الرائدة في صحافة الموبايل

نادية الصبار تكتب.. الصحافة الصفراء ومنطق الاشتغال الفج!


يقتضي تناول ظاهرة الصحافة الصفراء في السياق المغربي التوقف عند بعض التجارب الإعلامية الرقمية التي فرضت حضورها بقوة داخل المشهد، ليس بوصفها حالات معزولة، بل باعتبارها تعبيرًا عن تحولات أعمق في بنية الإنتاج الصحفي وأنماط التلقي. وفي هذا الإطار، تتيح دراسة بعض النماذج المتكررة الوقوف على منطق اشتغال الصحافة الصفراء، سواء في صيغتها الفرجوية الصريحة، أو في أشكالها الأكثر مقنعية ونعومة.


أولًا: نموذج الإعلام الفرجوي واستغلال القضايا الاجتماعية

يُحيل هذا النموذج إلى نمط إعلامي رقمي موجَّه إلى الجمهور الواسع، يعتمد أساسًا على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا الفيديو، باعتباره وسيطًا سريع الانتشار ومنخفض الكلفة، وقادرًا على تحقيق نسب مشاهدة عالية في زمن تراجعت فيه الصحافة المكتوبة وضعف حضور الإعلام التقليدي لدى فئات واسعة من المتلقين.

تحريريًا، يقوم هذا النموذج على التركيز المكثف على القضايا ذات الحمولة الانفعالية العالية، من قبيل الجرائم، والنزاعات الأسرية، والوقائع المرتبطة بالمحاكم، والأحداث اليومية التي تمس العواطف المباشرة للجمهور. ويُلاحظ في هذا السياق اعتماد أسلوب يقوم على الشخصنة بدل المعالجة السياقية، حيث تُقدَّم الوقائع من خلال الأفراد وحكاياتهم، لا من خلال تحليل الأبعاد القانونية أو الاجتماعية أو المؤسساتية، بما يحوّل الحدث إلى قصة فرجوية أكثر منه مادة إخبارية تفسيرية.


كما يعتمد هذا النموذج على عناوين لافتة، ولغة تصويرية مباشرة، واستثمار واضح في الانفعال الإنساني، سواء عبر إبراز البكاء، أو الغضب، أو الصدمة، في تقاطع مباشر مع منطق الصحافة الصفراء الرقمية. غير أن الإشكال المهني لا يكمن في عنصر الإثارة في حد ذاته، بل في الانزلاق المتكرر من الجذب الإعلامي إلى التشهير، خاصة حين تُنشر معطيات شخصية حساسة، أو تُعرض أطراف القضايا في وضعيات قد تمس بقرينة البراءة أو بالكرامة الإنسانية.

ورغم الانتقادات التي تُوجَّه إلى هذا النموذج، فإن تحليله يطرح.سؤالا جوهريا: لماذا يحقق هذا النوع من الإعلام انتشارًا واسعًا؟ ويعود الأمر إلى عوامل متعددة، من بينها هشاشة التربية الإعلامية، وتراجع الثقة في الإعلام التقليدي، وتعطّش الجمهور لمحتوى قريب من حياته اليومية، إضافة إلى غياب بدائل رقمية جادة قادرة على الجمع بين المهنية والجاذبية.

من هذا المنطلق، لا يمكن اختزال هذا النموذج في كونه ممارسة منحرفة فقط، بل ينبغي فهمه باعتباره نتيجة تفاعل معقّد بين منطق السوق، وسلوك الجمهور، وفراغات تنظيمية وأخلاقية داخل الحقل الإعلامي الرقمي. فهو يكشف، بوضوح، حدود الضبط الذاتي، ويطرح بإلحاح سؤال المسؤولية المهنية في زمن أصبح فيه السبق يُقاس بعدد المشاهدات لا بعمق المعالجة.

ثانيًا: نموذج «الإثارة السياسية المقنَّعة» وخطاب الكواليس

في مقابل الصحافة الصفراء الفرجوية الصريحة، يبرز نموذج أكثر تعقيدًا وأقل مباشرة، يتمثل في صحافة تتخفّى خلف قناع المهنية، وتستثمر لغة الخبر وأدوات الصحافة الجادة، دون أن تتخلى عن منطق الإثارة والجذب. ويعكس هذا النموذج تحولًا نوعيًا في اشتغال الصحافة الصفراء، حيث لم تعد مرتبطة بالفضيحة المباشرة أو اللغة الصادمة، بل باتت تمارس تأثيرها من داخل القالب المهني نفسه.

يقوم هذا النموذج أساسًا على تغذية الاهتمام بما يُقدَّم بوصفه “كواليس” القرار السياسي، و“ما يدور خلف الستار”، مع بناء خطاب يوحي بالقرب من دوائر السلطة أو مراكز النفوذ. غير أن هذا القرب يتحول، في كثير من الحالات، إلى أسلوب قائم على التلميح أكثر من التصريح، وعلى الإثارة السياسية المغلّفة بلغة خبرية، حيث تُصاغ العناوين بإيحاءات قوية، ويُقدَّم الصراع السياسي كسردية تشويق تُتابَع، لا كموضوع يُحلَّل ضمن سياقاته البنيوية.

في هذا النموذج، لا تظهر الصحافة الصفراء في شكلها التقليدي، بل تتسلل عبر منطق السبق، واستعمال المصادر غير المسمّاة، وتكثيف التركيز على الأشخاص ومواقعهم، بدل تفكيك السياسات العمومية أو تحليل الاختيارات الاستراتيجية. وهكذا تتحول المهنية، في ظاهرها، إلى غطاء يحمي خطابًا يقوم في جوهره على الإثارة السياسية، لا على الإخبار التفسيري.

ويأخذ هذا النموذج أحيانًا شكلًا أكثر نعومة داخل صحافة تبدو منضبطة مهنيًا من حيث اللغة والبناء، لكنها تميل، تحت ضغط المنافسة وتراجع المقروئية، إلى إبراز التفاصيل المثيرة داخل قضايا معقّدة، أو إلى صياغة عناوين مشحونة أكثر من متونها، بما يجعل الجذب مقدّمًا أحيانًا على الإحاطة الشاملة بالسياق. وهنا لا نكون أمام فضيحة صريحة أو تشهير مباشر، بل أمام انزلاق ناعم نحو الإثارة، يُبرَّر غالبًا بضرورات السوق، ويُمارَس من داخل قالب مهني مشروع.

هذا وتكشف المقارنة بين النموذجين أن الصحافة الصفراء لم تعد مرتبطة فقط باللغة الفجّة أو بالمحتوى الفاضح، بل أصبحت منطق اشتغال مرن، قابل للتكيّف، يتخذ أشكالًا متعددة بحسب المنصة والجمهور المستهدف. فحين تتكرر الخصائص نفسها من حيث اختيار المواضيع، وبناء العناوين، وتغليب البعد الانفعالي على التحليل، فإن الأمر لا يتعلق بانحرافات فردية، بل بنمط إعلامي آخذ في الترسّخ داخل المشهد الإعلامي المغربي.

وتكمن خطورة هذا النمط، خصوصًا في صيغته المقنَّعة، في كونه يصعب كشفه، لأنه لا يقدّم نفسه بوصفه صحافة صفراء، بل يستثمر ثقة المتلقي في القالب الإخباري، ويُمارس تأثيره من داخل خطاب يبدو مهنيًا ومحايدًا. وهنا يصبح التحدي الحقيقي ليس فقط في مواجهة الصحافة الصفراء الفرجوية، بل في تفكيك تلك التي ترتدي قناع الجدية، وتُعيد تعريف حدود المهنية في زمن تحوّل فيه الخبر إلى سلعة، والانتباه إلى مورد نادر.

ثالثا- مؤشرات رصد.. كيف تعرف أن الخبر الذي تقرأه «صحافة صفراء مقنَّعة»

ليس كل خبر مثير ممارسة للصحافة الصفراء، كما أن الهدوء اللغوي لا يشكّل وحده ضمانة للمهنية. فالانزلاق نحو هذا النوع من الصحافة لا يُقاس بالشكل الظاهري للنص، بل بمنطق الاشتغال الذي يحكم بناءه واختياراته. وغالبًا ما تتكشّف الصحافة الصفراء المقنّعة من خلال مؤشرات متداخلة لا تعمل منفردة، بل تكتسب دلالتها حين تجتمع داخل نص واحد.

أولى هذه المؤشرات يظهر في العنوان حين يعد القارئ أكثر مما يقدّم المتن، فيُحمَّل بالإيحاء أو الصدمة أو التشويق المفرط، بينما يعجز المحتوى عن الإيفاء بهذا الوعد. هنا يتحوّل العنوان من أداة تلخيص إلى أداة خداع، ويصبح الجذب غاية في حد ذاته لا مدخلًا للإخبار. ويتعزّز هذا المنطق حين يُختزل حدث معقّد في شخص واحد، أو تُروى الوقائع من زاوية انفعالية ضيقة، مع تغييب السياق القانوني أو الاجتماعي أو المؤسساتي، فيتحوّل الخبر إلى حكاية مشخّصة لا إلى معلومة قابلة للفهم والتحليل.

كما يبرز الانزلاق المهني حين تغيب المصادر الدقيقة، أو تُستبدل بعبارات فضفاضة من قبيل “مصادر مطلعة” أو “جهات عليمة” دون أي تحديد أو تقاطع، فيغدو الإيحاء بديلًا عن التحقق. ويتقاطع ذلك مع استثمار الانفعال بدل الشرح، حيث تُغرق النصوص بمشاهد الغضب أو البكاء أو الصدمة، وتُستدعى لغة عاطفية كثيفة، في مقابل ضعف التحليل والتفسير، بما يجعل الأثر النفسي أسبق من الفهم.

ويزداد الأمر وضوحًا عندما يختلط الخبر بالرأي، فيتسلّل الحكم القيمي أو التلميح الأخلاقي أو الاتهام غير المصرّح به إلى نص يُقدَّم بوصفه مادة إخبارية. كما يُعد الإغراق في تفاصيل شخصية أو حميمية أو هامشية، لا تضيف شيئًا إلى فهم الحدث، مؤشرًا كلاسيكيًا على منطق الاستهلاك لا على منطق الإخبار، خاصة حين تُوظَّف هذه التفاصيل لزيادة قابلية النص للتداول.

ويُفرغ الخبر من وظيفته الإخبارية أيضًا حين يغيب التوازن في عرض الأطراف، فيُقدَّم طرف واحد باعتباره “صوت الحقيقة”، مقابل تغييب أو تشويه الطرف الآخر، حتى دون اتهام مباشر. ويواكب ذلك أحيانًا استعجال في النشر بدعوى السبق، حيث تُقدَّم السرعة باعتبارها قيمة مطلقة، على حساب التحقق واستكمال المعطيات، فتتحوّل العجلة إلى مبرّر للتضليل أو الفبركة.

كما يكشف منطق الصحافة الصفراء المقنّعة عن نفسه عبر كثافة التكرار دون إضافة حقيقية، من خلال إعادة تدوير الحدث نفسه بعناوين مختلفة وزوايا مصطنعة، في خدمة “اصطياد النقرات” لا في خدمة المعرفة. ويظل المؤشر الأبلغ، وإن كان غير تقني، هو ذلك الانطباع الانفعالي القوي الذي يغادر به القارئ النص، دون أن يمتلك فهمًا واضحًا لما جرى فعليًا؛ فحين يُستبدل الفهم بالتأثر، نكون أقرب إلى التوجيه العاطفي المقصود منه إلى الإعلام المسؤول.

رابعا- ميثاق الممارسة المسؤولة في مواجهة التمدد الأصفر

تقتضي مواجهة التمدد “الأصفر” في الممارسة الصحفية الانتقال من مجرد الرفض القيمي أو الإدانة الأخلاقية إلى الضبط الإجرائي القائم على معايير واضحة، تعيد صياغة العلاقة بين الجذب الإخباري والمصداقية المهنية. فالرهان لم يعد في رفض الإثارة من حيث المبدأ، بل في ضبطها ضمن حدود مهنية تجعل من الخبر قيمة معرفية لا سلعة استهلاكية.

وينطلق هذا الضبط من الموازنة الدقيقة بين ما يُسمّى “حق الرواج” وواجب التحقق، إذ إن السعي إلى السبق أو ارتفاع نسب المتابعة لا يعفي الصحفي من شرط التثبت. فالخبر في الصحافة الرصينة ليس واقعة معزولة تُستثمر لشدّ الانتباه، بل حدث مفسَّر يوضع في سياقه ويُقدَّم بما يضيف فهمًا حقيقيًا للمتلقي. لذلك، يظل السؤال التحريري الحاسم قبل النشر هو: هل يقدّم المحتوى معرفة، أم يكتفي باستثارة الفضول الغريزي؟

كما يفرض الضبط المهني تمييزًا إجرائيًا صارمًا بين الصحافة الشعبية بوصفها انحيازًا لقضايا المجتمع بلغة قريبة وسلسة، وبين الصحافة الصفراء التي تقوم على تحويل المعاناة الإنسانية إلى فرجة. فالممارسة المسؤولة هي التي تختار القرب دون السقوط في التشييء، وتمنح الصوت للأفراد دون نزع وقائعهم من سياقها الاجتماعي أو القانوني.

ويحتل العنوان في هذا السياق موقعًا مركزيًا، باعتباره العتبة الأولى للمصداقية. إذ إن أي انفصال بين منطوق العنوان ومضمون الخبر يُعد تضليلًا مهنيًا صريحًا، حتى وإن لم يتضمن كذبًا مباشرًا. فالعنوان في الصياغة التقريرية خلاصة مكثفة للحدث، لا فخًا لغويًا يقطع الصلة بين القارئ والحقيقة تحت منطق “الطُعم” الرقمي.

وتتأسس الممارسة المسؤولة كذلك على حماية أخلاقية صارمة للخصوصية، واحترام قرينة البراءة والكرامة الإنسانية. فالإثارة تتوقف عند حدود المساس بالمعطيات الشخصية الحساسة، أو الزج بالأفراد في محاكمات إعلامية استباقية تقوم على التشهير أو الشخصنة، بدل التحليل والتفسير.

ولا يكفي في هذا السياق الالتزام بلغة هادئة أو رصينة إذا كان المنطق التحريري نفسه يقوم على الإثارة المقنّعة، أو على تضخيم “الكواليس” والتلميحات الإيحائية على حساب الوقائع المؤكدة. لذلك، يظل الكشف عن المصادر، وتجنّب الإيحاء غير المبرر، شرطين أساسيين لكشف الخبر الأصفر حتى حين يرتدي قناع الجدية.

وفي العمق، تتجاوز المسؤولية الصحفية مجرد نقل الخبر إلى الإسهام في التربية الإعلامية للمجتمع، باعتبار الصحفي شريكًا في بناء الوعي العام. ومن ثم، فإن الممارسة الفضلى هي التي توازن بين تلبية طلب السوق الرقمي وبين الارتقاء بذائقة الجمهور، عبر محتوى يجمع بين الجاذبية الشكلية والعمق في المعالجة.

وخلاصة القول إن الفيصل بين الصحافة بوصفها رسالة تنويرية، وبينها كسلعة صفراء، لا يتحدد بنوع الوسيط ولا بشكل التقديم، بل بالمسافة النقدية التي يضعها الصحفي بين المعطى الخام ومنطق معالجته. فكلما ارتفع منسوب التحليل، واتسع السياق التفسيري، وتقدّم التحقق على الانفعال، تراجع منطق الاصفرار لصالح خبر مهني يستجيب لوظيفة الإخبار لا لمنطق الاستهلاك.

انتهى

المصادر: جملة من المقالات والكتب والمنشورات وخبرة في الميدان.

نادية الصبار
كاتبة صحافية
مديرة موقع danapress.ma
أستاذة مكونة بمعهد epag

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد