في سياسة المثقف: آلأن نموذجا (ج-2)
ياسين شاكور – دنا بريس

هكذا ينشأ المثقف إذن ويحضر بكل ثقله.. إنه الوريث الشرعي للثورة الفرنسية ولكمونة باريس، وإنه القارئ المتميز لروسو وماركس، وإنه المدافع عن حقوق الإنسان وعن الديمقراطية. فأن يكون المفر مثقف معناه إذن أن يفهم السياسة، وأن يفهم السياسة معناه أن يعود إلى الفرد، إلى الإنسان في درجة الصفر، إلى الإنسان العاري. يقول ألآن بنبرة روسوية واضحة:” بمجرد أن نحاول التفكير في الإنسان العاري حتى نجد أنفسنا وقد ارتمينا في أحضان السياسة”.
المجتمع إذن، مع ألآن، آلة ضخمة لإنتاج الرغبات؛ وأخطر هذه الرغبات على الإطلاق الرغبة في السلطة وفي الخضوع إليها معا، الرغبة في حب السلطة ذاتها. فإذا كانت سلطة فاعلم أن وراءها راغب. هناك من يحب ويرغب أن يتسلط وهناك من يحب ويرغب أن يتسلط عليه. الرغبة في السلطة إذن هي التي تخلق السلطة نفسها، والسلطة تأكل أبناءها. لكن ما السلطة إذن؟ ما ماهيتها؟
إنها – وألآن يستوحي هنا الفلسفة السياسية الكلاسيكية- اللوفياطان Leviathan، ليست السلطة هي النظام السياسي القائم فقط، بل هي كل قوة لا يراقبها العقل. إنها اللوفياطان مفهوم في معنى أوسع من ذلك الذي أعطاه له هوبز. يقول ألآن في تعريفه للسلطة- اللوفياطان:” إنه ليس جميلا ولا حكيما. لوفياطان هو الجمعية، هو المكتب والرئيس، هو الرأي المشترك الذي ليس هو رأي شخص بعينه والذي هو لا شيء. إنه الإحصاء. إنه المعدل، إنه النظام، إنه الانضباط، إنه تقليد الكل للكل، إنه روح القيادة والطاعة العقيمة، إنه العلاقة الخارجية التي تحول الناس إلى أشياء. لوفياطان هو الرقيب الأعلى”.
وباختصار هو كل ما يقمع الفرد ويقهره اجتماعيا، وسياسيا هو الدولة والجماهير معا، الجماهير التي تصنع الدولة عن طريق إضفاء طابع القدسية عليها. فالفرد يضل بالنسبة لألآن الملجأ الأخير والوحيد، ووجهة نظره هي وجهة نظر “المواطن ضد السلط” وهذا هو معنى أن يكون الفرد راديكاليا عنده. “إن الناس الذين ينصحونني قائلين: “لا تورط نفسك في السياسة، اشغل وقتك وقواك بأمور الفكر التي هي بالأحرى مهمتك”، لم يعرفوا قط الخدمة العسكرية التي جعلتنا سياسيين بالرغم منا”. فلا فرق إذن عنده بين “الاستبداد السياسي” و”الاستبداد العسكري” بل أن كل استبداد سياسي هو عسكري بطبعه. “كل سلطة هي سلطة عسكرية”، كل سلطة هي حرب على المواطن، على الفرد وعلى الفكر الحر.
“إن كل سلطة هي مطلقة بطبعها، الحرب هي التي جعلتنا نعرف هذه الأشياء”. لقد خبر ألآن الحرب والسلطة العسكرية – وهو ابن الأربعين سنة- في الحرب العالمية الأولى. و”كان يكره الحرب ولم يكن يتحملها إلا وهو يعيشها بين المحاربين”. فهو يقول:”لا أرى في حياتنا العامة إلا مشكل الحرب الذي يعد بحق أعقد المشاكل”، تقررها دولة بدون وجه وبسياسة عمياء، تتجاوز الحرب الجميع وتنصب نفسها ملكة للعقل. الحرب إذن هي الوجه الدميم للامعقولية السلطة. فالناس يتحاربون لأن القرار لم تتخذه دولة مشخصة، بل اتخذته آلة حرب، حولت الإنسان إلى حيوان حرب، والإنسان العادي إلى قرد مسلح”. في الحرب المعلنة لا يتحارب الإنسان ضد الإنسان، بل البذلة ضد البذلة، وفي الحرب المعلنة نشهد لعبة السيد والعبد، السيد هو الضابط، هو القوة الآمرة، والعبد هو الجندي العادي، والعبد لا يرغب أبدا في أن يصبح سيدا. فالأمر يحتاج إلى ثورة عنيفة عنيدة “الثورة الكبرى في هذا العصر هي الثورة ضد السلطة العسكرية. ولكن ليس هناك إلا الإنسان في كتيبته هو الذي يمكنه أن يرى الأمر بوضوح”.
كل السلط إذن رمادية ! فكيف نبحث عن بومة منيرفا، كيف الخلاص من أخطبوط السلط؟…
يجب، في رأي ألان، أن نؤسس أولا سياسة “المواطن ضد السلط”- وهو عنوان موح لأحد أهم كتبه السياسية- المواطن الفرد في مواجهة السلطة العسكرية والسياسية معا بل وكل السلط. وأول عمل يجب أن نقوم به كأفراد وكأفراد فقط هو إزالة الأوهام وتحطيم الأصنام وقهر الظلاميات. نحطم أول ما نحطم وهمنا عن السلطة. “إننا نتخيل لوفياطان على صورتنا. إن الأمر هو عكس ذلك تماما فاللوفياطان وحش جبار برأس غليظة وجمجمة صغيرة، ونحطم ثاني ما نحطم وهم السلطة عن ذاتها، نسفِّه أحلام الطاغية، نحطم وهم الطاغية عن نفسه.
علينا إذن أن نؤسس أخلاق مقاومة une morale de résistance موجهة ضد منشأ الشر، ضد اللوفياطان وضد الحرب. علينا أن يكون قسمنا صدى لبيان لانيو: “ألا نخاف أبدا، أن نظل دائما نزهاء، ألا نؤمن بأي صنم: ثلاثة عناصر أصيلة ضد الطاغية”. إن أخلاق المقاومة تبدأ حين نهزم أخلاقية القلب La morale du coeur وبهزم أخلاقية القلب يعاد تعريف أهم المفاهيم في الفلسفة السياسية. أول هذه المفاهيم “الحرية”، فالحرية “أمر ليس وليد المؤسسة بل يجب أن نصنع حريتنا كل يوم”، ثاني هذه المفاهيم “الفرد”، فالفرد “يجب أن يظل دائما فردا أينما حل وارتحل، سواء كان في المقام الأول أو الأخير، إذ إنه ليس هناك إلا الفرد الذي يفكر، وكل جمعية هي بطبعها بليدة متبلدة”، ثالث هذه المفاهيم “الديمقراطية”، فالديمقراطية: ” ستصبح بهذا المعنى جهدا مستمرا للمحكومين ضد تعسف السلطة” .
يقول ألآن (موضحا مراده من سياسة المواطن ضد السلطة): “ما أريده هو أن يظل المواطن عنيدا من جهته، عنيدا في فكره، مسلحا بالتحدي وفي تشكك مستمر حين يتعلق الأمر بنوايا ومشاريع وأهداف حاكمه”، قيمتان إذن لأخلاقية المقاومة: الشك والصمود. غير أن أخلاقية المقاومة هذه لا تريد لنفسها أن تنام فوق فوهة بركان أو مدفع، لا تريد أن تكون تحريضية ولا فوضوية شاملة. إذ يجب دائما “أن يتحقق تكافؤ بين الفكر والقوة”. فالعقل الراديكالي –كما يسميه ألآن- يجب أن يكون عقل رقابة ومراجعة مستمرة للحاكم وسياسته دون أن يكون سلبا وسلبيا ولا فوضويا. “فالمقاومة والطاعة، تلك هما فضيلتا المواطن. بالطاعة يؤمن بالنظام، وبالمقاومة يؤمن بالحرية”، معنى هذا أن أخلاقية المقاومة تهضم بسرعة فكرة الطاعة. ومعنى ذلك أن نؤسس نوعا من الجدل: “أن نطيع ونحن نقاوم. هذا هو السر. إن ما يحطم الطاعة هو الفوضى، وما يحطم المقاومة هو الطغيان”. وبهذا تصل سياسة ألآن إلى نوع من التوفيق، نوع من “اختلاط الأمزجة” واعتدالها.
هكذا تنتهي سياسة ألآن إلى نزعة طبيعية واضحة. إن أخطر ما في هذه السياسة كونها مبنية على أساس طبيعي لا تاريخي. فلا شك إذن أن تنتهي على صعيد الممارسة السياسية الواقعية إلى نزعة سلمية فردانية، وهي نزعة يسهل تبريرها فلسفيا ولكن يصعب الدفاع عنها تاريخيا واجتماعيا. كما تنتهي عند الجيل الجديد إلى إخفاق تام. لغة نقدية واحدة يتبناها الجيل الجديد: إن ألآن يهمل البعد الاجتماعي والتاريخي للسياسة والسياسي. ماذا يعني التاريخ للجيل الجديد؟
إنه يعني بالنسبة لسارتر “أن نأخذ الشر مأخذ الجد”، وبالنسبة لآرون “أن نعي كوميديا وتراجيديا الناس في المجتمع”، وبالنسبة لميرلو بونتي: “أن نعي منطق الوضع ودينامية النظام”. (للتوسع أكثر في فكر، وحال، هذا الجيل.. أنظر: محمد الشيخ، المثقّفُ والسّلطة، دراسة في الفكر الفلسفي الفرنسي المعاصر، دار الطليعة (بيروت)، تقديم: سالم يفوت، الطبعة الأولى 1991.. ص 33، ص 49.)
المصادر والمراجع
1. محمد الشيخ، المثقّفُ والسّلطة، دراسة في الفكر الفلسفي الفرنسي المعاصر، دار الطليعة (بيروت)، تقديم: سالم يفوت، الطبعة الأولى 1991 (من ص 24 إلى ص 32).
2. أومليل علي، السلطة الثقافية والسلطة السياسية، مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت) الطبعة الأولى، 1996.
3. محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت) الطبعة الأولى 1995. مراجع أخرى للبحث في هذا الموضوع:
4. المثقف العربي: همومه وعطاؤه/ أحمد صدقي الدجاني [وآخ.]؛ أنيس صايغ (معد). مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت) الطبعة الأولى 1995.
5. الثقافة والمثقف في الوطن العربي، [ت، ثلة من الأساتذة] مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت)، (سلسلة كتب المستقبل العربي (10) ) الطبعة الأولى 1992