في سياسة المثقف: آلأن نموذجا (ج-1)
ياسين شاكور – دنا بريس

لقد كان المجتمع بالنسبة إلى الكتاب القدماء- ويصدق هذا أيضا على الإسلاميين- إما غائبا عما يكتبون، أو كان الحديث عنه مكيفا بغايات دينية أو أخلاقية مجردة؛ وهذا هو ما يفسر غياب المباحث الاجتماعية والسياسية أو هزالتها في الفكر التقليدي. أما بالنسبة إلى فلاسفة الأنوار؛ فقد أصبح النقد الاجتماعي والسياسي مهمتهم الأساسية. وحين أكد “فولتير” voltaire على “إنّ روح العصر قد جعلت [الكتاب] أكثر التصاقا بالعالم منهم بمكتبهم المنعزل! وهذا هو ما جعلهم ممتازين عن كتاب القرون السابقة الذين كانوا […] بعيدين عن شؤون المجتمع، أما الآن فلم يعودوا منفصلين عنه”؛ فإنّ هذا القول يعبر عن تحول جذري في علاقة الكاتب بالمجتمع. أصبح للكاتب إذاً وعي بامتلاكه سلطة علمية يصدر عنها رأيه في أوضاع المجتمع وقضايا السياسة، وهي سلطة لا يستند فيها إلى مرجعية دينية (مقدسة)، كما كان عند أسلافه في العصور الوسطى.
وعليه، لعب المثقفون الفرنسيون دوراً ريادياً، بالنسبة إلى بقية المثقفين الأوربيين، فيما يتعلق بالدور الحديث للكاتب؛ حيث استحدثوا ألفاظا جديدة لتحل محل أخرى كانت مستعملة وانقرضت بانقراض الوظيفة والمفهوم القديم للكاتب. فأولا تم استحداث عبارة «gens de lettres» (الأديب) قبل أن تتجاوز بدورها لتحل محلها كلمة «écrivain» (كاتب)، ثم «intellectuel» (مثقف) وهذا اللفظ مشتق من intellect الذي معناه العقل أو الفكر، وبالتالي فهو يدل، عندما يستعمل وصفا لشيء، على انتماء أو ارتباط هذا الشيء بالعقل كملكة للمعرفة، أو بالروح – في مقابل المادة. أما عندما يُستعمل اسما فهو يُحيل إلى الشخص الذي لديه “ميل قوي إلى شؤون الفكر، إلى شؤون الروح” الشخص الذي تطغى لديه ” الحياة الروحية، أو الفكرية” على غيرها. ومن هنا عبارة “العمال الفكريون” في مقابل “العمال اليدويون”.
يقف المهتمون بظهور سلطة المثقفين وتطورها عند قضية (وهي أشهر من قضية كالاس calas، التي تَدَخّلَ فيها فولتير) دريفوس (Alfred Dreyfus) وهو قبطان فرنسي من أصل يهودي، اتهم بتسليم معلومات عسكرية إلى ألمانيا، فحوكم ونفي إلى بعض جزر المستعمرات. فقامت ضجة ما بين المدافعين عن براءة دريفوس والمنددين بتغلغل النفوذ اليهودي في الأجهزة السياسية والمؤسسات المالية الفرنسية. نتج عن ذلك توقيع عدد من كبار الكتاب الفرنسيين (منهم: أناتول فرانس، ومارسيل بروست، وليون بلوم) بيانا حمل اسم “بيان المثقفين” وهو أول بيان يظهر فيه مصطلح المثقفين (les intellectuel) وقد نشر في كانون الثاني/ يناير 1894).
وتبعا لذلك، وجد الفيلسوف نفسه في وضع إشكالي حرج أمام قضية دريفوس؛ فهذا الفيلسوف الفرنسي “جون لانيو” Jules lagneau (1851-1894) جاء بميثاق يعد بحق إعلانا عن ميلاد نوع خاص من المثقفين في فرنسا؛ هو المفكر الذي يريد أن يلعب بالسياسي دون أن تحرقه نار السياسة، يقول “لانيو” في هذا الميثاق:”إننا ننكر على أنفسنا كل توق إلى الشهرة أو الشعبية ونمنع على أنفسنا كل طمع في أن نصبح ذوي سلطة أو قوة أو نفوذ. إننا نلزم أنفسنا بألا نكذب أبداً مهما كان الموقف الذي وجدنا أنفسنا فيه، وألا نخلق أو نساند بأقوالنا وكتاباتنا أوهاماً حول أمور هذا العالم المتقلبة”. يُريد أستاذ الفلسفة لنفسه إذن، أن يدين دون أن يتورط، أن يفكر دون أن يخطط، أن يلتزم دون أن يندمج، أن يكتب عن السياسة دون أن يكتب فيها. هكذا يتحدد المثقف، انطلاقا من قضية دريفوس، على أنه سياسي بالسلب. ألآن وسياسة المثقف
يعتبر ألآن، الاسم المستعار لإميل شارتييه Emile Chartier (1868/1951)، من أشهر أساتذة الفلسفة في النصف الأول من القرن الماضي بفرنسا، إن لم نقل أكثرهم شهرة وأبلغهم تأثيرا في جيل ما بين الحربين، فضلا عن أنه من أكبر أولئك الذين طرحوا إشكالية السلطة في الثقافة الفرنسية المعاصرة، والذي بدون الحديث عن نسقه لا يمكن أن نفهم – حسب محمد الشيخ- ما يروج حاليا في هذه الساحة. ففي الوقت الذي توسل إليه أستاذه “لاشلييه” (Jules lachelier) ألا يتورط في السياسة؛ أخذ ألآن سياسة، ضد أستاذه (الذي كان يعتبر النظام السياسي كاستمرار للنظام الكوني) وبالضبط ما سمي لاحقا بسياسة ألآن La politique d’Alain، أو سياسة الفيلسوف La politique du philosophe. فأهم القضايا التي طرحتها ظلت ولا تزال مهيمنة على الفكر الفرنسي، خصوصا ما تعلق منها بعلاقة المثقف والسلطة، فضلا عن أن المدشن الحقيقي لإشكالية المثقف والسلطة هو ألآن، وفقا لعبارة المفكر محمد الشيخ.
إن ما استفادته الفلسفة السياسية الفرنسية المعاصرة من قضية دريفوس، يمكن إجماله في فكرتين: الفرد كقيمة في ذاته، والسياسة كسلب في ذاتها؛ أي الفرد في مواجهة السياسة كسياسة للفرد. فإما أن يبتعد الفرد عن السياسة (كما فعل لاشلييه، برجسون، برانشفيك)، وإما أن يواجهها بعنف؛ أن نؤسس سياسة الفرد ضد سياسة السياسة، سلطة الفرد ضد السلطة (ألآن). وبالتالي، ليفهم المثقف السياسة ليس معناه – حسب ألآن- “أن نقارن الأنظمة السياسية فيما بينها ونختار، إن أمكن ذلك، أحسنها على الإطلاق. أن نفهم السياسة، معناه قبل كل شيء، أن نفهم التأثيرات وردود الأفعال التي تحدث بين السلطة والأفراد المحكومين”.
نسجل مع ألآن، حسب محمد الشيخ، تحولا في تعامل المفكر مع السياسة؛ إذ ليس التعامل هنا هو إقامة تصنيف ونمذجة typologie لأنواع الحكم على طريقة أرسطو مثلا، بل التعامل هنا هو رصد تقاطع حقوق المواطن وسلطة السلطة، السياسة هنا سياسة المثقف. وتبعا لذلك، لا مكان ل”نحن” في خطاب ألآن. يقول ألآن:” يفكر الإنسان دائما في وحدته وصمته أمام الأشياء، وبمجرد أن يفكر الناس جماعيا حتّى تسوء الأمور بسرعة”. فسياسة الفيلسوف هي سياسة الفرد؛ لأن، عند ألآن، “المجتمع هو دائما قهر وقمع، إنه دائما أعمى فهو ينتج بصفة دائمة، ومستمرة، الحرب والعبودية والشعوذة، بطبيعته الخاصة. إنّ الإنسانية تجد نفسها في الفرد، في حين تجد البربرية نفسها في المجتمع”. لهذا فعلى الفرد أن يفكر دائما ضد المجتمع.
وعليه، هناك دائما إمكانية قراءة خاطئة فجة لقضية دريفوس ما دمنا نفكر فيها جماعة وبشكل مشترك. فبدل أن يسأل الرأي العام هل دريفوس متورط أم بريئ، كان الأجدر بهم أن يتساءلوا عما إذا كان الرأي مستعدا لمواجهة السلطة إذا ثبتت براءة دريفوس.
قضية دريفوس إذن ولدها الرأي العام ميتة؛ لأنه لم يطورها ولم يحافظ على المواجهة الأبدية والاستعداد الدائم لمواجهة السلطة. يقول ألآن:” لم أصبح من أنصار دريفوس إلا مرغما وبعد أن قرأت بعض البلادات التي كان يكتبها العسكر في بعض صحفه. لقد تلقيت ببرودة خبر تورط ضابط من القيادة العليا وهو يلعب بنار العسكر الخطيرة، لأني كنت قد قرأت تاريخ اللعبة العسكرية ولم أكن أتوفر على رأي خاص في هؤلاء الرجال العنيفين الحذرين. كما كنت أحتقر كل ما يتعلق بأمور التجسس ومحاربته. لقد وجدت نفسي هكذا في موقع حكم غير متحمس. غير أنه لما تبين لي بوضوح أن قواد الجيش الكبار كانوا يفخرون بارتكاب الخطأ بل ويستغلونه لتذكيرنا بأنهم يحكموننا بالقوة، ارتميت فجأة في أحضان الثورة والتحقت بأصدقائي المناصرين لدريفوس. لقد أقسمنا ألا نصيح أبدا بعد هذا “يحيا الجيش”.. وأصبحنا نلقي خطبا على منابر الساحة العمومية بمساعدة عمال الورش ورجال البحرية. لقد أصبحنا فجأة سادة المدينة وأنشأنا عن كثب كومونة مستقلة نواجه بها حالة محتملة لانقلاب يقوم به العسكر. لقد ارتميت إذن في أحضان الأهواء السياسية.. ولحظتها بدأت أدرك حبائل السياسة. لهذا كان علي أن أقرأ ما كنت أجده من كتابات ماركس وبرودون، وكان علي أن أصعد إلى العقد الاجتماعي حيث أخذت زهور الثورة تنمو”… يتبع