الرائدة في صحافة الموبايل

مراجعات الإسلاميين الجهاديين بالمغرب (الحلقة الثانية)

د. نور الدين الحاتمي

موقف شيوخ التيار الجهادي في المغرب من مراجعات الجهاديين المصريين لم يوثق مثقفو المنهج السلفي الجهادي، في المغرب، موقفهم من المراجعات التي صدرت عن القيادات التاريخية للجماعة الاسلامية المصرية، ولكن، بالتأكيد، كان موقفهم لا يختلف عن موقف الذينيرفضونها ،تحت ذريعة التشكيك في نسبتها الى اصحابها، والادعاء[ أن الاسير لا رأي له] كما يقول الفقهاء. وهي القاعدة ،التي لم يكونوا يفترون عن ترديدها،أو القول أنهم كتبوها تحت ظروف قاسية، أي تحت الإكراه.

وكان منهم من يقول أن الذين كتبوها تراجعوا لضعف لحقهم، ولتخاذل أصابهم، وأن هذا التراجع اختبارتقتضيه الحكمة الالهية من الابتلاء، اي تصفية الصفوف وتطهيرها من المخذلين والمرجفين والمثبطين.

لقد كان موقف النخبة السلفية الجهادية في المغرب من تلك المراجعات هو الرفض والتنديد، تبعا لموقف باقي القيادات في الخارج، بل ولم يكونوا يكلفون انفسهم حتى قراءة رسائل وكتب هؤلاء القائمين على تلك المراجعات والإطلاع عليها وتأييدهم للقاعدة وإشادتهم بعملياتها ـ في داخل الدول العربية والاسلامية و خارجهاـ دليل واضح على رفضهم لتلك المراجعات.

ارهاصات المراجعات عند الاسلاميين في المغرب عام او يزيد قليلا على بدء الاعتقالات بسبب احداث 16 ماي، سيشرع بعض المعتقلين الاسلاميين في إعادة النظر في منظومتهم الاديولوجية، وسيشرعون في طرح الاسئلة بشأنها،وهكذا صاروا يتحدثون عن ضرورة القيام بحركة تصحيحية للسلفية الجهادية وكانوا يرجون منها، التمكن من فتح حوار مع الدولة. تمثلت تلك المحاولات المتعثرة في عدد من المبادرات،حملت ذات العنوان اي من اجل الحوار والمصالحة مع الدولة.

صحيح ان هذا بدأ باحتشام ، على استحياء وتخوف من ردود افعال سلبية، من قبل المعتقلين، لكنه شق الطريق في هذا الاتجاه ، وساهم في تعبيدها ،حتى اصبح المعتقلون يتجرؤون على مناقشته والانخراط فيه .

وكان هذا أن اسفر عن بدء تمايز الصفوف بين السجناء الاسلاميين، وانقسامهم بين مؤيد للمصالحة مع الدولة والحوار معها، وبين رافض لها مندد بها . أعقب ذلك اعلان بعض طلبة العلم الشرعي قيامهم بهذه المراجعات ، وتدوينها في سلسلة مقالات تناولوا فيها الخروج على الحاكم واستعمال العنف وقتل السياح وغيرها ، ونقلوا فيها ذات الادلة التي تناولها غيرهم، لأنهم ، ليس بمقدورهم اكثر من ذلك. وقد كانت هذه المراجعات، او قل التراجعات، تتم من طرف واحد، ولا تعني الا اصحابها والمنخرطين فيها. أما الدولة فقد كانت غير معنية بها نهائيا، بل كانت تشكك في صدق هذه النوايا، التي يسعى المعتقلون الى ابرازها ،في سياق قيامهم بهذه المراجعات، على غرار الجماعة الاسلامية في مصر والجماعة الاسلامية في ليبيا ، و وثيقة ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم التي كتبها الفقيه الاول والعالم الابرز في التيار الجهادي سيد امام الشريف.

ومع مضي الوقت في السجون، بدأ السجناء ينفتحون على الكتابات التي اندرجت تحت مسمى المراجعات، و بدؤو يتشجعون على البث فيها واعادة قراءتها ، بعين، غير تلك التي كانوا ينظرون بها اليها في السابق، حيث لعب تواجدهم رهن الاعتقال ووراء القضبان دورا مهما في تغيير قراءاتهم لتلك المراجعات وتبنيهم لها.

والحقيقة ،أن تلك الكتابات كان في مكنتها أن تمدهم بمبررات تراجعهم عما كانوا عليه والتبرؤ منه، وذلك بفضل ما كانت تحتوي عليه من التأصيل العلمي القوي لفكرة المراجعات.

وينبغي عدم تجاهل أن السلفية الجهادية ،في المغرب، كانت تعاني فقرا مدقعا، من حيث الكوادر والمثقفين، القادرين على التنظير لها والإسهام في التقعيد والتأصيل لها. ولذلك، كانواـ لا يزالون ـ مجرد تلاميذ للأساتذة في مصر والشرق الأوسط،ولذلك حتى في المراجعات او التراجعات لا بد ان يكونوا تلاميذ لهؤلاء الأساتذة أيضا. ولا ننتظر منهم التأصيل لهذا الانقلاب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد