الرائدة في صحافة الموبايل

قراء في كتاب Alfred bel: “الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي من الفتح العربي حتى الآن”، الفصل الثاني من الكتاب الأول، “الفتح العربي وقيام الإسلام السني في شمال أفريقية”(ج2)

د.محمد حماس

يمكن اعتبار كتابات ألفرد بل غير موضوعية، لأنها تجانب الصواب في كثير من الأحيان وتقدم المغالطات بخلفية تكن للأمازيغ والمسلمين بغضاء مضمرة. فكان هذا سببا لتقديم قراءة في الكتاب الذي بين أيدينا، ثم لأن هذه الكتابات، أي كتابات المستشرقين غزيرة ومادتها العلمية وفيرة، لكنها تبقى محط تشكيك لأنها تجانب المضوعية في الكثير من الأحيان، خاصة إذا تعلق الأمر بالشأن التاريخي والعقيدة. وهذا لا يرفع عنها صفة العلمية والأكاديمية، خاصة في مجال العلوم الأخرى، إذ كبير الفضل يعود للمفكرين والأدباء الغربيين كل في مجال تخصصه. وقد ترجم هذا الكتاب الكاتب عبد الرحمن بدوي المتميز بغزارة إنتاجه، خاصة في مجال الترجمة، وهو أستاذ الفلسفة الميال للوجودية كما جاء بها مارتن هايدجر، حسب رأي العديد من المتتبعين لكتاباته.

ثم إن كتابات المستشرقين لا تلقى كبير متابعة لأجل التمحيص والتدقيق والتصحيح، كي لا تعتمد بما تحتويه من مغالطات، علما أنها واسعة الانتشار ومتوفرة بربوع البلدان الإسلامية.

تم توظيف الأمازيغ لإتمام فتح الشمال الإفريقي، ومن الأمازيغ من ارتقى إلى مستوى القيادة، مثل طارق ابن زياد الذي سيفتح الأندلس سنة 92هـ/711م، واستمر الزحف الأمازيغي، فعبر جبال البرنات حتى أوقفه شارل مارتن سنة 732م … ومع ذلك استمر تواجد المسلمين ردحا من الزمن بجنوب فرنسا وإسبانيا والبرتغال حتى سنة 1492م.

           في سنة 132هـ/750م (منتصف ق8م) انتقلت الخلافة من الأمويين السنيين في دمشق والشام، إلى العباسيين في بغداد، الشيء الذي أدى إلى تجزئة السلطة العليا في الإمبراطورية الإسلامية المترامية الأطراف. فالمغرب الإسلامي والقسم الغربي من الشمال الإفريقي أصبح لهما حكم مستقل، بحيث تم تأسيس خلافة معارضة لتلك التي بالمشرق (الخلافات سياسية وليست دينية واضحة). فاستمر المد الأموي بالمغرب والأندلس خلال النصف الثاني من ق8م للرد على الاضطهاد العباسي للأمويين وآل البيت الذين تجمع حولهم عدد من المسلمين بالمشرق (الشيعة).  وهنا يتحدث الكاتب عن اضطهاد العباسيين لآل البيت دون التذكير باضطهاد الأمويين لهم.

      أما على مستوى التاريخ السياسي الديني للمغرب في العصر القديم، فالمهم هنا هو دولة الأدارسة أكثر من خلافة قرطبة. هذه الأخيرة بقيادة عبد الرحمان الأمير الأموي الهارب من العباسيين، عمرت 300 سنة كانت فترة زاهية قدمت الحضارة للعالم الغربي الذي كان يعيش ظلام الجهل الذي أتت به غارات المتبربرين.

لابد من الإشارة إلى كون المستشرق ألفرد بل يستعمل تسمية بربر دون تدقيق علمي تقتضيه شروط الكتابة الأكاديمية، وهذا ليس غريبا عليه، لأنه لا يدقق المعطيات في كثير من المواقع … وقد استبدلنا كلمة بربر بتسمية أمازيغ كلما تعلق الأمر بالحديث عن سكان شمال إفريقيا. 

       في سنة 786م أو 787م ، جاء إدريس بن عبد الله إلى المغرب هاربا من العباسيين فلقي ترحابا من الأمازيغ وجعلوه سلطانا عليهم سنة 789م، وهو الأجنبي عنهم لغة ولسانا. لقد مر بالمنطقة قبله عقبة ومن نشر الدعوة الإسلامية بعده، أي قبل أزيد من قرن. ثم طارق بن زياد .. فالإسلام كان متجذرا هناك في صورة مذهب الخوارج بين عدد من القبائل التي مجدت محمدا. فاستقبال إدريس فيه إجلال للنبي. فإدريس ذو نسب شريف وخصم لحاكم القيروان، ثم إن الأمازيغ يتربصون الفرص للاستقلال عن دار الخلافة. ومن زاوية أخرى يصعب تفسير انتصارات إدريس السريعة وإخضاع البلاد في أقل من ثلاث سنوات، وقد كان له الفضل في جعل سكان المغرب مسلمين بعد أن كانوا وثنيين ويهودا ونصارى. (دلت الوثائق على وجود المسيحية بين الأمازيغ حين الغزو العربي، ومنها نقوش وليلي وكذا “الجدار” أو قبور الملوك الأمازيغ النصارى في منطقة تاهرت) (مراجعة ترجمة كتاب زهر الآس في بيوتات أهل فاس لعبد الكبير بن هاشم الكتاني. ص 37. عبد الرحمان بدوي). وهي روايات لا تخلو من مبالغات. فقد اعتنق عدد كبير من الأمازيغ الإسلام قبل ذلك بوقت طويل. ثم إن نسب إدريس حتم عليه نشر الإسلام والمذهب السني واللغة العربية. من هنا كان عليه وخلفائه من بعده أداء مهامهم كشرفاء (في الكتاب الثالث لعبد الرحمان بدوي سيعمل على بيان الناحية “الشريفية” أو الأشراف في بلاد المغرب بداية من ق 15م، والنتائج السياسية والاجتماعية والدينية لذلك منذ ق16 م حتى اليوم). لهذا نجد إدريس يؤسس مسجدا في تلمسان سنة 790م كما فعل عقبة إذ أسس مسجد القيروان بشرق الشمال الإفريقي. ثم إدريس الثاني الذي بنى فاس، أسس بها مسجدين. وهنا نقف عند مغالطة تاريخية كبيرة يتقدم بها صاحب الكتاب، هي أن تأسيس فاس لا يعود الفضل فيه إلى إدريس الثاني وحده، لأن تتم بناء فاس وازدهارها كانت مع المرينيين … ناهيك هن عدم تزخي الموضوعية عند الحديث عن الأدارسة والنسب الشريف ونشر الإسلام وتوحيد القبائل الأمازيغية … لأن الأمر كله يبدو غير قائم على سند صحيح. والمصادر التاريخية التي كتبت عن ذلك لا يؤتمن جانبها على مستوى الموضوعية وتقديم المغالطات التاريخية، وهي الأسانيد التي اعتمدها المستشرق ألفرد بل كغيره. فكلما تم تناول هذه الفترة التاريخية من حياة الأمازيغ بشمال إفريقيا إلا وتم التركيز على الجانب العقدي والقول بأن الأمازيغ انتقلوا من اليهودية والمسيحية والوثنية إلى الإسلام بفضل فلان وفلان، ويتم غض الطرف عما ألحقه العرب من خراب واغتصاب للأمازيغ، وقد سبق لنا أن وضحنا ذلك في عدد من المقال عن ملامح من تاريخ الأمازيغ بالشمال الإفريقي وحضارتهم، ومتناسين أيضا أن نشر الإسلام كان فعليا على يد الأمازيغ … 

 وتجدر الإشارة إلى أن إدريس قدم رفقة خادمه فقط، إلى ديار الأمازيغ، زرهون وتزوج أمازيغية أنجبت له إدريس الثاني الذي رباه خادمه الرشيد ليشير عليه فيما بعد أن لا يأمن جانب الأمازيغ. فكون بطانة من العرب المخلصين خاصة منهم العلماء، وبالتالي تشكيل حكم إسلامي حقيقي (بداية ق 9 م). طبعا يستمر ألفرد بل في سرد الوقائع دون سند، فعن أي علماء يتحدث؟ من هم هؤلاء العلماء؟ كيف تم تشكيل كتيبة من العرب؟ 

هكذا، ومع بداية ق 9م كانت هناك الأندلس عاصمتها قرطبة) وفاس عاصمة الأدارسة في المغرب الأقصى حتى سنة 889م. ثم القسم الشرقي من الشمال الإفريقي وعاصمته القيروان التي كان يدير شؤونها العرب منذ الفتح، أصبحت ولاية أموية سنية. 

           في منتصف سنة 800م عين هارون الرشيد إبراهيم ابن الأغلب على رأس إفريقية (القيروان عاصمة) وجعل الولاية وراثية بين أبنائه …

           هكذا تابع الأدارسة والأغالبة (800م/909م) نشر المذهب السني، وهي الدعوة التي ظهرت قبل أزيد من مائة سنة. قامت في تاهرت (المغرب الأوسط) حكومة إسلامية مبتدعة.                

استقرار المذهب السني

خلال الحملات الأولى للفتح تم توظيف العرب البدو على طمع ثم بعدها كان الهدف هو نشر العقيدة وإرساء الدين الجديد على شرقي البحر الأبيض المتوسط، كما في الشام ومصر إلى المغرب لأجل كسب أراضي جديدة لخلافة الشرق. ومعلوم كما سلف أن جمهرة المحاربين العرب كانت شكيمتهم رقيقة أشد حرصا على الغنائم منها على نشر الدين، عكس زعمائهم الذين صدقوا في نصرة الإسلام ونشره بين سكان الشمال الإفريقي (لا يمكن تصديق كل الروايات عن المؤرخين المسلمين المبالغ فيها خاصة ما أورده البكري في “وصف إفريقية” عن الزبير ين عبد الله في مواجهته للبطريق الروماني نقفور وهزيمته….) وفي المقابل يمكن تصديق تخلي القائد زهير بن قيس والي القيروان عن منصبه خوفا من فتنة المال (“البيان المغرب” لابن عذارين، ص20. بيروت 1950) .. هذه الثلة من المؤمنين ستتزايد بع استيلاء الأمازيغ على السلطة بعد ق11م. ثم اتفاق جل المؤرخين على حماسة عقبة و”نشره للإسلام” وما تلا ذلك من نسج لحكايات عن منجزاته وموته ألهمت الخيال الشعبي كبطل من أبطال الإسلام … 

الإسلام هو القاعدة والشرع، والمسجد هو مركز ممارسة الشعائر الدينية … عقبة اتخذ القيروان عاصمة لسلطانه لنشر الإسلام و توجيه الحملات العسكرية تجاه الغرب .. وبنى مسجد القيروان (يرى المؤرخون أنه اهتدى إلى القبلة بعد مشقة – أورده النويري) .. وهنا لابد من الوقوف عند المغالطات التي لفت شخصية عقبة بن نافع الفهري الذي تم تقديم كونه الفاتح الناشر للعقيدة، وهو أمر فيه الكثير من المبالغة، لأن الموضوعية تقتضي الحديث عما ألحقه من ضرر بالأمازيغ وإهانات واضطهاد لدرجة جعلتهم يقتلونه، فمات عقبة واستمر الأمازيغ مسلمين يحملون الدين الجديد في قلوبهم.  ويتحدث ألفرد بل عن الأمازيغ البدو، وهذا أيضا أمر لابد من توضيحه، لأن الأمازيغ لم يعرفوا حياة البداوة كما عرفها العرب، لأنهم أسسوا ممالك وعايشوا حضارات كبرى، عكس العرب الذين لم يحملوا معهم حضارة، بل حملوا سيوفهم التي كان يفترض أنا تسخر لنشر العقيدة بدل النهب والقتا وسبي النساء .. 

هكذا يروي ألفرد بل في كتابه عن عقبة “الذي جمع الناس بتوجه من قادة عرب وامتلأت المدينة واعتمار أسواقها بالبربر البدو المستقرين في الجوار دون أن يقتدوا بأهل القيروان في تحصيل العلم. ثم كان الجامع معهدا لتكوين المعلمين الذين سينتشرون في المناطق الخاضعة لسلطنة عقبة لنشر تعاليم الإسلام وتثبيت قواعد الشريعة الإسلامية السنية. أما عن كيفية التعليم الديني فلا تتوفر أي معلومات عن ذلك العصر (ق2 هـ – 8م) ولا عن الدور الذي كان يقوم به المسجد بوصفه مركزا للدراسات الإسلامية .. فهل نال البربر شيئا من الثقافة الإسلامية؟ لا جواب. وعلى الأرجح كان حظها قليلا بدليل أن إسلامهم ظل سطحيا إلى اليوم …”. وهنا تبدو سطحية اطلاع ألفرد بل وعدم تمكنه من المادة العلمية التي بين يديه، حيث أنه ظهر العديد من العلماء في مختلف المجالات من الأمازيغ، لأن الإسلام تعزز بالأعاجم الذين اعتنقوا الدين الجديد …(يتبع)

د. محمد حماس

الهوامش

ألفرد بل، الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي من الفتح العربي حتى اليوم، ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى 1969

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد