الرائدة في صحافة الموبايل

نادية الصبار تكتب: الثالوث السيميائي والسيميوز عند شارل سندرس بورس

هذه سلسلة ضمن دليل تربوي بعنوان “في فهم المعنى.. سيميولوجيا التواصل والخطاب الإعلامي”

توطئة

تُعدّ السيميوطيقا عند تشارلز ساندرز بيرس من أكثر التصورات السيميائية تعقيدًا وثراءً في الفكر المعاصر، لأنها لا تنظر إلى العلامة باعتبارها وحدة لغوية أو بنية ثابتة، بل بوصفها سيرورة ذهنية وتأويلية تُنتج المعنى داخل التواصل الإنساني. ومن هذا المنطلق، لا يمكن دراسة سبميولوجيا التواصل عند بيرس دون الوقوف بدقة عند مفهوم الثالوث السيميائي، ثم عند مفهوم السيميوز باعتباره الإطار الذي تتحقق داخله الدلالة.
يهدف هذا الفصل إلى تقديم شرح منهجي ومتدرج للثالوث السيميائي، عنصرًا عنصرًا، قبل الانتقال إلى تركيبها داخل سيرورة السيميوز، بما يسمح للقارئ بفهم منطق العلامة البورسية دون اختزال أو قفز مفاهيمي.

أولًا: الثالوث السيميائي عند بيرس

لا يمكن الولوج إلى تصور تشارلز ساندرز بيرس للعلامة دون الوقوف أولًا عند الإشكال المركزي الذي حاول هذا الفيلسوف معالجته، ويتعلق الأمر بسؤال المعنى: كيف يُنتَج المعنى؟ وهل يمكن اختزاله في علاقة بسيطة بين شكل ودلالة، أم أنه نتيجة سيرورة أكثر تعقيدًا وتشابكًا؟
لقد انطلق بيرس من نقد ضمني للتصورات التي تنظر إلى العلامة باعتبارها وحدة مغلقة أو علاقة ثنائية مكتفية بذاتها. فحسب هذا التصور، يُفهم المعنى بوصفه نتيجة مباشرة لربط عنصرين اثنين، غالبًا ما يُعبَّر عنهما بشكل/مضمون أو دال/مدلول. غير أن بيرس رأى في هذا الاختزال قصورًا نظريًا، لأنه لا يفسّر كيفية تشكل المعنى في الذهن، ولا يوضح لماذا يختلف الفهم من شخص إلى آخر، ولا كيف يتغير المعنى بتغير السياق.
بالنسبة إلى بيرس، لا توجد علامة تُنتج معناها تلقائيًا، ولا يمكن الحديث عن دلالة دون المرور عبر فعل ذهني وتأويلي. فالمعنى ليس خاصية كامنة في العلامة، بل نتيجة علاقة معقّدة بين ما يظهر، وما يُحال إليه، وما يُفهم. ومن هنا، تصبح العلامة حدثًا معرفيًا، لا مجرد عنصر لغوي أو بصري.
في هذا الأفق، اقترح بيرس تصورًا ثلاثيًا للعلامة، يقوم على تجاوز المنطق الثنائي نحو منطق أكثر قدرة على استيعاب تعقيد التجربة الإنسانية. هذا المنطق الثلاثي لا يُضاف من الخارج إلى العلامة، بل ينبع من طبيعة التفكير ذاته، لأن الإنسان لا يدرك الأشياء إدراكًا مباشرًا ونهائيًا، بل عبر وسائط، وتأويلات، وقواعد ذهنية مكتسبة.
إن الثالوث السيميائي عند بيرس لا يهدف إلى تصنيف العلامات بقدر ما يهدف إلى وصف آلية اشتغال المعنى. فهو يضعنا أمام تصور دينامي للعلامة، يجعل منها حلقة داخل سيرورة متواصلة من الفهم والتأويل. ومن هنا، لا يمكن دراسة سبميولوجيا التواصل دون استيعاب هذا الثالوث، لأنه يمثل البنية الأساسية التي تنتظم داخلها كل عملية دلالية.
انطلاقًا من هذا التمهيد، سنعرض عناصر الثالوث السيميائي كما صاغها بيرس، مع الحرص على تقديم كل عنصر على حدة، قبل تركيبها داخل مفهوم السيميوز، بما يسمح بفهم متدرج ومنهجي لكيفية إنتاج المعنى داخل التواصل الإنساني.

1. المُمثِّل (Representamen): حضور العلامة
المُمثِّل هو أول مكوّن في الثالوث السيميائي، ويقصد به الشكل الذي تظهر به العلامة في الإدراك الحسي. قد يكون هذا المُمثِّل كلمة منطوقة أو مكتوبة، صورة، لونًا، صوتًا، حركة جسدية، لباسًا، أو أي مظهر يمكن أن يقوم مقام شيء آخر في الذهن.
في هذا المستوى، لا تحمل العلامة معناها الكامل بعد، بل تشتغل بوصفها إثارة حسية أو حضورًا ظاهريًا. لذلك يربط بيرس المُمثِّل بمقولة الأولية، أي عالم الإحساس والإمكان. فالمُمثِّل لا يعرّفنا بالشيء، ولا يمنحنا معرفة به، بل يضعنا فقط أمام إمكانية الدلالة.

2. الموضوع (Object): ما تشير إليه العلامة
الموضوع هو العنصر الثاني في الثالوث السيميائي، ويتمثل في الشيء الذي تشير إليه العلامة، سواء كان هذا الشيء واقعيًا، أو متخيَّلًا، أو مجرد فكرة ذهنية. فالعلامة لا تحيل بالضرورة إلى شيء مادي حاضر، بل قد تحيل إلى قيمة، أو مفهوم، أو كيان غير ملموس.
يرتبط الموضوع بمقولة الثانوية، لأنه يمثل لحظة التحقق والوجود الفعلي. هنا تخرج العلامة من مستوى الإحساس المجرد إلى مستوى الإحالة على شيء محدد، في زمان ومكان معينين. غير أن هذه الإحالة، في حد ذاتها، لا تكفي لإنتاج معنى مستقر، لأنها تظل مرتبطة بالنسخة الواحدة والمفردة.

3. المؤوِّل (Interpretant): المعنى المتولِّد
المؤول هو العنصر الثالث والأكثر مركزية في الثالوث السيميائي عند بيرس. ولا يُقصد به الشخص الذي يفسّر العلامة، بل الأثر الذهني أو المعنى الذي يتشكل نتيجة العلاقة بين المُمثِّل والموضوع.
يرتبط المؤوِّل بمقولة الثالثية، أي عالم الفكر والقانون والتوسط. ففي هذا المستوى، يقوم العقل بربط الإحساس بالوجود وفق قاعدة تسمح بفهم العلامة وتعميم معناها. المؤوِّل هو ما يجعل العلامة قابلة للتداول داخل المجتمع، وليس مجرد إدراك فردي عابر.

ثانيًا: السيميوز (Semiosis).. سيرورة إنتاج المعنى وحركية الدلالة
بعد تحديد عناصر الثالوث السيميائي، ينتقل تشارلز ساندرز بيرس إلى مستوى أكثر تركيبًا في تحليل العلامة، يتمثل في مفهوم السيميوز. ولا يشير هذا المفهوم إلى عنصر إضافي داخل العلامة، بل إلى العملية الكلية التي يتم من خلالها إنتاج المعنى. فالسيميوز ليست كيانًا ثابتًا، ولا مرحلة منتهية، بل سيرورة دينامية تتحقق كلما اشتغلت العلامة داخل التواصل الإنساني.
يعرّف بيرس السيميوز باعتبارها العملية التي يصبح من خلالها شيء ما علامة، أي حين يدخل المُمثِّل في علاقة دلالية مع موضوع، بواسطة مؤوِّل. غير أن هذه العلاقة لا تُفهم بوصفها ترتيبًا خطيًا بسيطًا، بل كحركة دائبة ينتقل فيها المعنى من مستوى إلى آخر، ومن علامة إلى أخرى.
تكمن خصوصية السيميوز في كونها عملية غير منتهية بطبيعتها. فالمؤول الذي ينتج عن علاقة دلالية معينة لا يمثل نقطة توقف للمعنى، بل يتحول بدوره إلى مُمثِّل جديد، يدخل في علاقة جديدة مع موضوع آخر، ويُنتج مؤولًا آخر. وبهذا المعنى، لا يوجد “معنى نهائي” بالمعنى المطلق، بل توجد لحظات مؤقتة لتثبيت الدلالة داخل سياقات محددة.
ويُظهر هذا التصور أن المعنى لا يُستخرج من العلامة كما يُستخرج مضمون من وعاء، بل يُبنى تدريجيًا عبر تفاعل متواصل بين الإدراك الحسي، والواقع، والفكر. فالسيميوز هي التي تجعل العلامة قابلة للفهم، لكنها في الوقت نفسه تجعل المعنى مفتوحًا على التحول وإعادة التأويل.
إن السيميوز، بهذا المعنى، لا تشتغل فقط على مستوى اللغة أو الرموز اللسانية، بل تشمل كل أشكال التواصل: الصور، الإيماءات، الطقوس، الخطابات، والعلامات الثقافية. فكلما تفاعل الإنسان مع علامة، دخل في سيرورة سيميوزية جديدة، أعاد من خلالها إنتاج المعنى وفق خبرته وسياقه.
ويؤدي هذا الفهم إلى نتيجة أساسية في سبميولوجيا التواصل، مفادها أن التواصل لا يقوم على نقل معانٍ جاهزة من مرسِل إلى متلقٍ، بل على إنتاج مشترك للمعنى داخل سيرورة سيميوزية. فالمرسِل لا يتحكم بشكل كامل في المعنى، والمتلقي لا يستهلكه بشكل سلبي، بل يعيد بناءه داخل أفقه الثقافي والمعرفي.
من هنا، تصبح السيميوز إطارًا تحليليًا لفهم الاختلاف في التأويل، وتحوّل المعاني عبر الزمن، وتعدد القراءات داخل المجتمع الواحد. كما تفسر كيف يمكن لعلامة واحدة أن تحمل دلالات متباينة، بل متناقضة أحيانًا، دون أن تفقد صفتها كعلامة.
وفي سياق سيميولوجيا التواصل، تكتسب السيميوز أهمية مضاعفة، لأنها تكشف أن المعنى ليس معطًى ثابتًا، بل نتيجة سيرورة تفاعلية تتدخل فيها الذات، والسياق، والثقافة، والسلطة الرمزية. وبذلك، لا يعود السؤال هو “ماذا تعني العلامة؟” بل “كيف، ولماذا، وفي أي سياق تُنتج هذا المعنى؟”.
إن السيميوز عند بيرس تمثل، في جوهرها، تصورًا ديناميًا للفهم الإنساني، يجعل من المعنى حركة لا تهدأ، ومن العلامة نقطة عبور داخل شبكة لا متناهية من الدلالات. وبهذا، تشكل السيميوز الأساس النظري الذي تنتظم داخله سبميولوجيا التواصل برمتها.

ثالثًا: مستويات المؤوِّل داخل السيميوز.. من المعنى الظاهر إلى تثبيت الدلالة داخل السياق

يُعدّ مفهوم المؤول (Interpretant) من أكثر المفاهيم تعقيدًا وأهمية في السيميوطيقا البورسية، لأنه يمثل القلب النابض لسيرورة السيميوز. فبيرس لا يكتفي باعتبار المؤول عنصرًا ثالثًا في الثالوث السيميائي، بل يذهب أبعد من ذلك حين يكشف أن هذا المؤول نفسه ليس وحدة بسيطة أو مستوى واحدًا، بل بنية متدرجة تعكس كيفية تشكل المعنى داخل التواصل الإنساني.
يميّز بيرس بين ثلاثة مستويات أساسية للمؤول، يسمح هذا التمييز بفهم كيف ينتقل المعنى من مجرد إدراك أولي إلى دلالة اجتماعية أو ثقافية شبه مستقرة، دون أن يفقد طابعه السيروري.

1. المؤوِّل المباشر: المعنى في لحظته الأولى
المؤول المباشر هو أول مستوى من مستويات التأويل، ويتمثل في المعنى الأولي والظاهر الذي ينتج عن الإدراك المباشر للعلامة. في هذه المرحلة، يكون التأويل مرتبطًا بما تقدمه العلامة في ذاتها، دون استدعاء خلفيات ثقافية عميقة أو خبرات سابقة معقدة.
يشتغل المؤول المباشر في مستوى قريب من الإدراك الحسي، حيث يلتقط المتلقي الدلالة الأكثر بساطة وبداهة. فحين نرى كلمة مكتوبة، أو صورة واضحة، أو إشارة مرور، فإن أول ما نلتقطه هو معناها المباشر كما هو متعارف عليه في أبسط صوره.
هذا المستوى لا يعني غياب الفكر، لكنه يمثل الحد الأدنى من التأويل، أي النقطة التي ينطلق منها الفهم قبل أن يتوسع.
غير أن بيرس يؤكد أن هذا المؤول لا يمكن أن يكون نهائيًا، لأنه يظل محدودًا بما هو ظاهر ومباشر، ولا يكفي وحده لفهم التعقيد الدلالي الذي تحمله العلامة داخل التواصل.

2. المؤوِّل الديناميكي: انفتاح العلامة على التعدد التأويلي
ينتقل التأويل، في المستوى الثاني، إلى ما يسميه بيرس المؤول الديناميكي. في هذه المرحلة، لا تظل العلامة محصورة في معناها المباشر، بل تنفتح على سلسلة من التأويلات المحتملة، تدخل فيها التجربة الذاتية للمتلقي، وخلفيته الثقافية، وسياقه الاجتماعي، ووضعيته النفسية والمعرفية.
المؤول الديناميكي هو المجال الذي تظهر فيه حركية المعنى، حيث لا تعود العلامة تحمل دلالة واحدة، بل شبكة من الدلالات الممكنة. فالصورة، أو الخطاب، أو الرمز، يمكن أن يُقرأ بطرق مختلفة، بل متعارضة أحيانًا، دون أن يعني ذلك خطأ في التأويل.
في هذا المستوى، يصبح المعنى فعلًا تفاعليًا، لا نتيجة آلية، ويغدو المتلقي عنصرًا فاعلًا في إنتاج الدلالة.
وتكمن أهمية هذا المستوى في كونه يفسر الاختلاف في الفهم بين الأفراد والجماعات، كما يفسر تعدد القراءات للخطاب الإعلامي أو الثقافي. فالمؤول الديناميكي يكشف أن المعنى ليس ثابتًا، بل قابلًا للتوسع والانزلاق وإعادة التشكيل.

3. المؤوِّل النهائي: تثبيت المعنى داخل السياق
رغم هذا الانفتاح التأويلي، لا يظل المعنى في حالة انفلات دائم. وهنا يتدخل المستوى الثالث، وهو المؤول النهائي.
يمثل هذا المؤول المرحلة التي يتم فيها تثبيت الدلالة مؤقتًا داخل سياق معين، سواء كان هذا السياق اجتماعيًا، أو ثقافيًا، أو مؤسساتيًا، أو معرفيًا.
المؤول النهائي لا يلغي التعدد التأويلي، لكنه يحدّه، ويضع له أفقًا معينًا يسمح بالتواصل والفهم المشترك. ففي غياب هذا المستوى، يصبح التواصل مستحيلًا، لأن كل علامة ستظل مفتوحة على عدد لا نهائي من التأويلات دون نقطة ارتكاز.
ويُعدّ المؤول النهائي مجالًا بالغ الحساسية في سبميولوجيا التواصل، لأنه غالبًا ما يكون نتيجة تدخل السياق والسلطة والمعايير الاجتماعية. فالمؤسسات، والإعلام، والتعليم، والثقافة السائدة، كلها تساهم في توجيه التأويل نحو معنى بعينه، وتثبيته باعتباره “المعنى المقبول” أو “المعنى الصحيح”.

دلالة التدرج التأويلي في سيميولوحيا التواصل

يُظهر هذا التدرج من المؤول المباشر إلى المؤول الديناميكي ثم إلى المؤول النهائي أن المعنى لا يُفرض من العلامة في ذاتها، ولا يُستخرج منها بطريقة تقنية، بل يُبنى داخل سيرورة تواصلية معقدة.
فالعلامة لا تتكلم وحدها، بل تتكلم داخل سياق، ومن خلال متلقٍ، وضمن منظومة ثقافية وقيمية تحدد أفق الفهم.
ومن هنا، تكتسب نظرية بيرس أهمية خاصة في تحليل الخطاب الإعلامي والتواصلي، لأنها تكشف كيف يتم الانتقال من المعنى الظاهر إلى المعنى الموجَّه، وكيف يمكن لتثبيت الدلالة أن يخفي وراءه صراعات تأويلية كامنة.
بهذا المعنى، لا يصبح المؤول مجرد مرحلة في تحليل العلامة، بل أداة لفهم كيف يُصنع المعنى، وكيف يُدار، وكيف يُعاد إنتاجه داخل المجتمع.

وهكذا يمكن القول أن الثالوث السيميائي عند تشارلز ساندرز بيرس؛ يظعر أن العلامة لا تُفهم إلا بوصفها علاقة ثلاثية، وأن المعنى ليس معطًى جاهزًا، بل نتيجة سيرورة تأويلية مستمرة. ومن خلال مفهوم السيميوز، تتحول سبميولوجيا التواصل إلى أداة لفهم كيفية تشكل الدلالة داخل المجتمع، وكيف يساهم المتلقي في إنتاج المعنى لا في استهلاكه فقط.
وبهذا المعنى، لا تقتصر السيميوطيقا البورسية على دراسة العلامات، بل تفتح أفقًا تربويًا ونقديًا لفهم التواصل، والهوية، وتحولات المعنى في العالم المعاصر.

يتبع

المصادر: جملة من المقالات والكتب والمنشورات وخبرة في الميدان.

نادية الصبار
كاتبة صحافية
مديرة موقع danapress.ma
أستاذة مكونة بمعهد epag

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد