيميولوجيا أداة مهمة لفهم الرسائل المضمرة وراء النصوص والرموز. كما تمنح الباحثين القدرة على رصد تأثير العلامات على المتلقي وكيفية تشكّل التصورات والانطباعات، ما يجعلها جسرًا بين الفهم اللغوي والثقافي والإدراكي للمعاني في المجتمع.

السيميوطيقا: أو علم العلامات الذي طوره شارلز ساندرز بيرس، تهتم بدراسة كل أنواع العلامات، سواء كانت لغوية أو غير لغوية، طبيعية أو ثقافية، وتبحث في العلاقة بين العلامة والموضوع والمتلقي الذي يفسرها. فالهدف من السيميوطيقا هو فهم كيفية إنتاج المعاني واستخدامها في التواصل اليومي بين الأفراد والمجتمعات. تقوم السيميوطيقا على تحليل العلاقة بين العلامة وما تشير إليه، سواء كانت هذه العلاقة طبيعية، كما في دخان النار، أو رمزية تعتمد على اتفاق اجتماعي، مثل الإشارات المرورية أو الأعلام الوطنية. كما تهتم بدراسة الأنظمة الرمزية التي تنظم هذه العلامات، مثل اللغة، الفن، الإعلام، والدين، لفهم كيفية تأثيرها على الأفراد وكيفية تشكّل التصورات والانطباعات في ذهن المتلقي.

باختصار، يمكن القول إن السيميولوجيا تركز على اللغة كنظام من العلامات، بينما السيميوطيقا تشمل كل أنواع العلامات والرموز، مع التركيز على كيفية فهم المتلقي لها وتفاعله معها.

الاتصال: في المجمل هو العملية التي من خلالها ينقل الإنسان الأفكار والمشاعر والمعلومات إلى الآخرين بهدف الفهم والتفاعل. يمكن أن يكون الاتصال لغويًا، مثل الحديث والكتابة، أو غير لغوي، مثل الإيماءات والتعبيرات الوجهية والإشارات. فيقوم المرسل بتشفير الرسالة ويستقبلها المتلقي ويفك شفرتها، لتتحقق بذلك عملية التبادل والتفاهم.

ويعد الإتصال من أبرز المفاهيم التي شغلت الباحثين في ميادين متعددة، إذ يمثل جوهر الحياة الإنسانية وأساس التفاعل بين الأفراد والجماعات. ويُشتقّ لفظ الاتصال في اللغة من الجذر “وصل”، ومنه جاء “وصله وصلاً”، أي برَّه وتودد إليه ولم يجفه. ومن أقدم استخدامات هذا المصطلح في التراث العربي ما ورد في علم الحديث، حيث يعني “اتصال السند” امتداد سلسلة الرواية دون انقطاع إلى مصدر الحديث المروي أو الأثر. كما استُخدم المفهوم ذاته في علوم أخرى مثل الأنساب ورواية الشعر، قبل أن يأخذ في العصر الحديث معناه المتداول باعتباره ترجمة للمصطلح الإنجليزي “Communication”.

أما اصطلاحاً، فقد تنوعت التعريفات التي قدمها الباحثون للاتصال تبعاً لزاوية النظر وحقول المعرفة. فقد عرّفه “ولبر شرام” سنة 1977 بأنه “المشاركة في المعرفة عن طريق استخدام رموز تحمل دلالات”، بينما قدّمته “جيهان رشتي” سنة 1975 باعتباره “العملية التي يتفاعل بمقتضاها مرسل ومتلقٍ – سواء أكانا كائنين حيّين أو بشراً أو آلات – ضمن مضامين اجتماعية معينة، يتم خلالها نقل أفكار ومعلومات ومنبهات عن قضية أو معنى أو دافع محدد”. غير أن المفهوم لا يبقى ثابتاً، إذ تتغير دلالاته باختلاف الحقول المعرفية؛ فالاتصال في علوم الحاسب ليس هو ذاته في علم السياسة، ولا يشبه استخدامه في العلوم الطبية، ما يعكس طبيعته المركبة والمتداخلة.

وتتأسس العملية الاتصالية على مجموعة من العناصر التي تشكل بنيتها الأساسية. فالمرسل هو نقطة الانطلاق التي تبدأ منها العملية، إذ يُنشئ الرسالة أو يعيد تشكيلها بوعي وفق هدف محدد. وتأتي الرسالة باعتبارها المحتوى أو المعنى الذي يُراد نقله، لتصل عبر وسيلة اتصال قد تكون صوتية أو كتابية أو حسية. أما المستقبل فهو الطرف الذي يُوجَّه إليه الخطاب، سواء كان فرداً أو جماعة، في حين يُعبّر المعنى أو الهدف عن الغاية النهائية من العملية الاتصالية، التي قد تتحقق جزئياً أو تختلف عما كان مرسوماً لها. وتُختتم العملية بما يُعرف بـ رجع الصدى أو التغذية الراجعة، وهو الأثر أو الاستجابة التي تصدر عن المتلقي أثناء الاتصال أو بعده، ما يسمح بتقويم العملية واستمرارها.

وللاتصال البشري أشكال متعددة تتكامل فيما بينها لتشكّل نسيج التفاعل الإنساني. فهناك الاتصال الصوتي الذي يتجلى في اللغة والموسيقى، والاتصال الجسدي الذي يتمثل في الإيماءات والمصافحة والرقص في بعض الثقافات، والاتصال الترميزي القائم على الكتابة أو لغة الإشارة. وغالباً ما تتداخل هذه الأنماط داخل الموقف الاتصالي الواحد، لتكوّن ما يُعرف بـ الخطاب، وهو مفهوم فلسفي معاصر يشير إلى البنية الرمزية المتكاملة التي تحمل المعنى وتُنتج التأثير. ويشار كذلك إلى أن التواصل يشمل أيضًا السياق الثقافي والاجتماعي، لأن المعنى لا يتشكل فقط من الكلمات، بل من الظروف المحيطة بها والخلفية التي يحملها كل طرف.

ويؤدي الاتصال وظائف أساسية في حياة الأفراد والمجتمعات، فهو وسيلة لإخبار الناس وإعلامهم بما يجري حولهم، كما يسهم في الترفيه والتسلية وتخفيف الضغوط اليومية. إضافة إلى ذلك، يشبع الاتصال احتياجات نفسية وجسدية من خلال التواصل العاطفي والاجتماعي، كما يؤدي وظائف فكرية وتعليمية تُسهم في نشر المعارف وتبادل الخبرات. ولا يمكن إغفال بعده السياسي والأيديولوجي، إذ يُستخدم في التوعية، وتكريس الصور النمطية، والدعاية السياسية (البروباغندا)، وغيرها من الأدوار التي تجعل منه أداة فاعلة في تشكيل الرأي العام.

وأما الإعلام، فيمثل وجهاً خاصاً من وجوه الاتصال، فهو عملية اتصالية مقصودة وموجّهة تمارس عبر وسيط واسع أو ضيق الانتشار لتحقيق هدف محدد: إخباري أو دعائي أو ترفيهي أو فكري أو سياسي. ويمكن أن يتخذ الإعلام أشكالاً متعددة؛ مسموعة أو مقروءة أو مرئية أو تجمع بين الصوت والصورة. وتُعرف القنوات التي تُمارَس عبرها هذه العملية بـ الوسائط (Media)، وهي جمع كلمة “ميديم” أي الوسيط، وتشمل مختلف القنوات الاتصالية التي تنقل الأخبار والمعلومات والبرامج الترفيهية والوثائقية والإعلانات. وتتراوح هذه الوسائط بين الإذاعة والتلفزيون والصحف والمجلات والإنترنت والبريد والهاتف، بل حتى الجرائد الحائطية التي تمثل أقدم أشكال النشر الجماهيري.

أما التواصل فهو أوسع من الاتصال، فهو يتضمن التفاعل والفهم المشترك بين المرسل والمتلقي. في التواصل، يشارك المتلقي بردود أفعاله وتفسيره للرسالة، مما يجعل العملية ديناميكية وحيوية. يشمل التواصل أيضًا السياق الثقافي والاجتماعي، لأن المعنى لا يتشكل فقط من الكلمات، بل من الظروف المحيطة بها والخلفية التي يحملها كل طرف.

إن فهم سيميولوجيا التواصل لا يكتمل إلا من خلال استحضار مختلف العلوم التي تتقاطع معها. فهذه السيميولوجيا ليست مجالاً منعزلاً، بل تُعد بمثابة عدسة شاملة تتيح دراسة العلامات والرموز ضمن سياقاتها النفسية والاجتماعية والثقافية والسياسية والفنية. ومن هنا، يكتسب تحليل التواصل بعده العملي والفكري عمقًا إضافيًا حين يُنظر إليه من منظورات متعددة، بدءًا من الإعلام واللسانيات، مرورًا بعلم النفس وعلم الاجتماع، وصولاً إلى الفلسفة والتاريخ والجغرافيا، وانتهاءً بالأنثروبولوجيا والقانون وعلوم الأديان.

هذه النظرة المتكاملة تساعدنا على فهم كيفية تشكّل المعاني في الذهن الفردي والجماعي، وكيف تؤثر الرسائل والرموز على السلوك والمواقف والقيم، ما يجعل التقاطعات بين السيميولوجيا وهذه العلوم أمرًا جوهريًا لأي دراسة تحليلية للتواصل.

علوم الإعلام والاتصال هي فرع من العلوم الإنسانية والاجتماعية يهتم بدراسة كيفية إنتاج ونقل وتلقي المعلومات والرسائل عبر وسائل مختلفة، سواء كانت مكتوبة، مرئية، مسموعة، أو إلكترونية. تهدف هذه العلوم إلى فهم تأثير الإعلام على الأفراد والمجتمعات، ودراسة الأدوات والأساليب التي يستخدمها المرسل لإيصال الرسائل، وكيفية استقبالها وتفسيرها من قبل المتلقي.

تشمل هذه العلوم دراسة مجالات مثل الصحافة، الإذاعة، التلفزيون، الإعلان، العلاقات العامة، والوسائط الرقمية، مع التركيز على تحليل المحتوى الإعلامي وفهم الرموز والمعاني التي يحملها. كما تدرس العلاقات بين وسائل الإعلام والمجتمع ودورها في تشكيل الرأي العام ونقل الثقافة وتعزيز المشاركة الاجتماعية والسياسية.

الإعلام والاتصال والسيميولوجيا مترابطة ارتباطًا وثيقًا، لأن الثلاثة تهتم بإنتاج المعنى وفهم الرسائل وتأثيرها على الأفراد والمجتمعات. في الإعلام والاتصال، يقوم المرسل بإيصال معلومات أو أفكار أو رسائل عبر وسائل مختلفة، بهدف التأثير على المتلقي أو تبادل المعرفة والمشاعر. تلعب السيميولوجيا دورًا أساسيًا في تحليل العلامات والرموز التي يستخدمها الإعلام والاتصال لنقل الرسائل. فالخبر الصحفي، الإعلان، الفيلم، أو البوستر، كلها تحمل علامات ورموزًا تحمل معانٍ مختلفة، وتساعد السيميولوجيا على فهم هذه المعاني المخفية واستكشاف كيف تشكل إدراك الجمهور وتصوره للواقع.

اللسانيات تدرس اللغة من حيث بنيتها وقواعدها ودلالاتها، بينما السيميولوجيا تتجاوز اللغة إلى جميع العلامات والرموز، مثل الصور والإشارات والرموز الثقافية، وتهتم بتحليل الطريقة التي تحمل بها هذه العلامات المعاني وتؤثر على المتلقي. في الإعلام، تظهر العلاقة بوضوح، فكل رسالة إعلامية تستخدم لغة معينة وعلامات ورموزًا مختلفة لنقل المعلومات وإيصال المعنى، وهنا تأتي أهمية الجمع بين اللسانيات والسيميولوجيا لفهم الإعلام بشكل كامل.

علم النفس يركز على الفرد وسلوكه وعملياته العقلية، بينما علم النفس الاجتماعي يدرس الفرد في سياقه الاجتماعي وتأثير المجتمع على تصرفاته ومعتقداته. السيميولوجيا توفر الوسيلة لتحليل الرسائل والرموز بشكل منهجي، مما يمكّن من فهم كيفية تشكّل المعاني أثناء التواصل وتأثير الرسائل الإعلامية أو اليومية على الأفراد والمجتمع.

علم الاجتماع يدرس المجتمع وسلوك الأفراد والجماعات، بينما علم الاجتماع السياسي يركز على العلاقة بين المجتمع والسياسة. السيميولوجيا تساعد على فهم كيف تنقل العلامات والرموز الاجتماعية والسياسية المعنى وتأثيرها على الأفراد والجماعات، وبالتالي تحليل الظواهر الاجتماعية والسياسية بدقة.

الأنثروبولوجيا تدرس الإنسان وثقافته وسلوكياته، بينما الأنثروبولوجيا السياسية تركز على العلاقة بين الإنسان والسياسة. السيميولوجيا تساعد في تحليل الرموز الثقافية والسياسية، وفهم كيفية تفسير الأفراد والجماعات للسلطة والسياسات والعلاقات الاجتماعية.

الفلسفة تهتم بتحليل المعاني والدلالات وراء العلامات والرموز وفهم الأسئلة الكبرى حول الحقيقة والقيم. المنطق يوفر أدوات لفهم تراكيب الرسائل وبنائها والعلاقات بين العلامات والمعاني بطريقة سليمة. السيميولوجيا تطبق هذا الفهم على العلامات والرموز في عملية التواصل، مما يجعل الفلسفة والمنطق والسيميولوجيا متكاملة لفهم المعنى والتأثير في المجتمع.

التاريخ والجغرافيا يوفران خلفية زمنية ومكانية للعلامات والرموز، بينما السيميولوجيا تحلل المعاني والدلالات لهذه العلامات في سياقها التاريخي والجغرافي. هذا التقاطع يساعد على فهم الرسائل الإعلامية والثقافية بعمق، سواء من حيث الزمان أو المكان أو الثقافة.

علوم الأديان تدرس الرموز الدينية والممارسات التي تحمل قيمًا ثقافية وروحية. السيميولوجيا تحلل العلامات والرموز وتفسر تأثيرها على المتلقي ضمن السياق الاجتماعي والثقافي، ما يتيح فهمًا متكاملاً لكيفية نقل المعاني والقيم وتأثير الرسائل على الفرد والمجتمع.

القانون هو نظام من القواعد التي تنظم العلاقات بين الأفراد والمؤسسات والمجتمع والدولة. سيميولوجيا التواصل تساعد على قراءة النصوص القانونية وفهم المعاني المقصودة خلفها، سواء في التشريع أو الأحكام القضائية أو الاتفاقيات الدولية. كما يمكن تحليل أثر اللغة القانونية على المتلقي، سواء كان مواطنًا أو محاميًا أو قاضيًا، لفهم التفاعل بين السلطة والمجتمع.

خاتمة

يمكن القول إن سيميولوجيا التواصل تقدم لنا نافذة لفهم أعمق للعمليات التفاعلية التي تربط الإنسان بمحيطه والمجتمع بالعالم من حوله. فهي لا تقتصر على دراسة الرسائل والكلمات فحسب، بل تشمل العلامات والرموز بجميع أشكالها، وتضعها في سياقها النفسي والاجتماعي والثقافي والسياسي والفني.

لقد رأينا أن التواصل، في عمقه، عملية متعددة الأبعاد تجمع بين الفهم والممارسة، وتتطلب معرفة بالمفاهيم الأساسية، والوعي بالعوامل المؤثرة على إنتاج المعنى واستقباله. كما تبين لنا أن دراسة سيميولوجيا التواصل تتطلب تقاطعات معرفية واسعة مع علوم الإعلام والاتصال، اللسانيات، علم النفس، علم الاجتماع، الفلسفة، التاريخ، الجغرافيا، الأنثروبولوجيا، والقانون، لأن كل هذه العلوم توفر أدوات لفهم الرموز والعلامات وتحليل تأثيرها على الأفراد والمجتمعات.

بالتالي، فإن دراسة سيميولوجيا التواصل لا تمنح معرفة نظرية فحسب، بل تنمي القدرات التحليلية والنقدية، وتمكّن من قراءة الرسائل وفك شفرة الرموز وفهم الدلالات الخفية وراء النصوص والصور والإشارات. هذه القدرة على التحليل الشامل تجعل من المتمكن من علوم الإعلام والإتصال مشاركًا فاعلًا في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، وقادرًا على التعامل مع تعقيدات العصر الرقمي الذي يزداد فيه تراكم العلامات والرموز يومًا بعد يوم.

يتبع

المصادر: جملة من المقالات والكتب والمنشورات وخبرة في الميدان.

نادية الصبار
كاتبة صحافية
مديرة موقع danapress.ma
أستاذة مكونة بمعهد epag



اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد