الرائدة في صحافة الموبايل

نادية الصبار تكتب: “عراب السيميولوجيا وثنائية الدال والمدلول عند فرديناند دي سوسير”


لماذا ندرس فرديناند دي سوسير؟
حين ندرس فرديناند دي سوسير، لا ندرس مجرد لغوي عاش في القرن التاسع عشر، بل ندرس فكرًا مكّننا من فهم كيف تعمل اللغة، وكيف تُنتج العلامات دلالاتها، وكيف تتكلم الصور ووسائل الإعلام نفسها. فلسفته لم تغيّر فقط علم اللغة، بل أعادت ترتيب العلاقة بين اللغة والفكر والمعنى والتواصل، وأسست ما يُعرف اليوم بالسيميولوجيا واللسانيات البنيوية.

فالهدف من هذه الدراسة المتواضعة تهدف إلى هدفين اثنين: فهم التحول في دراسة اللغة من تاريخها وأصلها إلى بنيتها ووظيفتها، ثم إدراك الفرق بين اللغة والكلام، الدال والمدلول، التحليل التزامني والتحليل التعاقبي. ثم ربط الفكر السوسييري بتطبيقات عملية في الإعلام، الصور، الإعلانات، وتحليل الخطاب.

توطئة

منذ فجر التاريخ، رافق الإنسانَ فضولٌ عميق لمعرفة أصل اللغة، ذلك السرّ الذي ظلّ يؤرق العقول منذ القدم. ومع أن النقوش الهيروغليفية والسومرية والآشورية حملت إشارات إلى وجود معاجم ومترجمين، فإنّنا لا نملك أثرًا واضحًا لاهتمام منهجي باللغة قبل اختراع الكتابة واستعمالها في التدوين. ويُعدّ كتاب النحو الذي ألّفه بانيني في الهند في القرن الرابع قبل الميلاد أحد أقدم الشواهد العلمية على دراسة اللغة، إذ قدّم وصفًا دقيقًا للنظام الصوتي والتركيب الصرفي والنحوي للّغة السنسكريتية، وكان ذلك بدافع ديني في الأصل، لكنه مثّل انطلاقة أولى نحو التفكير المنهجي في اللغة.

أما البداية الفلسفية الحقيقية فكانت مع فلاسفة اليونان الذين انشغلوا بعلاقة اللفظ بالفكر. رأى أفلاطون أنّ اللغة ظاهرة طبيعية وأن للأصوات صلة جوهرية بالمعنى، في حين اعتبر أرسطو أنّ اللغة نظام اجتماعي يقوم على رموز واصطلاحات. ومن هذا الاختلاف نشأت نظريات عديدة حول أصل اللغة: بين من قال إنها وحيٌ إلهي، ومن رأى أنّها محاكاة لأصوات الطبيعة، ومن اعتبر أن للصوت قيمةً تعبيريةً بحدّ ذاته.

ورغم الجهد الفلسفي الكبير، ظلّ التفكير اللغوي عند اليونان محصورًا في الجانب المنطقي والمعياري، إذ انصبّ اهتمامهم على تمييز الصواب من الخطأ في الكلام ووضع قواعد لما “يجب” أن تكون عليه اللغة، لا لما هي عليه فعلاً. لذلك سادت نظرة تعليمية معيارية جعلت النحو عندهم أقرب إلى المنطق منه إلى العلم التجريبي.

وفي القرن الثامن عشر، ومع اكتشاف اللغة السنسكريتية، حدث تحوّل جذري فيما عُرف بمرحلة الفيلولوجيا والنحو المقارن. فقد تبيّن للباحثين الأوروبيين وجود قرابة بين اللغات السنسكريتية واليونانية واللاتينية، فانبثقت فكرة الأسر اللغوية، وبدأ البحث عن القوانين المشتركة التي تحكم تطور اللغات. وقد شكّل هذا الاكتشاف منعطفًا مهمًّا في تاريخ الدراسات اللسانية، إذ نقلها من الاهتمام بالقواعد إلى الاهتمام بالعلاقات بين اللغات وتاريخها.

في هذا السياق نشأ فرديناند دي سوسير (1857–1913)، الذي درس اللسانيات المقارنة أولًا، ثم تجاوزها ليؤسس منهجًا جديدًا أحدث ثورة فكرية حقيقية في القرن العشرين. فقد دعا سوسير إلى التمييز بين الدراسات التاريخية والدراسات الوصفية، معتبرًا أن الوصف هو السبيل العلمي لدراسة اللغة في لحظة زمنية محددة، أي الدراسة التزامنية، بدل الاكتفاء بتتبّع تطورها عبر الزمن أو ما يسمى بالدراسة التعاقبية.

ورأى سوسير أن اللغة ليست مجرد قائمة من الكلمات، بل نظام من العلاقات بين العلامات، وأنّ كل علامة لغوية تتكوّن من دالّ (الصوت أو الصورة السمعية) ومدلول (الفكرة الذهنية)، ولا قيمة لأي عنصر منهما إلا داخل البنية التي تحتويها. بهذه النظرة البنيوية، تحوّلت اللغة من مجرد وسيلة تواصل إلى نسق دلالي مستقل، وأصبحت اللسانيات علمًا قائمًا على التحليل البنيوي للعلاقات الداخلية.

لقد فتح دي سوسير بهذا التصور الباب أمام ميلاد السيميولوجيا (علم العلامات) التي ستغدو لاحقًا حقلًا معرفيًا واسعًا يدرس الظواهر الثقافية والاجتماعية والفنية بوصفها أنساقًا من العلامات. وهكذا استحقّ عن جدارة لقب عرّاب السيميولوجيا، إذ لم يكن مجرد لغوي، بل مفكّرًا غيّر وجه الدراسات الإنسانية بأكملها.

وُلد فرديناند دي سوسير سنة 1857 في مدينة جنيف السويسرية، في أسرة علمية مهتمة بالطبيعة والبحث الأكاديمي. أظهر منذ صغره ميولًا نحو دراسة اللغات، فأتقن اللاتينية واليونانية والسنسكريتية في سن مبكرة، ثم تابع دراسته في جامعة لايبزيغ بألمانيا، التي كانت آنذاك مركزًا رئيسيًا للدراسات المقارنة في اللغات الهندوأوروبية.

أصدر سوسير وهو في التاسعة عشرة من عمره أول مؤلف علمي له بعنوان «مقالة في نظام الأصوات في اللغات الهندوأوروبية» سنة 1879، وهو عمل جعل اسمه يُذكر بين اللغويين الكبار في أوروبا، إذ تميّز بجرأته النظرية ودقته المنهجية. عمل لاحقًا أستاذًا في جامعات باريس وجنيف، وكان له تأثير واسع في طلابه الذين حفظوا محاضراته بعد وفاته، ليجمعوها ويصدروا على أساسها كتابه الأشهر: «محاضرات في علم اللغة العام» (Cours de linguistique générale) سنة 1916، بعد ثلاث سنوات من رحيله.

هذا الكتاب، الذي جمعه تلميذاه شارل بالي وألبير سيشاي، شكّل المنعطف الحقيقي الذي نقل علم اللغة من مرحلة المقارنة التاريخية إلى مرحلة التحليل البنيوي. لقد وضع دي سوسير بذلك الأساس الذي قامت عليه اللسانيات الحديثة والسيميولوجيا المعاصرة.

بهذا التأسيس النظري، انتقل التفكير اللغوي من البحث عن أصل اللغة إلى دراسة بنيتها ووظيفتها داخل المجتمع. لم يعد السؤال: من أين جاءت اللغة؟ بل أصبح: كيف تعمل اللغة؟ وهنا بالضبط تكمن ثورة دي سوسير؛ فقد حرّر اللغة من قيود التاريخ، ووجّه الأنظار نحو نظامها الداخلي، نحو ما يسميه «النسق» الذي تتحدد فيه القيم والمعاني بعلاقات الاختلاف والتقابل بين الوحدات.

لقد كان سوسير أول من منح اللغة استقلالها بوصفها كيانًا علميًا يمكن دراسته بذاته ولذاته، بعيدًا عن الفلسفة والمنطق والميتافيزيقا. ومن هذا المنطلق، وضع الحدود الفاصلة بين اللغة (langue) باعتبارها نظامًا اجتماعيًا مشتركًا، والكلام (parole) باعتباره تحققًا فرديًا لذلك النظام. ثم بسط مفهوم العلامة اللغوية التي تقوم على ثنائية الدال والمدلول، مؤكدًا على الاعتباطية التي تحكم العلاقة بينهما، باعتبارها شرطًا لمرونة اللغة وقدرتها على التعبير غير المحدود.

وبهذا التمييز، وضع دي سوسير الأساس لما سُمّي لاحقًا باللسانيات البنيوية، التي ستؤثر تأثيرًا عميقًا في مختلف العلوم الإنسانية، من الأدب إلى علم الاجتماع، ومن التحليل النفسي إلى السيميولوجيا الحديثة. لقد فتح الباب أمام أجيال من المفكرين — من بينهم رولان بارت، جاك لاكان، وميشيل فوكو — الذين وسّعوا رؤيته وجعلوا من اللغة مركزًا لفهم الإنسان والعالم والمعنى.

وهكذا، لم يكن دي سوسير مجرد عالم لغوي، بل مفكرًا أحدث انقلابًا إبستمولوجيًا غيّر مسار المعرفة الحديثة، حين جعل من العلامة اللغوية مفتاحًا لفهم الثقافة والحضارة في أعمق تجلياتها.

لقد أحدث دي سوسير ثورة فكرية حقيقية حين أعاد ترتيب العلاقة بين اللغة والفكر، معتبرًا أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل نظام من العلامات يُبنى على التمييز والاختلاف. فالمعنى لا يتولد من الأشياء ذاتها، بل من العلاقات التي تربط العلامات ببعضها البعض داخل النسق اللغوي.
ومن هنا جاء تمييزه الحاسم بين اللغة (langue) باعتبارها منظومة اجتماعية من القواعد التي يشترك فيها المتكلمون، والكلام (parole) باعتباره فعلًا فرديًا لتطبيق تلك القواعد في التواصل. هذه الفكرة الجوهرية أسست لما سيعرف لاحقًا بالبنية اللغوية، وجعلت من اللسانيات علمًا يدرس اللغة في ذاتها ولذاتها، لا بوصفها وسيلة خارجية للتعبير عن الفكر.

كما وضع دي سوسير الأسس الأولى لما سماه بـالسيميولوجيا، أي علم العلامات في المجتمع، حين قال في عبارته الشهيرة: «يمكننا أن نتصور علمًا يدرس حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية، وسنسميه السيميولوجيا». هذه الرؤية المبتكرة ألهمت لاحقًا مفكرين كبارًا مثل رولان بارت، وميشيل فوكو، وكلود ليفي-ستروس، الذين طوروا الفكرة لتصبح أحد أعمدة التحليل الثقافي والفكري في القرن العشرين.

لقد انتقل بفضل دي سوسير مركز الاهتمام من البحث في أصل اللغة وتاريخها إلى دراسة بنيتها ووظيفتها، فحوّل علم اللسانيات من علم وصفي إلى علم بنيوي قائم على الملاحظة المنهجية للعلاقات بين العناصر داخل النظام اللغوي. ومن هذا المنطلق، بات يُنظر إلى اللغة كبنية مغلقة، تتحدد معانيها من داخلها لا من خارجها.

ولا يمكن الحديث عن دي سوسير دون الإشارة إلى أثره العميق في الفكر الإنساني عامة، إذ إن مفاهيمه اللغوية تسربت إلى ميادين الفلسفة، والأنثروبولوجيا، والنقد الأدبي، والإعلام، محدثةً ثورة في طريقة فهم الإنسان للمعنى والتواصل والرمز. لقد كان بحق عرّاب السيميولوجيا ومهندس التحول البنيوي الذي غيّر مسار العلوم الإنسانية برمتها.

لم يكن فكر دي سوسير مجرد تنظير لغوي جامد، بل كان مشروعًا فلسفيًا متكاملًا لإعادة تعريف الإنسان من خلال اللغة. فقد رأى أن اللغة ليست ملكًا للفرد، بل كيان اجتماعي جماعي يعيش في ذهن الجماعة ويتجسد في الاستعمال الفردي. من هنا جاءت ثنائيته الشهيرة بين اللغة (langue) والكلام (parole)؛ فاللغة هي النظام، أما الكلام فهو الفعل. الأولى تمثل البنية المستقرة التي تشترك فيها الجماعة، والثانية تمثل الأداء الفردي المتغير.

وانطلاقًا من هذه الثنائية، صاغ دي سوسير أهم مفاهيمه التي غيرت مسار الدراسات اللغوية، حين ميّز بين الدال (signifiant) والمدلول (signifié). فالعلاقة بينهما ليست طبيعية ولا جوهرية، بل اعتباطية، أي أن الكلمة لا تحمل معناها من ذاتها، بل من الاتفاق الاجتماعي الذي يربط الصوت بالفكرة. وهكذا تحوّل المعنى من كونه انعكاسًا للأشياء إلى كونه نتاجًا لعلاقات داخل النسق اللغوي ذاته.

كما وضع دي سوسير تمييزًا حاسمًا بين المنهج التزامني (synchronique) والمنهج التعاقبي (diachronique). فالأول يدرس اللغة في لحظة زمنية معينة بوصفها نسقًا ثابتًا، بينما الثاني يتتبع تطورها عبر الزمن. واعتبر أن التحليل التزامني هو المدخل العلمي الأصح لفهم اللغة كبنية متكاملة.

إلى جانب ذلك، فرّق دي سوسير بين العلاقات التركيبية (syntagmatiques) والعلاقات الترابطية (associatives) داخل اللغة. فالأولى هي التي تنشأ بين العناصر أثناء تأليف الجملة، أما الثانية فهي التي تربط الكلمات في الذهن ضمن شبكة من المعاني المشتركة. بهذه الطريقة، قدّم دي سوسير تصورًا عبقريًا لكيفية عمل اللغة داخل العقل الإنساني، وكيف تُنتج العلامات دلالاتها من خلال الارتباط والاختلاف في آن واحد.

لقد كان هدف دي سوسير الأعمق هو فهم ماهية المعنى. فالكلمة، في نظره، لا تكتسب قيمتها إلا من خلال اختلافها عن غيرها، أي أن اللغة نظام من الفروق لا من التطابقات. وبهذا قلب المفهوم التقليدي للغة رأسًا على عقب، حين جعل المعنى وليد البنية لا وليد النية، وجعل الإنسان كائنًا لغويًا قبل أن يكون كائنًا مفكرًا.

إن دراسة دي سوسير اليوم ليست مجرد عودة إلى بدايات اللسانيات، بل هي استعادة لجذر وأصل كل تفكير حديث في التواصل والمعنى. فحين جعل اللغة نظامًا من العلامات، وضع الأساس الذي ستبنى عليه لاحقًا علوم الإعلام، والإشهار، وتحليل الخطاب، والاتصال الجماهيري. فكل رسالة إعلامية، وكل إعلان، وكل صورة أو شعار، ليست سوى علامة تبحث عن مدلول في ذهن المتلقي، وتتحكم فيها نفس القوانين التي وصفها دي سوسير قبل أكثر من قرن.

لقد فتح دي سوسير الباب أمام فهم جديد للعلاقة بين المرسل والمتلقي والرسالة، وأرسى قاعدة مفادها أن المعنى لا يُمنح، بل يُبنى من خلال التفاعل بين العلامات والسياقات. ولهذا، فإن فلسفته لم تغيّر فقط علم اللغة، بل غيرت طريقة نظرنا إلى العالم والإعلام والمجتمع.

يتبع

المصادر: جملة من المقالات والكتب والمنشورات وخبرة في الميدان.

نادية الصبار
كاتبة صحافية
مديرة موقع danapress.ma
أستاذة مكونة بمعهد epag

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد