فيروس كورونا ضارّة نافعة..
الدكتورة ثريا بن الشيخ
رٌبَّ ضارة نافعة ؛ هكذا كان لفيروس كورونا دور كبير في إعادة بناء أهم المفاهيم الكبرى التي تبنى عليها سلامة المجتمعات ، وهي الحاجة إلى الالتفاف والتكتل والتضامن من أجل بناء واقع جديد. ويمتثل هذا الدور في استعادة الأسرة لدورها الحقيقي في جمع أبنائها وتوجيههم لما فيه الصالح العام . لا يختلف إثنان بأنه برغم التوتر الذي سببه الوباء الغامض الذي اجتاح الكرة الأرضية من المحيط إلى الخليج ، فإن معظم الناس قد أدركوا ماوقعوا فيه من أخطاء في حق أسرهم بسبب الجشع والانجراف خلف حاجيات مجتمع مادي يلهث خلف مُتًع زائفة .
في البدء ، سعى الجميع إلى توفير سبل العيش الكريم بتوفير مستلزمات الحياة العصرية التي تخفف عن الأسرة أعباء الحياة . لكن ، سرعان ما تغيرت الأوضاع العامة مع العولمة ، وفقدت الحياة الأسرية طابع الدفء والاستقرار ، وابتعدت قليلا أو كثيرا عما بُنيت عليه من عادات وطقوس وقيم رمزية مختلفة . أصبحت الأسرة تفقد سلطتها شيئا فشيئا ، وظهرت عادات عصرية جديدة تعتبر تناول الطعام خارج البيوت أكبر النعم وأكثرها تعبيرا عن الحداثة .
فبعد أن كنا نجد في العودة إلى البيت نعمة وهدوءا واحتواءً اصبحنا نؤثر لقاءات هنا وهناك ونستضيف ضيوفنا واصدقاءنا في المقاهي والأندية ونقيم حفلاتنا في قاعات الأفراح والقصور … بدأت المنازل تفقد طابعها الاجتماعي الحميم ، وأصبح دورها يتلخص في الأكل أو النوم .. بَدَهِي ما تعيشه المجتمعات من تطور في العلاقات والعقليات ، فما حصل فعلا ، لا ينحصر في عادات جديدة وإنما هو تحول أتانا في صورة نفسية تمظهرت في طريقة تفكيرنا .. ومع فيروس كورونا، حصلت يقظة جماعية بأهمية الأسرة والبيت في حياة كريمة سليمة .
أغلقت المطاعم والأندية والملاهي والأسواق بمختلف أنواعها ، وأصبح الحجر الصحي الحل الوحيد الذي أعاد للحياة توازناتها. فبرغم القلق الذي يعيشه العالم ، فقد كانت فرصة حقيقية لإعادة النظر في الأشياء وفي الانحرافات والانجرافات التي تعرفها السلوكات الفردية والجماعية. وهذا الانكفاء الذي فرض علينا ، جعلنا ننتبه إلى بعض الثوابث التي ديست تحت الاقدام بحكم ضروريات الحياة وبعض القيم الكبرى التي تبنى عليها أصالة المجتمعات ، فلم يعد هناك مجال لأي سلوك غير مماسس سواء تعلق الأمر بالسرقة أو العنف أو الصراع اليومي المفتعل بين الناس او اي انزلاق اجتماعي مما انتشر بين الناس في العقود الأخيرة .
صحيح أن المجتمعات في حِداد يومي بسبب الإصابات الجديدة بالفيروس وبسبب الوفيات والمخاوف وما نعيشه جميعا من رعب جماعي خوفا من استفحال الداء وعجز الدول عن مواجهته والتقليل من حدته ، إلا أن هذه العودة إلى البيت والأسرة كان لابد منها ، حتى تدرك الشعوب أن أصل الاستقرار هو الأسرة والبيت وأن دور بقية المؤسسات الأخرى ينحصر في خدمة هذه الأسرة بما تحتاجه من وسائل ومراكز وقوانين وقيم جديدة تضمن لها الاستمرار والأصالة والقدرة على تنشئة جيل جديد قادر على بناء مجتمع سليم ووطن عزيز حر يضمن العيش الكريم لأبنائه .
حتى لا نسال أنفسنا عماذا ننتظر من الواقع ، يجدر بنا سؤال أنفسنا نحن أولا عن مدى قدرتنا على تغيير ذواتنا وتنمية نفوسنا بمواجهتها بعيدا عن الأسئلة الزائفة ، وهل كل واحد منا يضطلع بالادوار التي أسندت إليه بجد وإخلاص ومحبة ، وماهي الآفاق المستقبلية التي خططنا لها حتى نربط وجودنا بأهداف نبيلة نسعى إلى الوصول إليها ؟ ماذا نريد فعلا وما نقوم به لتحقيق طموحاتنا وبناء أسرنا ومجتمعاتنا ؟ فمتى واجهنا أنفسنا بالحقيقة ، نكون قد تصالحنا مع ذواتنا ونحن نقيم أي مواجهة على النقد الذاتي البناء الذي يركز على العمل والفعل ولا يقف عند حدود الشعور بالذنب او الندم ..
إن لما نعيشه اليوم قدرة كبيرة على ايقاظنا من السبات الذي نحتمي به والجهل والتجهيل والإقصاء والالغاء الذي نتخبط فيه ؛ فمجتمعاتنا في حاجة إلى إعادة الهيكلة من جديد وفي كل المجالات، ولن يتأتى لنا ذلك إلا بعد إصلاح ذواتنا بالسعي إلى تنميتها وتوجيهها وفق أهداف نبيلة مشتركة تمكننا من تأسيس واقع جديد قائم على العلم والعمل والمحبة الصادقة ؛ أن نحب ذواتنا في توازن، ونحب أسرنا ومجتمعاتنا ونحب وطننا بشكل يجعلنا ننخرط في بنائه بشكل سليم قائم على مؤسسات حقيقية بعيدة عن المحسوبية والزبونية والمصالح الخاصة . فلا يعقل ابدا الخروج من الحجر الصحي ونحن لم نسنفد منه شيئا .
فأقصى ما نخشاه هو الانغماس من جديد فيما كنا عليه سابقا من تدهور وفساد وظلم وقهر وكأن شيئا لم يكن ، ولربما تصبح أيام الحجر نفسه مبررا لتفشي الفساد بحدة أكبر . هذا نداء موجه إلينا جميعا ؛ لابد أن نخرج من مرحلة كبيرة إلى أخرى أكبر وقد وضعنا لأنفسنا مخططا محكما نسير عليه وفق أهداف مشتركة تجعلنا نتشكل من جديد تشكلا قائما على الوعي بأهمية التعبئة الجماعية وفي شتى المجالات وباشراك كل الفئات وكل الانتماءات حتى نتمكن من مواجهة ما يحبط فينا العزيمة والرغبة في بناء مستقبل أفضل .
لقد تحقق ولأول مرة التقارب والتواصل بين السلطة والشعب بأسلوب أصبح مضرب المثل بين الشعوب الأخرى ، تقارب ومشاركة وتشارك لابد أن نعض عليها بالنواجذ ، فهي أهم المرتكزات التي تقوم عليها نهضة الشعوب ، هي بداية التصالح بين القمة والقاعدة …