الرائدة في صحافة الموبايل

نادية الصبار تكتب: الصحافة الصفراء ومنطق الضرورة الذي يبيح المحظورة!

يطرح الحديث عن الصحافة الصفراء إشكالًا مركزيًا لا يمكن حسمه بمنطق الإدانة أو التبرير وحده، إذ سرعان ما ينتقل النقاش من توصيف الظاهرة إلى مساءلة موقعها داخل الحقل الإعلامي المعاصر. فهل تمثل الصحافة الصفراء انحرافًا مهنيًا ينبغي استبعاده أخلاقيًا، أم أنها استجابة اضطرارية لشروط إنتاج جديدة فرضها السوق الرقمي وتحولات الجمهور؟ ضمن هذا الأفق الإشكالي، يكتسب هذا المبحث موقعه المحوري داخل الدرس، لأنه ينقل النقاش من مستوى الوصف إلى مستوى المساءلة، ويُحاول تفكيك المنطقة الرمادية التي تتحرك داخلها هذه الممارسة، حيث تتداخل الضرورات الاقتصادية مع الحدود المهنية، ويتقاطع منطق الجذب مع مقتضيات المسؤولية الإعلامية.

أولًا: تعميق مفهوم «الضرورة» خارج التبرير الاقتصادي المباشر

تُقدَّم الصحافة الصفراء في كثير من الخطابات الإعلامية بوصفها استجابة واقعية لأزمة تعيشها الصحافة المعاصرة، تتجلى في تراجع نسب القراءة، وانكماش سوق الإعلانات، واحتدام المنافسة داخل فضاء رقمي سريع الإيقاع. ووفق هذا التصور، لا تُطرح الإثارة باعتبارها خيارًا تحريريًا واعيًا بقدر ما تُقدَّم كآلية تكيّف مع شروط إنتاج ضاغطة، تجعل من الجذب شرطًا للبقاء داخل دائرة الاهتمام.

غير أن اختزال مفهوم الضرورة في بعدها الاقتصادي فقط يُغفل أبعادًا أخرى أكثر تعقيدًا، ترتبط بتحولات زمن الخبر، وتسارع وتيرة التلقي، وصعود منطق الآنية والسبق على حساب التحليل والتفسير. ففي هذا السياق، تصبح الإثارة لغة مختصرة لمجاراة السرعة، لا تعبيرًا صريحًا عن غياب القيم، بل عن تحوّل في بنية الممارسة الإعلامية نفسها. ومع ذلك، يظل هذا التحوّل محفوفًا بمخاطر مهنية، إذ يمكن أن يتحول التكيّف مع شروط السوق إلى تبرير ضمني للتنازل عن الضوابط التحريرية، والانزلاق من الضرورة إلى الاعتياد.

ثانيًا: توسيع «المحظور» من الأخلاقي إلى الاجتماعي

إذا كانت الصحافة الصفراء تُبرَّر أحيانًا بمنطق الضرورة، فإن حدودها المحظورة تتجلى حين تتحول الإثارة من وسيلة جذب إلى ممارسة تُلحق أذى فعليًا بالأفراد والمجتمع. فالتشهير، وانتهاك الخصوصية، وتضخيم الوقائع المعزولة، لا تمثل فقط تجاوزات أخلاقية فردية، بل تؤدي إلى آثار اجتماعية أوسع، تتجلى في إعادة إنتاج الصور النمطية، وتغذية خطاب التهويل، وإضعاف الثقة العامة في وسائل الإعلام.

وفي هذا المستوى، لا يعود النقاش مرتبطًا بأخلاقيات المهنة فقط، بل بوظيفة الإعلام داخل المجتمع. فالصحافة، حين تنحرف عن دورها التنويري، وتتحول إلى أداة لإثارة الفضول والخوف، تساهم في تشكيل وعي جماعي مشوّه، وتُضعف قدرتها على لعب دورها الرقابي والنقدي. وهنا، يصبح المحظور مرتبطًا بالأثر، لا بالنية فقط، وبالنتائج التراكمية، لا بالفعل المعزول.

ثالثًا: الجمهور بين المسؤولية والتواطؤ غير المقصود

لا يمكن فهم استمرار الصحافة الصفراء وانتشارها دون النظر إلى موقع الجمهور داخل المنظومة الإعلامية الرقمية. فالجمهور لم يعد متلقيًا سلبيًا للمحتوى، بل أصبح فاعلًا يساهم، عبر التفاعل والمشاركة وإعادة التداول، في رفع المواد المثيرة وتكريس حضورها، حتى في الحالات التي يُعبَّر فيها عن رفضها أخلاقيًا. وبذلك، تتحول الإثارة إلى محتوى مربح رمزيًا، بغض النظر عن مضمونه.

ويتعقّد هذا الدور أكثر حين يتقاطع سلوك المستخدمين مع منطق خوارزمي غير مرئي، يعمل على تضخيم المحتوى الأكثر جذبًا، ويُعيد إنتاجه باستمرار. هذا التفاعل بين الرغبة الفردية، واقتصاد الانتباه، وبرمجة المنصات، يُخرج النقاش من ثنائية «صحفي مخطئ/جمهور منحرف»، ويضع الصحافة الصفراء داخل منظومة إعلامية كاملة تُنتج الإثارة وتُعيد تدويرها.

وانطلاقًا مما سبق، يتّضح أن تحليل الصحافة الصفراء في البيئة الإعلامية المعاصرة لا يمكن أن يظلّ حبيس المقاربة البنيوية التي تفسّر الظاهرة بمنطق الخوارزميات، واقتصاد الانتباه، وضغوط السوق الرقمي فقط. فهذه العناصر، رغم أهميتها التفسيرية، لا تُجيب وحدها عن الأسئلة القيمية التي تطرحها الممارسة الصحفية حين تنزلق من التكيّف التقني إلى المساس بالمسؤولية المهنية. ومن هنا، يقتضي الانتقال من مستوى تفكيك الشروط البنيوية لإنتاج الإثارة إلى مستوى مساءلة حدودها، وطرح السؤال الجوهري حول ما إذا كانت الصحافة الصفراء تمثل ضرورة فرضتها التحولات الإعلامية، أم ممارسة محظورة حين تتجاوز الخطوط الأخلاقية والاجتماعية للمهنة.

رابعا: إشكالية المعايير والضبط المهني

يُظهر النقاش حول الصحافة الصفراء أن الإشكال لا يكمن فقط في وجود هذا النمط من الممارسة داخل المشهد الإعلامي، بل في غياب معايير مهنية واضحة ومتفق عليها تضبط العمل الصحفي وتحدد حدوده الفاصلة بين ما يُعدّ ممارسة مشروعة وما يتحول إلى انحراف مهني. فمفهوم الصحافة الصفراء يظل مفهومًا نسبيًا وإشكاليًا، يختلف من مجتمع إلى آخر تبعًا للسياقات الثقافية والقيم السائدة، ولمستوى حماية الحياة الخاصة، ولدرجة التسامح الاجتماعي مع الإثارة والتشهير، وهو ما يجعل الحكم عليها متغيرًا وغير مستقر، ويُعقّد عملية الضبط والمساءلة.

وفي هذا السياق، يفرض النقاش ضرورة التمييز بين الصحافة الصفراء والصحافة الشعبية، لما بينهما من تداخل قد يُستغل لتبرير ممارسات لا مهنية. فالصحافة الشعبية، في أصلها، تقوم على القرب من الجمهور، والاهتمام بقضاياه اليومية، واعتماد لغة بسيطة ومباشرة تسهّل الفهم والتداول، دون أن يعني ذلك بالضرورة التفريط في الدقة أو المصداقية. غير أن هذا القرب قد يتحول، في غياب معايير واضحة، إلى ذريعة للانزلاق نحو الإثارة المفرطة، أو استغلال المعاناة الفردية، أو إعادة إنتاج الصور النمطية، بما يُفرغ العمل الصحفي من أبعاده التنويرية ويحوّله إلى مجرد منتج استهلاكي سريع الزوال.

ولا يرتبط هذا الخلل بالممارسة الفردية للصحفيين بقدر ما يعكس ضعفًا بنيويًا في منظومة الضبط المهني، يتمثل في تراجع مواثيق الشرف عن لعب دورها التأطيري، وفي هشاشة التكوين الصحفي، خاصة في ما يتعلق بأخلاقيات المهنة والتعامل مع القضايا الحساسة. كما يسهم غياب التربية الإعلامية في جعل الجمهور أقل قدرة على التمييز بين الخبر والمعالجة المثيرة، وبين الصحافة الشعبية بوصفها اختيارًا أسلوبيًا، والصحافة الصفراء بوصفها انحرافًا مهنيًا، وهو ما يخلق دائرة مغلقة يُعاد فيها إنتاج المحتوى المثير استجابة لمنطق الطلب المتزايد عليه.

بهذا المعنى، لا يمكن التعامل مع الصحافة الصفراء بوصفها مشكلة معزولة أو طارئة، بل باعتبارها نتيجة لتداخل عوامل مهنية، ومؤسساتية، وثقافية، وتقنية. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في الإقصاء أو المنع، بقدر ما يتمثل في إعادة بناء منظومة معايير واضحة، قابلة للتطبيق، تُوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، وتحفظ للصحافة دورها بوصفها أداة معرفة وخدمة عامة، لا مجرد سلعة خاضعة لمنطق الإثارة والانتشار.

يتبع

المصادر: جملة من المقالات والكتب والمنشورات وخبرة في الميدان.

نادية الصبار
كاتبة صحافية
مديرة موقع danapress.ma
أستاذة مكونة بمعهد epag

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد